فيما رغبوا ، فما لبثوا أن لحقوا ، فاذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ من كبر سنك ، ورسوخ عقلك ، وحضور أجلك ، فكيف يسلم الحدث في سنه الجاهل في علمه المأفون في رأيه ، المدخول في عقله ، إنا لله وانا اليه راجعون ، على من المعول به ، وعند من المستعتب ؟ . ونشكوا إلى الله بثنا ، وما نرى فيك ، ونحتسب عند الله مصيبتنا بك ، فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً ، وكيف أعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلا ، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيراً ، وكيف قربك أو بعدك ممن أراك أن تكون منه قريبا ذليلا ، مالك لا تنتبه من نعستك ، ولا تستقيل من عثرتك فتتول ، والله ما قمت لله مقاماً واحداً أحييت به دينا ، أوامت له به باطلا ، فهذا شكرك من استحملك ما أخوفني أن تكون كمن قال الله في كتابه(1) : (اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً) . أستحملك كتابه ، واستودعك علمه فاضعتها فنحمد الله الذي عافانا مما أبتلاك به والسلام(2).
____________
(1) سورة مريم آية 95.
(2) بحار الانوار ج17 ص 213 ط ايران وتحف العقول لابن شعبه ص 66 والامام زين العابدين ص 159 للمقرم ط نجف.
(إلى عبد الملك بن مروان جوابا)


____________
(1) لما صدرت الطبعة الاولى من الكتاب ثارت جماعة من فضلاء اهل العلم وغيرهم ـ مع عدم علمهم بالحديث والتاريخ ـ حول هذه الكلمة . وما دروا ان امه عليه السلام ماتت في نفاسها فسلمه ابوه الامام الحسين (ع) الى ام ولد له وكان (ع) يدعوها بالام والعبارة تقصد هذا كما يذكر المؤرخون وكما جاء في عيون اخبار الرضا (ع) ص 27 ط ايران عن ابي الحسن الرضا (ع) انه قال للنوشجاني ان ام علي بن الحسين ماتت في نفاسها به فكفله بعض امهات ولد ابيه فسماها الناس امه ، وانما هي مولاته وزعموا زوج امه ، ومعاذ الله ذلك وانما زوج هذه انتهى والسبب في اقدام الامام على زواجها يذكره الصدوق في نفس المصدر المتقدم فراجع.

(إلى عبد الملك بن مروان أيضا)


____________
(1) وفيات الاعيان ج3 ص 33 لابن خلكان نقلا عن المعارف لابن قتيبة والبحار ج6 عن كتاب التهذيب للطوسي باختلاف.
(2) الفصول المهمة ص 184 ط نجف للمالكي ونور الابصار ص 140 للشبلنجي وكان كتاب عبد الملك بن مروان الى الحجاج بن يوسف الثقفي : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الملك بن مروان الى الحجاج بن يوسف اما بعد فانظر في دماء بني عبد المطلب ـ



____________
ـ فاجتنبها ، فاني رأيت الى آل ابي سفيان ولما ولعوا فيها لم يلبثوا الا قليلا والسلام.
شيئا من امره ، وقد رفع الله بالأسلام الخسيسة(1) وتمم به النقيصة واذهب اللؤم فلا لؤم على امرء مسلم انما اللؤم لؤم الجاهلية والسلام.

( كتابه عليه السلام )
( إلى بعض أصحابه المعروف برسالة الحقوق(3) )

____________
(1) الخسيسة الرذالة والنقص.
(2) الكافي على هامش مرآة العقول ج3 ص 448 ط ايران والامام زين العابدين (عليه السلام) ص 371 ط نجف للمقرم والمناقب لابن شهر اشوب ص 124 ط بمبئي باختلاف.
(3) طبعت هذه الرسالة القيمة مرات عديدة مستقلة في ضمن بعض الكتب بدون شرح وقد تكرر الرسالة مع الشرح الوافي ـ
بك في كل حركة تحركتها ، أو سكنة سكنتها ، أو حال حلتها ، أو منزلة نزلتها ، أو جارحة قلبتها ، أو آلة تصرفت بها ، بعضها أكبر من بعض ، وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقه الذي هو أصل الحقوق ومنه تتفرع ، ثم ما أوجبه عليك لنفسك من قرنك الى قدمك على اختلاف جوارحك فجعل لبصرك عليك حقا ، ولسمعك عليك حقا ، وللسانك عليك حقا ، وليدك عليك حقا، ولرجلك عليك حقا ، ولبطنك عليك حقا ، ولفرجك عليك حقا ، فهذه ا لجوارح السبع التي بها تكون الأفعال ، ثم جعل عز وجل لأفعالك عليك حقوقا ، فجعل لصلاتك عليك حقا ، ولصومك عليك حقا ، ولصدقتك عليك حقا ، ولهديك عليك حقا ، ولافعالك عليك حقا ، ثم تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوى الحقوق الواجبة
____________
ـ يناسب لشخصية الامام الخالدة (ع) في مجلد ضخم كبير بقلم احد الفضلاء باسم (شرح رسالة الحقوق) ويقول احد الادباء في تعريفها :

عليك ، وأوجبها عليك حق أئمتك ، ثم حقوق رعيتك ، ثم حقوق رحمك ، فهذه حقوق تنشعب منها حقوق ، فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك ، حق سائسك بالسلطان، ثم سائسك في بالعلم ، ثم حق سائسك بالملك ، وكل سائس امام ، وحقوق رعيتك ثلاثة أوجبها عليك ، حق رعيتك بالسلطان ، ثم حق رعيتك بالعلم فان الجاهل رعية العالم ، وحق رعيتك بالملك من الأزواج وما ملكت الايمان ، وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة ، فاوجبها عليك حق امك ، ثم حق أبيك ، ثم حق ولدك ، ثم حق أخيك ، ثم الأقرب فالأقرب ، والأولى فالأولى ، ثم حق مولاك المنعم عليك ، ثم حق مولاك الجارية نعمته عليك ، ثم حق ذي المعروف لديك ، ثم حق مؤذنك بالصلوة ، ثم حق أمامك في صلاتك ، ثم حق جليسك ، ثم حق جارك ، ثم حق صاحبك ، ثم حق شريكك ، ثم حق مالك ، ثم حق غريمك الذي تطالبه ، ثم غريمك الذي يطالبك، ثم خليطك ، ثم حق خصمك ، المدعى عليك ، ثم حق خصمك الذي تدعى عليه ، ثم حق مستشيرك ، ثم المشير عليك ، ثم مستنصحك ، ثم الناصح لك ، ثم حق من هو أكبر منك ، ثم من هو أصغر منك ، ثم حق سائلك ، ثم حق من سألته ، ثم
حق من جرى لك على يديه مسائة بقول أو فعل ، أو مسرة بقول أو فعل عن تعمد منه أو غير تعمد ، ثم حق أهل ملتك عامة ، ثم حق أهل الذمة ثم الحقوق الجارية بقدر علل الأحوال ؛ وتصرف الاسباب ، فطوبى لمن أعانه الله على قضاء ما أوجبه عليه من حقوقه ، ووفقه وسدده.




____________
(1) الخنا : الفحش في الكلام.



تقبضها عما افترض الله عليها ، ولكن توقرها بقبضها عن كثير مما لا يحل لها ، وبسطها الى كثير مما ليس عليها فاذا هي قد عقلت وشرفت في العاجل ، ووجب لها حسن الثواب من الله في الآجل. (وفي رواية : وحق يدك أن لا تبسطها الى ما لا يحل لك ).


بالله ، والتخويف لها به ، وبالله العصمة والتأييد ، ولا حول ولا قوة الا به . ( وفي رواية : وحق فرجك ان تحصنه عن الزنا ، وتحفظه من ان ينظر اليه ).






بما استودعته علانية ، وكنت جديراً أن لا تكون اسررت اليه أعلنته ، وكان الأمر بينك وبينه سراً على كل حال ، ولم تستظهر عليه فيما استودعته منها باشهاد الاسماع والأبصار عليه بها ، كانها اوثق في نفسك ، وكانك لا تثق به في تأدية وديعتك اليك ، ثم لم تمنن بها على أحد ، لأنها لك فاذا امتنت بها لم تأمن أن تكون بها مثل تهجين حالك منها الى من مننت بها عليه لأن في ذلك دليلا على أنك لم ترد نفسك بها ، ولو اردت نفسك لم تمنن بها على أحد، ولا قوة الا بالله. (وفي رواية: وحق الصدقة ان تعلم انها ذكرك عند ربك عز وجل ، ووديعتك التي لا تحتاج الى الاشهاد عليها وكنت بما تستودعه سرا اوثق منك بما تستودعه علانية ، وتعلم أنها تدفع البلايا والاسقام عنك في الدنيا ، وتدفع عنك النار في الاخرة).

____________
(1) الشيء سلبه بمخاتلة وعاجلا.
الله يراد باليسير ، ولا يراد بالعسير كما أراد بخلقه التيسير ، ولم يرد بهم التعسير ، وكذلك التذلل اولى بك من التدهقن ، لأن الكلفة والمؤنة في المتدهقنين ، فاما التذلل والتمسكن فلا كلفة فيهما ، ولا مؤنة عليهما ، لأنهما موجودان في الطبيعة ، ولا قوة الا بالله.
(وفي رواية : وحق الهدى أن تريد به الله عز وجل ، ولا تريد به خلقه ، ولا تريد به الا التعرض لرحمة الله ، ونجاة روحك يوم تلقاه ).


____________
(1) اي لا تعارضه في العزة والعظمة.
ولا تعانده ، فانك ان فعلت ذلك عققته ، وعققت نفسك ، فعرضتها لمكروهه ، وعرضته للهلكة فيك ، وكنت خليقاً ان تكون معينا له على نفسك ، وشريكا فيما اتى اليك ولا قوة إلا بالله.


____________
(1) اي مالك امرك في التعليم من اسست الرعية أي ملكت امورهم.
الذي يجيب ، ولا تحدث في مجلسه أحداً ولا تغتاب عنه أحداً وان تدفع عنه اذا ذكر عندك بسوء ، وان تستر عيوبه وتظهر مناقبه ولا تجالس له عدواً ، ولا تعادي له ولياً ، فاذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بانك قصدته ، وتعلمت علمه لله جل اسمه لا للناس ).




وذله حتى صيره لك رعية ، وصير حكمك عليه نافذاً لا يمتنع منك بعزة ولا قوة ، ولا يستنصر فيما تعاظمه منك إلا بالرحمة والحياطة والاناة ، وما أولاك اذا عرفت ما أعطاك الله من فضل هذه العزة والقوة التي قهرت بها أن تكون لله شاكراً ، ومن شكر الله اعطاه فيما أنعم عليه ، ولا قوة الا بالله.





فتطعمه مما تأكل ، وتلبسه مما تلبس ، ولا تكلفه ما لا يطيق ، فان كرهته خرجت الى الله منه ، واستبدلت به ولم تعذب خلق الله ، ولا قوة الا بالله .


وتضحي وتنعمك ببؤسها ، وتلذذك بالنوم بارقها ، وكان بطنها لك وعاءاً ، وحجرها لك حواءاً ، وثديها لك سقاءاً ونفسها لك وقاءاً ، تباشر حر الدنيا وبردها لك ودونك ، فتشكرها على قدر ذلك ، ولا تقدير عليه إلا بعون الله وتوفيقه .



وشره ، وانك مسؤول عما وليته من حسن الأدب ، والدلالة على ربه ، والمعونة له على طاعتك فيك وفي نفسه ، فمثاب على ذلك ومعاقب ، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا ، المعذر إلى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه ، والاخذ له منه ، ولا قوة إلا بالله.






لك بميراثه في العاجل اذا لم يكن له رحم ، مكافأة لما انفقته من مالك عليه ، وقمت به من حقه بعد انفاق مالك ، فان لم تقم بحقه خيف عليك أن لا يطيب لك ميراثه ، ولا قوة الا بالله .




على ذلك ، شكرك للمحسن اليك ، وعلمت انه نعمة من الله عليك لا شك فيها ، فاحسن صحبة نعمة الله عليها على كل حال ولا حول ولا قوة الا بالله.


