37/05/20


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

ذكرنا في الدرس السابق أنّ دليل قاعدة(لا ضرر ولا ضرار) هو دليل ظنّي؛ لأنّ دليلها هو عبارة عن خبر واحد وهو رواية زرارة التي رواها الشيخ الكليني في الكافي، فيكون دليل القاعدة دليلاً ظنّياً، وهذا له آثار، وكون دليل القاعدة دليلاً قطعياً له آثار تختلف عمّا إذا كان دليل القاعدة دليلاً ظنّياً، وأيضاً لو كان هذا الطريق هو الطريق لإثبات صحّة دليل القاعدة يترتب عليه أنه لا يثبت عندنا إلا صحّة خبر واحد، فيكون هو المعوّل عليه ولا نلاحظ أي دليلٍ آخر يختلف معه في المتن وفي المضمون لعدم ثبوت صحة ذلك الدليل الآخر، فالدليل الذي ثبت صحته وحجّيته هو عبارة عن رواية الكافي، فنتقيّد برواية الكافي، وكل الجهات التي يأتي بحثها بلحاظ قاعدة(لا ضرر) لابدّ أن تعبر على هذا الدليل؛ وحينئذٍ يقرر ماذا يُختار في تلك الجهات على ضوء هذه الرواية التي ثبتت حجّيتها؛ وحينئذٍ لا نعاني من مشكلة التدافع الموجود بين الروايات بلحاظ المتن؛ لأنّه لا حظنا أنّ بعض الروايات فيها زيادة أو نقيصة، فهناك اختلاف في المتن بلحاظ الروايات. إذا اعتمدنا على هذا الدليل لتصحيح القاعدة سوف لا نقع في هذه المشكلة؛ لأنّه ليس لدينا إلاّ رواية واحدة، وهذه الرواية الواحدة ورد فيها عبارة(لا ضرر ولا ضرار) فقط من دون زيادة. حتى لو فرضنا أنّ الزيادة مذكورة في روايات أخرى، لكنها غير تامّة سنداً، فالتعويل على هذه الرواية.
هذا إذا أردنا تطبيق المباني الرجالية لتصحيح السند أو عدم تصحيحه. إذا تجاوزنا هذه المرحلة، قد يقال: إذا قطعنا النظر عمّا قلناه قد يُدّعى في المقام تواتر هذا المضمون الذي يُستفاد منه قاعدة لا ضرر، وذلك باعتبار كثرة الروايات التي ذُكر فيها هذا المضمون؛ فحينئذٍ قد يُدّعى أنّ هذا المضمون يكون متواتراً وثابتاً على نحو القطع والجزم لا على نحو الظن، هذا طريق آخر لإثبات صحّة سند هذه القاعدة، لكن على نحوٍ يكون السند قطعياً لا ظنياً كما هو الحال في الطريق السابق.
لكن من المعلوم أنّه لا مجال لدعوى التواتر المسمّى بالتواتر الإجمالي في المقام، التواتر الإجمالي هو التواتر الذي يعتمد على الكثرة العددية فقط من دون لحاظ اشتراك الروايات في لفظٍ أو حتى في معنى، كم هائل من الروايات تختلف تماماً، ولا يلاحظ فيها الاتفاق في المعنى ولا يُلاحظ الاتفاق في اللفظ، فيقال أنّه بحساب الاحتمالات يحصل قطع، أو اطمئنان على الأقل بصحة بعض هذه الروايات؛ لأنّ احتمال كذب الجميع هو احتمال ضعيف جداً يحصل اطمئنان على خلافه، فيقال أنّ بعض هذه الروايات متواتر تواتراً إجمالياً. واستبعاد هذا التواتر في المقام واضح؛ لأنّه ليس لدينا كثرة بالمقدار الذي يوجب حصول القطع والاطمئنان بصحة بعض هذه الروايات، فالروايات محصورة ومعدودة لا تصل إلى تلك المرتبة التي توجيب حصول التواتر الإجمالي، فالتواتر الإجمالي في المقام مستبعد، الذي يدخل فيه العامل الكمّي.
وأمّا التواتر الذي يدخل فيه الاشتراك في معنى واحد أو لفظ واحد، أو معنى ولفظ، يعني بالإضافة إلى الكثرة يدخل فيه عامل يرتبط بوحدة المصب في هذه الروايات، يعني أن يكون مصب هذه الروايات مصباً واحداً، بأن تتحدث هذه الروايات عن موضوع وتختلف في جهات كثيرة، لكن لها مصب واحد تتحدّث عنه، وهذا المصب الواحد إمّا لفظاً ومعنى مشترك بين كل الروايات، وهذا ما يُعبّر عنه بالتواتر اللّفظي، أو يكون هذا المصب الواحد معنى فقط مع اختلاف الألفاظ الدالّة على ذلك المعنى الواحد، فيُسمّى التواتر بالتواتر المعنوي، التواتر اللفظي أو المعنوي بالإضافة إلى الكثرة العددية يحتاج إلى أن يكون هناك مصب واحد لهذه الروايات وأن يكون لها موضوع واحد تتحدث عنه هذه الروايات المتعددة، وهذا هو التواتر من النوع الثاني، يعني الذي لا يكون المؤثر فيه فقط العامل الكمّي، أي كثرة الروايات عدداً، وإنّما يؤثر فيه أيضاً شيء آخر. بطبيعة الحال حصول التواتر الإجمالي يحتاج إلى عددٍ أكبر من الروايات الذي يحتاجه حصول التواتر المعنوي أو اللفظي؛ لأنّه عند دخول عامل آخر يوجب سرعة حصول اليقين والقطع والاطمئنان وهو عامل وحدة المصب، بمعنى أنّ حصول اليقين بصحة واحد من هذه الأخبار يحصل أسرع ممّا يحصل به التواتر الإجمالي؛ لأنّ التواتر الإجمالي يدخل فيه فقط عامل الكم وكثرة الروايات عدداً، بينما هنا يدخل فيه عامل آخر أيضاً يكون مؤثراً؛ فحينئذٍ يقال: هذا لا يعني أن التواتر المعنوي أو اللفظي لا يحتاج إلى كثرة عددية؛ بل يحتاج إلى كثرة عددية، لكنّه بالإضافة إلى ذلك يحتاج إلى وحدة المصب، بطبيعة الحال يكون احتمال كذب الجميع مع وحدة المصب أبعد من احتمال كذب الجميع مع عدم وحدة المصب.
هل يمكن أن يُدّعى هذا التواتر في محل الكلام ؟ من الصعب أن يُدّعى هذا التواتر في محل الكلام، باعتبار قلة عدد الروايات؛ لأنّ هذا التواتر يحتاج إلى كثرة عددية بالإضافة إلى وحدة المصب، ومن دون الكثرة العددية اللازمة لا يحصل مثل هذا التواتر. وفي الطائفة الأولى عندنا ثلاث روايات، روايتان منها راويهما واحد وهو زرارة، وفي الطائفة الثانية ذكرنا روايتين فقط، هاتان الروايتان تشتركان في سندٍ واحد وراوٍ واحد وهو عقبة بن خالد، والطائفة الثالثة عبارة عن مراسيل، هذا المقدار لا يحقق الكثرة العددية اللازمة لحصول التواتر، يعني ليس هناك جزم بعدم كذب الجميع؛ لأنّ الأعداد معيّنة ومحصورة، فيمكن افتراض كذب الجميع؛ ولذا لا يحصل اطمئنان بصحة بعض هذه الأخبار، وبالتالي لا يحصل تواتر لفظي ولا معنوي.
نعم، قد يقال: أننا إذا ضممنا إلى ما تقدّم شهرة هذه القاعدة من قديم الزمان وحتى يومنا هذا وشهرتها شهرة غير طبيعية، يعني شهرة غير مقتصرة على مذهبٍ دون مذهب؛ بل هي شهرة بين جميع المسلمين، الكل يستدل بهذه القاعدة ومن قديم الزمان وإلى الآن، هذه الشهرة إذا أُضيفت إلى ما تقدّم قد يحصل من المجموع القطع بصدور هذا المضمون، أو الاطمئنان على الأقل بصدوره. وهذا شيء ليس بعيداً، أن يحصل للإنسان وثوق بصدور هذا المضمون نظراً لكثرة الروايات من جهة وشهرة هذه القاعدة من جهة أخرى بين الفريقين على نحوٍ يحصل للإنسان وثوق واطمئنان بصدور هذا المضمون عنه(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ ولذا لم يعتنِ كثير من المحققين بالسند ولا بحثوا سند روايات الباب، بدعوى حصول القطع والوثوق والاطمئنان بصدور هذا المضمون عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى أنّ السيد الخوئي مع أنّه يدقق في هذه الأمور قال لا حاجة إلى بحث السند، باعتبار أنّ الروايات إذا لم تفِد القطع بالصدور، فلا أقل تفيد الاطمئنان به، فهذه الدعوى ليست جزافية، نظراً لشهرة الرواية بين الفريقين وإرسالها إرسال المسلّمات.
بناءً على هذا؛ حينئذٍ سيكون سند القاعدة خبراً قطعي الصدور، حصل الوثوق والاطمئنان بصدور مضمون القاعدة عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وممّا يثبت بذلك أنّه بناءً على الطريق الثاني لا يمكننا أن نثبت ما هو المتيقن، وبناءً على الطريق السابق أن لدينا رواية حجّة تامة سنداً؛ حينئذٍ نثبت القاعدة على ضوء هذه الرواية وماذا نستفيد من هذه الرواية، قد نستفيد من هذه الرواية خصوصيات أكثر مما نستفيده من مجرّد عبارة(لا ضرر ولا ضرار)، فإذاً: المناط في الطريق الأول هو ملاحظة متن الرواية ودلالاتها. وأمّا بناءً على الطريق الثاني، فسوف يثبت لدينا خبر قطعي الصدور ثابت بالتواتر، أو يحصل قطع بصدور هذا المضمون منه(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ وحينئذٍ نقتصر على المقدار المتيقن، بمعنى أننا إذا شككنا في موردٍ في أنّ القاعدة تشمله أو لا تشمله، لا يمكننا التمسك بهذا الخبر الذي قطعنا به لإثبات حكمه في ذلك المورد؛ لأننا إذا شككنا، فهذا يعني أنه خرج عن القدر المتيقن، فلا يمكن حينئذٍ الاستدلال به لإثبات هذه القاعدة في ذلك المورد، وإنّما نقتصر على المقدار المتيقن.
هناك كلام في مرسلة الشيخ الصدوق المتقدّمة، حيث روى هذه القاعدة مرسلاً، وذكرها في مقام الاستدلال على أنّ المسلم يرث من الكافر، بخلاف الكافر فأنّه لا يرث من المسلم، ثمّ قال: فأمّا المسلم فبأي جرمٍ وعقوبة يُحرم من الميراث من الكافر ؟! وكيف صار الإسلام يزيده شراً ؟! مع قول النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم):(الإسلام يُزيد ولا يُنقِص)، ومع قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
قد يقال: يمكن تصحيح هذه المرسلة سنداً على أساس المبنى الذي يُفرّق بين المرسلات بين أن تكون بلسان روي عنه(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو بلسان قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وحيث أنّ ما نحن فيه من قبيل الثاني؛ لأنّه قال: لقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكأنه يجزم بأنّ هذا الكلام صادر من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكأنه بمنزلة قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم). فبناءً على التفريق بين هذين النوعين من المرسلات، بناءً على أنّ الثاني ظاهره الجزم بصدور هذا الكلام عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بمعنى أنّ ظاهر كلام الشيخ الصدوق أنه يجزم بأنّ هذا الكلام صدر من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا عندما يصيغه بصيغة الجزم؛ حينئذٍ لابدّ أن يكون هذا ثابتاً عنده بطريقٍ صحيح، وإلا لا يجوز له الجزم بنسبة الكلام إلى المعصوم(عليه السلام). إذاً: لابدّ أن يكون هذا الكلام قد ثبت عند الشيخ الصدوق بطريقٍ حجّة، وبهذا يكون هذا الخبر حجّة، بخلاف ما إذا قال: روي عنه، هو لا يجزم بالنسبة. وهذا معناه أننا سنضيف إلى الطريق الأول رواية أخرى ثبتت حجيتها وهو ما ذكره الشيخ الصدوق، والخصوصية الموجودة في رواية الشيخ الصدوق وتتميز بها عن رواية الكليني التي ثبت صحتها سنداً هو أنّ فيها هذا الذيل(لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) وهذا يؤثر على بعض الجهات المبحوثة في نفس القاعدة.
أجاب السيد الخوئي عن هذا الكلام، بعد أن ذكر أنّه كان يختار هذا الرأي سابقاً، لكنّه عدل عنه وأختار الرأي المعاكس، وهو أنّ هذا التفريق بين مرسلات الشيخ الصدوق أو غيره أيضاً، يعني التفريق بين المرسلات بلسان قال الصادق(عليه السلام) وبين المرسلات بلسان روي عنه، يقول: هذا التفريق غير صحيح، ولا يمكننا إثبات حجّية المرسلات من النوع الأول؛ وذلك لأنّ غاية ما يثبت بهذا الكلام هو أنّ الرواية ثبتت حجيتها عند الشيخ الصدوق، باعتبار أننا لا نحتمل في حق الشيخ الصدوق أن ينسب كلاماً إلى المعصوم(عليه السلام) بالجزم واليقين إلاّ إذا ثبت عنده بحجّة معتبرة أنّه صدر عنه(عليه السلام)، والحجّية عند الشيخ الصدوق لا تلازم الحجّية عندنا؛ وذلك لاختلاف المباني في حجية خبر الواحد، ومع اختلاف المباني؛ حينئذٍ كيف يكون اعتماد الشيخ الصدوق على خبر وبناءه على حجيته مستلزمة لثبوت هذه الحجية عندنا ؟!
الغرض من ذكر مرسلة الشيخ الصدوق هو أن نتطرّق إلى ذكر طريقٍ آخر قطعي بلحاظ مرسلة الشيخ الصدوق، نتطرق إلى أنّه قد تُجعل مرسلة الشيخ الصدوق الطريق إلى إثبات هذا المضمون على نحو قطعي. الآن نحن تطرقنا إلى إثبات الحجّية لمرسلة الشيخ الصدوق، وأنّها حجّة معتبرة على أساس أنّه لا يمكن أن ينسب شيئاً إلى المعصوم على نحو الجزم واليقين إلاّ إذا كان ذلك ثابتاً عنده بحجّة معتبرة، فإذا ثبت أنّ لديه حجّة معتبرة، فهذا يكفي في إثبات الحجّية، وهذه حجية تعبّدية، فيكون الخبر ظنّاً لكنه حجّة. السيد الخوئي ناقش في هذا وقال لا يمكننا أن نتعامل مع هذا الخبر على أنه حجّة.
هناك كلام في تمامية هذه المناقشة بالصيغة التي طرحها السيد الخوئي، وذلك بأنه قد يُنقض على كلام السيد الخوئي بأن يقال: ما الفرق بين محل الكلام، وبين توثيقات الرجاليين وتضعيفاتهم ؟ مع أنّ الجهة واحدة تشترك بينهما، بمعنى أنّ اختلاف المباني في حجّية خبر الواحد الذي على اساسه السيد الخوئي أشكل في إمكان إثبات الحجّية لمراسيل الشيخ الصدوق بلسان قال المعصوم(عليه السلام)، ومعنى كلامه هو أنّه لو كانت المباني متّحدة فلا مشكلة في ثبوت الحجّية عندنا، لو علمنا أنّ الشيخ الصدوق يرى حجّية خبر الثقة كما يراها السيد الخوئي، معناه ثبوت الحجّية عنده أيضاً، لكن اختلاف المباني هو الذي منع من ذلك، فنحن لا نعرف ما هو مبنى الشيخ الصدوق في حجّية خبر الواحد، فلعل مبناه يختلف عن مبنانا، في توثيقات الرجاليين وتضعيفاتهم أيضاً يجري فيه نفس الكلام، فيقال: من قال بأنّ المبنى الذي يبني عليه النجاشي في التوثيق والتضعيف هو نفس المبنى الذي نختاره نحن ؟! أيضاً يوجد اختلاف في المباني، والاختلاف في المباني في محل الكلام هو نفس اختلاف المباني في التوثيقات والتضعيفات، ولا يوجد طريق آخر للتوثيقات والتضعيفات غير هذه المباني التي يُبنى عليها في تصحيح الخبر أو تضعيفه، فإذا كانت هذه المباني مختلفة ومنعت من البناء على حجّية مراسيل الشيخ الصدوق بلسان قال، فلتمنع أيضاً من الأخذ بتوثيقات الرجاليين، عندما يوثق النجاشي شخص نحن لا نعلم ما هو مبناه في توثيقه، وعلى أي شيء اعتمد في ذلك، ما اعتمد عليه في توثيق هذا الشخص هل نعتمد عليه نحن، أو لا ؟ فإذا كان المنشأ هو اختلاف المباني؛ فحينئذٍ لابدّ أن نشكل على أنفسنا وعلى السيد الخوئي بأنه كيف يعتمد على توثيقات وتضعيفات الرجاليين مع أننا لا نعلم ما هي مبانيهم في التوثيقات والتضعيفات ونختلف معهم في هذه المباني كما نختلف معهم في نسبة الكلام إلى المعصوم(عليه السلام)؛ بل هي نفس المباني التي تقرر هناك تقرر هنا، هي مباني واحدة، فإذا كان هناك اختلاف فهنا أيضاً اختلاف، وإذا منع هذا من الأخذ بمراسيل الشيخ الصدوق، فليمنع من الأخذ بالتوثيقات المرسلة من قبل النجاشي والشيخ الطوسي وأمثالهما.