37/05/28


تحمیل

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

 

ذكرنا في الدرس السابق ما يُفهم من كلماتهم في مقام الاستدلال على هذه القاعدة، وذكرنا أيضاً بعض المناقشات التي ذُكرت في هذه الأدلة التي يُستدل بها على هذه القاعدة

ننقل كلاماً الآن للمحقق النائيني(قدّس سرّه) في هذا المقام ومنه ننطلق للبحث في أصل القضية. كأنّه(قدّس سرّه) يميل إلى الاعتراف بهذه القاعدة، بمعنى أنّه يرى أنّ قاعدة أصالة عدم الزيادة هي قاعدة تامّة ولابد من الالتزام بها عندما يدور الأمر بين الزيادة والنقيصة، فهو يبني على أصالة عدم الزيادة الذي ينتج أنّ العبارة الموجودة في الرواية المشتملة على الزيادة هي التامّة وهي موجودة في أصل الرواية. لكنّه ناقش في انطباق هذه القاعدة في محل الكلام، باعتبار أنّ عدم الزيادة في الرواية المشتملة على الزيادة ليس أقوى من عدم النقيصة في الرواية المشتملة على النقيصة، في محل الكلام لوجود نكات خاصة وخصوصيات في محل الكلام ليست الرواية المشتملة على الزيادة من حيث دلالتها على ثبوت الزيادة أقوى من الرواية غير المشتملة على الزيادة، فلماذا نقدّم الرواية المشتملة على الزيادة على الرواية غير المشتملة على الزيادة. القاعدة نؤمن بها، لكن إنما نؤمن بها حيث لا تكون الرواية غير المشتملة على الزيادة أقوى من الرواية المشتملة على الزيادة، وذكر بعض النكات في محل الكلام التي توجب أقوائية الرواية غير المشتملة على الزيادة بالنسبة إلى الرواية المشتملة على الزيادة:

النكتة الأولى: أنّ الزيادة رويت في رواية واحدة بينما عدم الزيادة روي في روايات كثيرة، فأننا قلنا أنّ عبارة(على مؤمن) لم تُذكر إلاّ في رواية الشيخ الصدوق (قدّس سرّه)، وهذا يُرجح جانب الرواية غير المشتملة على الزيادة على الرواية المشتملة على الزيادة.

النكتة الثانية: أنّ عبارة(على مؤمن) بمناسبات الحكم والموضوع يلاءم جداً مع قاعدة(لا ضرر ولا ضرار) التي هي قاعدة امتنانية، فيناسبها أن تختص بالمؤمنين ولا تشمل غيرهم، فكأنه يُفهم أنّ نفي الضرر والضرار هو نوع من الاعتناء بالشخص ورحمة، وهي تناسب المؤمنين؛ لأنّ غيرهم نحن أُمرنا أن نكون أشداء معهم لا رحماء، ومن هنا زيدت فقرة(على مؤمن) زيادة يناسبها ملاحظة القاعدة من حيث كونها امتنانية مع هذه الإضافة.

نحن نقول: بقطع النظر عن هاتين النكتتين اللتين ذكرهما لبيان أرجحية رواية النقيصة بالنسبة إلى رواية الزيادة في محل الكلام، الذي يظهر من كلام المحقق النائيني(قدّس سرّه) أنّه يبني على أنّ أصالة عدم الزيادة وتقديمها على أصالة عدم النقيصة ثابتة بملاك الظن الشخصي الذي يظهر بالنكات والمزايا التي توجب أقربية هذا المحتمل أو ذاك، أو يوجب أقوائية هذا الاحتمال في مقابل ذاك الاحتمال، فلابد من لحاظ المزايا والنكات الموجودة في الطرف الآخر المرجوح بحسب الفرض، فقد تكون فيه نكات توجب لأرجحيته من الرواية الأخرى، مسألة تقديم الرواية المشتملة على الزيادة ليست قاعدة نأخذ بها مهما كان وفي أي موردٍ كان، وإنما هي مبنية على حسابات وحصول الظن الشخصي، فإذا فرضنا أنّ الظن حصل في الطرف الآخر أقوى من الظن الحاصل في هذا الطرف، لا نعمل بأصالة الزيادة؛ بل قد نرجّح الرواية المشتملة على النقيصة على الرواية المشتملة على الزيادة؛ لأنّ المسألة مسألة ظن شخصي وليس ظنّاً نوعياً. نعم، يظهر من هذه القاعدة أنه يُلتزم بها في الحالات الاعتيادية لدوران الأمر بين النقيصة والزيادة. يعني حيث لا تكون هناك نكات في الرواية الأخرى موجبة لأرجحيتها بالنسبة للرواية المشتملة على الزيادة، في الحالات الاعتيادية حيث لا نكات مع تساوي الروايتين في النكتتين المتقدّمتين، يعني تساويا في عدد الروايات التي تروي النقيصة وعدد الروايات التي تروي الزيادة، ولم تكن هناك مناسبة بين القاعدة وبين الزيادة، في حال من هذا القبيل تجري أصالة عدم الزيادة، لكن هذا ليس قانوناً نطبّقه في جميع الموارد، وإنّما هو مسألة حساب احتمالات وظن شخصي، في الحالات الاعتيادية يكون الظن بالزيادة أكبر وأرجح من الظن بالنقيصة، فنقدّم الزيادة، لكن هذا ليس دائماً، وإنّما حيث لا تكون هناك نكات موجبة لتقديم النقيصة على الزيادة، فإذا وجدت مثل هذه النكات لا نعمل بأصالة عدم الزيادة؛ بل قد نرجح عدم النقيصة على عدم الزيادة. وهو يقول في محل الكلام أنّ هذه النكات موجودة في جانب النقيصة، روايات متعددة تروي النقيصة، بينما من يروي الزيادة رواية واحدة، ومن جهة أخرى أنّ الزيادة تناسب قاعدة(لا ضرر ولا ضرار) بمناسبة الحكم والموضوع، فيرِد فيها احتمال الزيادة، وهذا يقوي احتمال النقيصة بالنسبة إلى احتمال الزيادة.

هذا الكلام في مقابل أن يقال أنّ أصالة عدم الزيادة ليست من باب الظن الشخصي، وإنّما هي ثابتة بملاك الظن النوعي كما هو الحال في سائر القواعد والإمارات التي تثبت بملاك إفادتها للظن النوعي، وهذا معناه أنّ حجيتها ليست مشروطة بالظن الشخصي بالوفاق؛ بل حتى ليست مشروطة بعدم الظن بالخلاف، فإذا قيل بذلك؛ فحينئذٍ يكون ملاك حجية هذه القاعدة هو إفادتها للظن النوعي؛ وحينئذٍ يُبنى على أصالة عدم الزيادة من دون النظر إلى المرجحات، وإنّما الزيادة أصلاً فيها خصوصية تقتصي إفادة الظن النوعي بثبوت الزيادة في مقابل احتمال النقيصة.

وبعبارة أخرى: أنّ المسألة وإن كان ملحوظ فيها الكاشفية، لكن التعبّد أيضاً دخيل فيها؛ ولذا الإمارة تكون حجّة حتى إذا حصل ظن بالخلاف؛ لأنّها تفيد الظن النوعي، فصار تعبد من قبل العقلاء ومن قبل الشارع والبناء على أنّها حجة يحتج بها المولى على عبده والعبد على مولاه حتى إذا لم يحصل له الظن الشخصي، أو حصل له الظن بالخلاف هي حجة، فالتعبّد يكون دخيلاً في حجيتها. وهذا التعبّد باعتبار أنّها تفيد الظن النوعي.

وهناك بحث مهم: وهو أنّ ملاك حجية أصالة عدم الزيادة إذا قلنا أنّها حجة، هل هو قائم على أساس إفادتها الظن الشخصي، أو إفادتها الظن النوعي ؟ الكلام يرجعنا إلى أنّ أصالة عدم الزيادة في محل الكلام لا إشكال في عدم قيام دليل خاص على حجّيتها، والقائل بها لا يقيم دليلاً خاصاً على حجيتها هي بما هي أصالة عدم الزيادة، بقطع النظر عن سائر الأصول اللفظية الأخرى لا دليل على حجيتها من قبيل أصالة العموم وأصالة الحقيقة وأصالة عدم التقدير. أصالة عدم الزيادة في محل الكلام على تقدير أن تكون حجّة هي في الحقيقة داخلة في هذه المنظومة من الأصول اللفظية التي تدخل كلّها تحت عنوان أصالة الظهور والظهور حجّة، من يقول أنّ أصالة عدم الزيادة حجّة هو يدخلها في باب الظهور وبناءً على هذا يكون دليل حجية أصالة عدم الزيادة هو نفس دليل حجية أصالة الظهور وأصالة العموم وغيره، فعلينا أن نراجع هذا الدليل الذي يدل على حجية أصالة الظهور ما هو الملاك في حجيته ؟ هل هو من باب إفادتها الظن الشخصي ؟ أو من باب إفادتها الظن النوعي ؟

عمدة دليل حجّية الظهور هو عبارة عن السيرة، والسيرة يمكن تقريبها على أساس أنها سيرة متشرعة ويمكن تقريبها على أساس أنها سيرة عقلائية، بالنسبة إلى سيرة المتشرعة لا ينبغي الإشكال في انعقاد سيرة المتشرعة من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) على العمل بالظواهر بلا إشكال، ولا ينبغي الإشكال والتوقف في هذا ؟ إذ لا إشكال في أنّ المتشرعة من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) يعملون بأخبار الثقات الواصلة إليهم، العمل بخبر الثقة من قِبل المتشرعة من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) يستلزم العمل بظهور كلامهم، وإلاّ كيف يمكن أن نفترض أنّهم يعملون بخبر الثقة ولكنهم لا يعملون بظاهر الرواية الواصلة إليهم الثقة عن الإمام(عليه السلام) إذاً: ما هو البديل عن العمل بظهور خبر الثقة ؟ وأي بديل نفترضه هو بديل عجيب غريب، ولو كان لبان، لو فرضنا أنّ البديل هو أنّهم يعملون بخلاف الظاهر، هل يمكن التفوّه بذلك ؟!! أو لا يعملون به إلاّ إذا أفادهم العلم والاطمئنان. أو يعملون به إذا كان موافقاً للاحتياط . هذه كلها بدائل غير محتملة؛ لأنّها لو كانت موجودة، فهي تنقل إلينا عادة؛ لأنّها ظاهرة غريبة أن يعملوا بأخبار الثقات لكن من دون الأخذ بظاهر خبر الثقة، فلو كانت لانعكست علينا، بينما لم ينعكس علينا ذلك؛ بل انعكس علينا خلافه؛ إذ لا إشكال بين كل العلماء والفقهاء وبين كل الفرق الإسلامية أنّ الظهور حجة ويجوز الأخذ به والاعتماد عليه، فإذاً: لا إشكال في وجود سيرة من قبل المتشرعة من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) على الأخذ بالظهور والاعتماد عليه في تشخيص مراد الإمام(عليه السلام) في الرواية المنقولة إليهم بتوسط أخبار الثقات، أو في استنباط الحكم الشرعي من الرواية، في معرفة الحكم الشرعي الذي تتضمنه الرواية يعتمدون على الظهور ويأخذون بالظهور بلا إشكال. هذا دليل حجية الظهور.

السؤال الذي يطرح نفسه في المقام: هو عمل المتشرعة بظهور الروايات التي تنقل الأحكام الشرعية عن الأئمة(عليهم السلام) هل هو قائم على أساس حصول الاطمئنان لهم بأنّ المتكلّم يريد ظاهر الكلام، الذي معناه أنّهم إذا لم يحصل لهم الاطمئنان لا يعملون بذلك الظهور ؟ أو أنّ القضية غير مرتبطة بهذا، وإنّما مرتبطة بوجود بناء على حجية الظهور، يُجعل حجة في المولويات العرفية وفي الأحكام الشرعية يوجد بناء على أنّه حجة وليس من باب إفادته الاطمئنان الشخصي بحيث يكون العمل بالظهور منوطاً بإفادته الاطمئنان الشخصي، فإذا أفاد يعمل به، وإذا لم يُفد لا يعمل به ؟ الصحيح هو الثاني، يعني لا يمكن أن نقول أنّ عمل المتشرعة من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) بالظهورات منوط بإفادتها للاطمئنان، وذلك بنكتة أنّ حصول الاطمئنان من الظهورات نادر، لاعتبارات متعدد، منها وأهمها أنّ الشارع له طريقة خاصة في البيان، أو يعتمد على القرائن المنفصلة، وهذا واضح جداً، هو يستخدم التقية، مضافاً إلى الاحتمالات المخالفة للظهور كالتجوّز في قبال الحقيقة، والتخصيص في قبال العموم، والتقييد في قبال الإطلاق والتقدير في قبال عدم التقدير..... وهكذا. هذه الاحتمالات موجودة، مجموع هذه الأمور تجعل الاطمئنان بالظهور مسألة نادرة، ولم ينقل عن أصحاب الأئمة(عليهم السلام) أنّهم يعملون بظهور لإفادته الاطمئنان ولا يعملون بظهور آخر لعدم إفادته الاطمئنان مع الاعتراف بوجود الظهور وتحققه، إذا سلّم الظهور، فهو حجّة، الأشخاص يختلفون، من يتلقى الروايات ومن تصل إليه الروايات يختلف، قد يحصل له الاطمئنان وقد لا يحصل له، ولا يوجد هكذا تفصيل في حجية الظهور، وهذا معناه أنّ حجية الظهور قائمة على إفادته الظن النوعي، بمعنى أنّ المناط فيه ليس هو الظن الشخصي والاطمئنان الشخصي، ملاك الحجية ليس هذا، وإنّما هو أنّ هذا شيء هو عادة عند نوع الناس يفيد الظن، إذاً هو حجّة، وإن لم يُفد الظن الشخصي بالوفاق، أو أفاد الطن الشخصي بالخلاف، وهذا نوع من التعبد أن يكون الظهور حجة، يعني يحصل تبانٍ على أنّه حجة في مقام الإدانة وتحميل المسئولية وفي مقام التعذير والتنجيز يكون حجّة بقطع النظر عن إفادته الاطمئنان وعدمه، وإفادته الظن وعدمه.

الدليل الآخر على حجية الظهور هو عبارة عن السيرة العقلائية، مع التنبيه على أنّ المقصود بسيرة المتشرعة في المقام هو ما يعبّر عنه السيد الشهيد (قدّس سرّه) بسيرة المتشرعة بالمعنى الأعم، في قبال سيرة المتشرعة بالمعنى الأخص والتي هي السيرة التي تصدر من المتشرعة بما هم متشرعة بحيث يكون منشأ هذه السيرة وهذا العمل هو التلقي من الشارع؛ لأنّ القضية شرعية وليست قضية عقلائية، فإذا كان هناك سيرة على العمل بشيءٍ من هذا القبيل تكون سيرة متشرعية بالمعنى الأخص. السيرة العقلائية هي السيرة التي تصدر من العقلاء، أو من الإنسان بما هو عاقل وتكون تابعة لنكات عقلائية، السيرة المتشرعية بالمعنى الأعم، هي السيرة التي يُلحظ فيها المتشرعة من أصحاب الأئمة، لكن نكات العمل نكات عقلائية؛ لأنّ المتشرعة هم جزء من العقلاء، فنلحظ المتشرعة ونقول هؤلاء المتشرعة استقر بناءهم على العمل بكذا، لكن لنكاتٍ عقلائية، وهذا هو المقصود بسيرة المتشرعة المتقدّمة، يعني أصحاب الأئمة(عليهم السلام) يعملون بالظهور ويبنون على حجيته ويأخذون به، لكن بنكات عقلائية وليس بنكات شرعية وتلقّي من قبل الشارع. والسيرة العقلائية أيضاً يُستدل بها على حجية الظهور؛ إذ لا إشكال في أنّ العقلاء يعملون بالظهور ويرون بأنه حجة، والعقلاء يعملون بالظهور في موردين، في الأغراض الشخصية والتكوينية التابعة لهم، وأيضاً يعملون به في مجال الأغراض التشريعية فيما بينهم، يعني في المولويات العرفية وفي علاقة الموالي بالعبيد في القضايا التشريعية أيضاً يعتبرون الظهور حجّة؛ وحينئذٍ يمكن أن يحتج به العبد على مولاه والمولى على عبده.

أيضاً نفس السؤال السابق يُطرح: أنّ عمل العقلاء بالظهور هل هو من باب إفادته الظن الشخصي، أو أنّه من باب إفادته الظن النوعي ؟هل ملاك الحجية هو أن يحصل للشخص ظن أو اطمئنان شخصي، أو هو حجة على كل حال، وإنّ ملاك الحجية هو الظن النوعي ؟