37/06/04


تحمیل

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

 

قلنا أنّه قد يوجد ظهور في الدليل يقتضي ترجيح جانب الزيادة في الدليل المشتمل على الزيادة أو ترجيح جانب النقيصة في الدليل غير المشتمل على الزيادة ، لكن هذا لا يعني التقديم، ليس في الدليلين ظهور في تقديم جانب الزيادة على جانب النقيصة حتى ندرج هذا في كبرى حجية الظهور وندخله في باب الكشف النوعي ونقول في هكذا حالة لا حاجة إلى ملاحظة ما يوجب الترجيح في هذا الطرف، أو ما يوجب الترجيح في ذاك الطرف، إذا دخل في باب الكشف النوعي؛ حينئذٍ يُعمل بهذا ويُعمل بما يقتضي ذلك، سواءً تكافأ الاحتمالان أو كان هذا الاحتمال أرجح، أو كان ذاك الاحتمال أرجح كما هو مقتضى إدراجه في باب الكشف النوعي، ملاك الحجية يكون هو الكشف النوعي وليس الكشف الشخصي؛ فحينئذٍ يُعمل بذلك ويُقدّم جانب الزيادة حتى لو كان جانب النقيصة أرجح من جانب الزيادة.

هذا لا وجه له من دون إدراجه في باب الظهور، إلا أن يُدّعى أنّ هناك أصل عقلائي يبني على تقديم جانب الزيادة على جانب النقيصة حتى لو كان احتمال النقيصة ارجح من احتمال الزيادة، أو في حالة التكافؤ، مع ذلك يوجد أصل عقلائي يقتضي تقديم جانب الزيادة.

إذا كان هذا هو المقصود؛ حينئذٍ يكون جوابه أنّه لا يوجد لدينا أصل عقلائي يبني على تقديم جانب الزيادة تعبّداً من دون أن يكون هذا مرتبطاً بباب الأرجحية والترجيح، ليس لدينا هكذا أصل عقلائي، وإنّما ما ندركه من عمل العقلاء ومن الأصول العقلائية أنّها دائماً تكون مرتبطة بجانب الترجيح، مرتبطة بأن يُبنى على ترجيح هذا الطرف باعتبار حصول وثوق واطمئنان بأرجحيته من ذلك الاحتمال، وهذا لا يُفرق فيه بين جانب الزيادة أو جانب النقيصة، ولو سألنا العقلاء عندما لا نعثر مرجحٍ لأحد الاحتمالين على الاحتمال الآخر، العقلاء يبنون على تساقط الاحتمالين، هذه هي القواعد العامة في باب الترجيح، إن كان هناك مرجّح في أحد الطرفين يُعمل به، سواء كان في جانب الزيادة، أو جانب النقيصة من دون فرقٍ بينهما، وإن لم يكن هناك مرجح؛ فحينئذٍ يُبنى على التساقط وعدم ترجيح هذا الطرف على ذاك الطرف، ولا ترجيح ذاك الطرف على هذا الطرف. أمّا أن نفترض أنّ هناك أصلاً عقلائياً وبناء من قبل العقلاء على ترجيح جانب الزيادة من دون إدراجه في باب الظهور؛ بل تقديمه من دون ملاحظة التكافؤ والأرجحية، ومن دون ملاحظة ما يوجب الأرجحية في أحد الطرفين، هذا أشبه بالأصل التعبّدي، كأنّ العقلاء بنوا على تقديم جانب الزيادة تعبّداً، هذا افتراض بعيد جداً، ولا يمكن تفسير الأصول العقلائية بهذا التفسير، وإنّما المعقول تفسيره بأنّ العقلاء يعملون بما يحصل لهم وثوق به، فيلاحظون أين يحصل الوثوق، هل هو جانب الزيادة، أو جانب النقيصة، فيعملون بذلك، وإلاّ يُلتزم بالتساقط.

ومن خلال هذا الكلام يظهر عدم وجود قاعدة مستقلة تقتضي تقديم جانب الزيادة على جانب النقيصة عندما يدور الأمر بين الزيادة وبين النقيصة، وإنّما لابدّ من تطبيق القواعد العامّة في باب الترجيح، وهذا هو الصحيح. أنّ المسألة مرتبطة بالوثوق، إذا حصل لك وثوق بتقديم جانب الزيادة بعد تجميع القرائن، أو قد يحصل وثوق للإنسان بدون تجميع قرائن، بأنّ الزيادة بطبعها أرجح من النقيصة بطبعها، فإذا حصل وثوق بذلك يُقدّم جانب الزيادة. لكن كما قلنا هذا لا يُعفينا من ملاحظة المرجّحات التي قد تقترن بجانب الزيادة وتوجب أرجحيته على جانب النقيصة، أو تقترن بجانب النقيصة وتوجب أرجحيته على جانب الزيادة. وإنّ لم نعثر على ما يوجب الترجيح وتكافأ الاحتمالان من دون أن يحصل وثوق بأحد الاحتمالين في مقابل الآخر لابدّ من الالتزام بالتساقط كما هي القاعدة المقررة في باب الترجيح.

المحقق النائيني(قدّس سرّه) إدّعى وجود ما يوجب ترجيح جانب النقيصة على جانب الزيادة، بالرغم من أنه اعترف أنّ مقتضى القاعدة هو تقديم جانب الزيادة على جانب النقيصة، هو اعترف بالكبرى، لكن لابدّ من ملاحظة المرجّحات التي قد تكون موجودة في جانب النقيصة، وهذا ما إدّعاه في محل الكلام، يعني في زيادة(على مؤمن) التي هي محل الكلام، هو إدعى أنّ هناك بعض النكات التي توجب ترجيح جانب النقيصة على جانب الزيادة، بالرغم من أنّ الزيادة لو خلّيت وطبعها من دون افتراض وجود نكات، لكان جانب الزيادة هو الأرجح والمقدّم على جانب النقيصة.

استند(قدّس سرّه) في ترجيح جانب النقيصة في خصوص المقام على جانب الزيادة إلى أمرين، ذكرناهما في الدرس السابق، نعيدهما الآن:

الأمر الأول: إدّعى أنّ الزيادة(على مؤمن) وردت في رواية واحدة وهي رواية ابن مسكان، عن زرارة التي يرويها الشيخ الكليني(قدّس سرّه) في الكافي، بينما النقيصة وردت في روايات عديدة، وهذا يوجب أرجحية جانب النقيصة بالنسبة إلى جانب الزيادة، فالزيادة لم تروَ إلا في رواية واحدة، بينما النقيصة رويت في روايات كثيرة.

هل هذه النكتة تامّة، أو غير تامّة ؟ قد يقال: أنّ كلامنا هو في الطائفة الأولى، والتهافت الموجود هو في روايات الطائفة الأولى، والطائفة الأولى حسب التقسيم المتقدّم كانت هي الطائفة التي تتحدث عن قصة سمُرة بن جندب، في هذه الطائفة قلنا هناك تهافت في النقل، بعض روايات هذه الطائفة فيها هذه الزيادة، وهي ما يرويه ابن مسكان، عن زرارة بحسب نقل الشيخ الكليني(قدّس سرّه) بينما في باقي الروايات التي تتحدث عن هذه القصة لا توجد هذه الزيادة، فحصل تهافت بينهما، فنريد أن نعالج مشكلة هذا التهافت في حدود هذه الطائفة، فإذا لاحظنا الطائفة الأولى سنجد أنّ هذه الدعوى التي يدّعيها المحقق النائيني(قدّس سرّه) غير تامّة؛ حيث لا نستطيع أن نقول أنّ الزيادة مروّية برواية واحدة، بينما النقيصة مروّية بروايات كثيرة ومتعددة، حيث أنّ روايات الطائفة الأولى كلّها ثلاث روايات، رواية مشتملة على الزيادة وهي رواية ابن مسكان، عن زرارة التي يرويها الشيخ الكليني(قدّس سرّه)، ورواية ثانية يرويها ابن بكير، عن زرارة التي يرويها أيضاً الشيخ الكليني(قدّس سرّه) في نفس الباب، وهي غير مشتملة على الزيادة، وتوجد رواية ثالثة وهي لم تُذكر فيها قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) أصلاً وهي الرواية التي انفرد بنقلها الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) في الفقيه، فلا نستطيع جعل هذه الرواية شاهداً على تعدد عدم ذكر الزيادة في قبال الرواية التي تذكر الزيادة؛ لأنّها أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع؛ لأنّ القاعدة لم تُذكر فيها أصلاً، لا أنّها ذُكرت فيها القاعدة من دون الزيادة كما في رواية ابن بكير عن زرارة التي يرويها الشيخ الكليني(قدّس سرّه) حيث وردت فيها قاعدة(لا ضرر ولا ضرار لكن من دون زيادة(على مؤمن).

يمكن أن يكون مقصود المحقق النائيني(قدّس سرّه) ليس هو ظاهر عبارته، وإنّما لعل مقصوده هو وجود شواهد وقرائن توجب ارجحية احتمال النقيصة في روايات الطائفة الأولى بالنسبة إلى احتمال الزيادة، هناك جملة من الأمور نذكر بعضها:

الأمر الأول: الوسائط في الرواية غير المشتملة على الزيادة، أي رواية النقيصة، أي (لا ضرر ولا ضرار) من دون عبارة(على مؤمن) الوسائط الذين يروي عنهم الشيخ الكليني، الذين هم بين الإمام(عليه السلام) وبين الشيخ الكليني(قدّس سرّه) خمسة، وهم: (عدّة من أصحابنا، واحمد بن محمد بن خالد، وأبوه محمد بن خالد، وابن بكير، وزرارة) في حين أنّ الرواية المشتملة على الزيادة التي يرويها أيضاً الشيخ الكليني(قدّس سرّه)، الوسائط فيها ستة، وهم:(علي بن محمد بن بندار، واحمد بن ابي عبد الله البرقي، وأبوه، وبعض أصحابنا، وابن مسكان، وزرارة) فيمكن أن يقال أنّ قلّة الوسائط وكثرتها يوجب أن يكون احتمال الغفلة في الخبر ذي الوسائط الأكثر عدداً يكون أكبر من احتمال الغفلة في الخبر ذي الوسائط الأقل عدداً، وهذا يوجب نوعاً من الأرجحية للخبر الذي ينقل النقيصة على الخبر الذي ينقل الزيادة.

الأمر الثاني: أنّ أول واسطة ينقل عنها الشيخ الكليني(قدّس سرّه) في الخبر الذي لا ينقل الزيادة هو عدّة من أصحابنا، وعدّة الشيخ الكليني(قدّس سرّه) معروفة، وهم ثقات وفيهم من الإجلاء الكبار جداً على نحو يستطيع الإنسان أن يقول كأنّ هذه الواسطة غير موجودة لكثرة وثاقة هؤلاء وجلالتهم وتعددهم، كأنّ الشيخ الكليني(قدّس سرّه) ينقل عن البرقي مباشرة بتوسّط هذه العدّة. بينما في الخبر الآخر الذي يشتمل على الزيادة الشيخ الكليني(قدّس سرّه) ينقل عن شخصٍ واحد هو علي بن محمد بن بندار، بينما هناك ينقل عن عدّة، هذا أيضاً يوجب أقوائية وأرجحية بالنسبة للخبر الذي لا يشتمل على الزيادة بالنسبة للخبر الذي يشتمل عليها. يعني كأنّه لكون الذين ينقل عنهم الشيخ الكليني(قدّس سرّه) عدّة كثيرة وفيهم من هو جليل القدر جداً وهم اربعة ثقات، كأنّه لا توجد واسطة وأنه ينقل عن البرقي مباشرةً. وكلمّا قلّت الوسائط كلّما يعطي احتمالية الصدور أكبر ممّا يعطيه احتمال الخبر الآخر الذي ينقل فيه الشيخ الكليني(قدّس سرّه) عن واسطة واحدة.

الأمر الثالث: أنّ الخبر الغير مشتمل على الزيادة الذي ينقله الشيخ الكليني(قدّس سرّه) بوسائط عن ابن بكير عن زرارة، هو نفسه نقله الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) بسند آخر، لكن أيضاً ينتهي بابن بكير، عن زرارة؛ حينئذٍ هذا يضعّف احتمال الغفلة في من يقع بين الإمام(عليه السلام) وبين الشيخ الكليني(قدّس سرّه)، باعتبار وجود طريقين، بالقياس إلى الخبر المشتمل على الزيادة حيث لا يوجد طريق آخر إليه، وإنّما طريق واحد وهو المذكور في الكافي، الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) لم يروِ الخبر الثاني، وإنما روى الخبر الأول الغير مشتمل على زيادة، ورواه بسندٍ آخر، لكن ينتهي إلى ابن بكير، عن زرارة، عن الإمام(عليه السلام).

إذاً: كأنّ الخبر نُقل بطريقين، فالشيخ الكليني(قدّس سرّه) يرويه بطريقٍ، والشيخ الصدوق(قدّس سرّه) يرويه بطريقٍ آخر، وكل منهما ينتهي إلى ابن بكير إلى زرارة، وهذا يدعم موقف هذا الحديث الغير مشتمل على الزيادة إذا ما قارناه بالحديث المشتمل على الزيادة، فأنّه لا يوجد له طريق آخر غير الطريق المذكور في الكافي.

الأمر الرابع: أنّ الخبر المشتمل على الزيادة فيه مشكلة الإرسال، حيث قلنا أنّ البرقي يرويه عن بعض أصحابنا، حتى لو كنّا بانين على حجّية هذا الخبر كما هو المفروض، حيث أننا نتكلّم بناءً على حجية الخبر حتى نرى التهافت، وإلاّ إذا بنينا على عدم حجية الخبر؛ فحينئذٍ لا يكون هناك تهافت، وإنّما كلامنا فيما إذا تنزلنا وقلنا أنّ هذا الخبر حجّة بشكلٍ من الأشكال؛ فحينئذٍ نقول حتى لو كان هذا الخبر حجّة، لكن فيه إرسال، حيث أنّ جهالة شخص في هذا السند وعدم معرفة حاله من حيث الوثاقة والضبط والدقة في النقل، هذا يضعف القيمة الاحتمالية لهذا الخبر في قبال الخبر الآخر الذي ليس فيه إرسال، ونعرف كل الأشخاص بالضبط والوثاقة، بينما هنا يوجد شخص مجهول، وإن كان الخبر حجّة، لكنه شخص مجهول لا يُعلم حاله من حيث الوثاقة والضبط، هذا أيضاً يعطي قيمة احتمالية أكبر للخبر الغير مشتمل على الزيادة الذي لا يوجد فيه ارسال .

هناك نكتة أخرى أيضاً تُذكر في هذا الباب وهي مسألة أنّ الشيخ الكليني(قدّس سرّه) عندما نقل الروايتين في الكافي نلاحظ بشكلٍ واضح أنّ الرواية الأولى غير المشتملة على الزيادة التي يرويها بإسناده، عن ابن بكير، عن زرارة نقلها في أول الباب، بينما نقل الرواية الأخرى المشتملة على الزيادة في آخر الباب، وفصل بينهما برواياتٍ أخرى ليست واردة في قصة سمُرة بن جندب. صحيح هي أيضاً ترتبط بالضرر بشكلٍ من الأشكال، لكنها تختلف موضوعاً عن الرواية الأولى والرواية الأخيرة، فصل بينهما بروايات ليس لها علاقة بقصة سمُرة بن جندب، ذكر الرواية غير المشتملة على الزيادة في أول الباب، وذكر الرواية المشتملة على الزيادة في آخر الباب. هذا بناءً على بعض الآراء التي ترى أنّ الشيخ الكليني(قدّس سرّه) يرتب تسلسل الأحاديث في الأبواب حسب ما يراه هو من حيث الاعتماد والصحة وتوثيق الخبر، فكلما يرى أنّ هذا الخبر أصح يذكره أولاً، ثمّ بعد ذلك يتسلسل إلى أن يذكر هذا الخبر المشتمل على الزيادة في آخر الباب. قد يُستظهر من هذا أنّ ذكره في آخر الباب ليس من باب الاعتماد، وإنّما هو أشبه بباب الاستشهاد والتأييد وليس من باب الاعتماد عليه. هذا أيضاً يُعطي قيمة احتمالية للخبر الأول الغير المشتمل على الزيادة في قبال الخبر الآخر المشتمل على الزيادة.

هذه مجموعة من النكات بمجموعها قد توجب حصول الوثوق بأرجحية جانب النقيصة في خصوص ما نحن فيه بالنسبة إلى احتمال الزيادة.

الأمر الثاني الذي ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه) ــــــــ غير مسألة أنّ الرواية التي تروي الزيادة رواية واحدة، بينما التي لا تروي الزيادة روايات متعددة ـــــــ والذي يوجب الأرجحية هو مسألة أنّ احتمال الاشتباه في زيادة كلمة(على مؤمن) هو احتمال وارد جداً، أضيفت هذه الكلمة وهي ليست موجودة، ومعناه ترجيح جانب النقيصة على جانب الزيادة. احتمال إضافة كلمة(على مؤمن) للحديث وهي غير موجودة اساساً احتمال ليس بالبعيد، وإنما هو احتمال قريب بنكتة أنّ هذه الإضافة تناسب القاعدة على أساس ما يقوله من أنّ هذه القاعدة امتنانية، ومن باب الإرفاق بالمؤمنين، وهذا يناسب المؤمنين ولا يناسب غيرهم، هذه المناسبة بين هذه القاعدة وبين هذه الإضافة تعطي احتمال أنّ هذا الشخص رأى أنّ هذه القاعدة امتنانية وفيها إرفاق بالمؤمنين، فمن المناسب أن يخص ذلك بالمؤمنين، فأضاف هذه الزيادة، فقال:(لا ضرر ولا ضرار على مؤمن). هذا الاحتمال أيضاً موجود في المقام قد يفسّر لنا جانب الزيادة الموجودة في الخبر).