36/11/21


تحمیل

الموضوع:- الأوامــر.

رابعاً:- إنّ قانون مقدّمات الحكمة قانونٌ عرفيٌّ لا يرجع فيه إلى الدقّة بل مرجعه هو العرف ، فالعرف يرى أنّ المتكلّم إذا قال ( أعتق رقبة ) فمقصود الآمر هو مطلق الرقبة لا بقيد الإيمان وإلا لنبّه على ذلك ، فمقدّمات الحكمة روحها روحٌ عرفيّة وبيانٌ عرفيّ وقانونٌ عرفيٌّ وقاعدةٌ عرفيّة ، وإذا كان الأمر كذلك فيلزم أن تكون المفردات التي يستعان بها عرفيّة وآنذاك يصحّ تطبيقها.

وتعال إلى المقام فإنّه قال في المقدّمة الثانية إنّ الإرادة الشديدة هي بأجمعها إرادة فإنّ شدّة الإرادة إرادةٌ ، وأمّا ضعفها في الإرادة الضعيفة فهو عدمٌ مغايرٌ للإرادة.

إنّ هذه مفردةٌ دقيّة وليست عرفيّة ، فالعرف لا يدرك أنّ الإرادة الشديدة هي إرادةٌ فقط والإرادة الضعيفة هي إرادةٌ مع شيءٍ آخر بحيث تكون النسبة بينهما نسبة الأقل والأكثر ، فالأكثر المركّب من جزأين هو الإرادة الضعيفة والأقل هو الإرادة الشديدة والذي يحتاج إلى بيانٍ زائدٍ هو الأكثر فإنّ هذا لا يفهمه العرف وراجع وجدانك.

ونتمكن أن نقول:- إنّ العرف يرى أنّ النسبة بين الوجوب والاستحباب هي نسبة التباين لا نسبة الأقل والأكثر ، فالوجوب يباين الاستحباب لا أنّ الوجوب هو الأقل وهو جزءٌ والأكثر هو الاستحباب - يعني الإرادة الضعيفة - فإنّ هذه رؤية دقيّة - إن صحّت - وليست رؤية عرفيّة ، ومقدّمات الحكمة إنّما يمكن تطبيقها إذا فرض أنّ المفردات كانت عرفيّة لا دقيّة ، وعلى هذا الأساس لا يمكن الأخذ بما ذكره(قده).

التقريب الثاني:- ما أفاده الشيخ العراقي(قده) أيضاً في بدائعه[1] وحاصله:- أنّ هدف الآمر حينما يُصدِر الأمر هو الوصول إلى مطلوبه - أي المأمور به - ، فأنا حينما آمر بشيءٍ فهدفي هو الوصول إلى تحقّق المأمور به خارجاً - أي وجود المأمور به خارجاً - فلابدّ وأن يكون الأمر وافياً بهذا الهدف ، يعني لابد وأن يكون مستوجباً لتحقّق المأمور به خارجاً وإلّا لزم الإخلال بالبيان ، والذي يحقّق هذا الهدف هو الطلب الوجوبي دون الطلب الاستحبابي لأنّ الطلب الاستحبابي يعطيك مجالاً للترك فلو كان مراد المتكلّم الطلب الوجوبي فهو لا يحتاج إلى بيانٍ زائدٍ لأنّ هدفه هو تحقيق المأمور به والطلب الوجوبي يتناغم مع تحقيق هذا الهدف فلا تحتاج إرادته إلى بيانٍ زائدٍ ، بينما الطلب الاستحبابي لو كان هو المراد للمولى المتكلّم فيحتاج إلى بيانٍ زائدٍ لأنّه لا يتناغم مع مراده ، وعدم البيان الزائد يدلّ على أنّ مقصوده هو الطلب الوجوبي.

وفيه:-

أوّلاً:- هو(قده) قد قال إنّ هدف الآمر من أمره هو تحقّق المأمور به خارجاً ووجود المطلوب خارجاً.

ونحن نقول:- إنَّ الأمر ليس كذلك ، فإنّ الهدف من الأمر ليس هو تحقّق المأمور به خارجاً ، وإنما الهدف هو إيجاد الدّاعي - أو الداعي بنحو الشأنية - في نفس المتكلّم ، فأنا حينما أصدر أمراً فهل الهدف من أمري هو إيجاد المأمور به أو أنّ الهدف هو إيجاد الدّاعي ولو بنحو الشانية في نفس المكلف ؟ والأوّل باطلٌ وإلّا لزم أن لا يكون العصاة مستحقّين للعقاب لأنّه لا يوجد أمرٌ في حقّهم إذ الأمر قد جعله المولى بهدف الإيجاد فلا أمر في حقّهم فلا عصيان.

ولك أن تقول:- يلزم انفكاك المراد عن الإرادة الإلهية وهذا غير ممكن ، وبالتالي يلزم أن لا إرادة ، فلا طلب في حقّ العصاة ، فإذن هذا الاحتمال يلزم أن يكون باطلاً.

وإنما الهدف هو إيجاد الدّاعي وهذا يتناغم مع الوجدان ، فالمولى حينما يأمر فإنّه يريد أنّ يخلق الدّاعي ولو بنحو الشأنية في نفس المكلّف - وليس الدّاعي الفعلي - ، والدّاعي بنحو الشأنية موجودٌ دائماً.

إذن الدّاعي ليس هو تحقّق المأمور به ، وعليه فلا يتمّ ما أفاده الشيخ العراقي(قده).

ثانياً:- إنه(قده) ذكر أنّ الهدف من الأمر هو تحقّق المأمور به خارجاً.

ونحن نقول:- لو سلّمنا أنّ الهدف هو ذلك ولكن لا نسلّم أنّ إيجاد المأمور به خارجاً هو الهدف بشكلٍ كامل ، فإن إيجاد المأمور به له نحوان هما إيجادٌ بنحو الحتم وإيجادٌ لا بنحو الحتم ، وما هو غرض المولى ؟ هو الإيجاد أمّا كونه بنحو الحتميّة أو لا بنحو الحتميّة فتلك قضيّة أخرى ، والشيخ العراقي(قده) كأنه أخذ الهدف فقط وفقط هو الإيجاد وسكت عن تقسيم إيجاد المأمور به إلى القسمين المذكورين ، والذي يتلاءم مع الوجوب هو الإيجاد الحتمي ، وأمّا الإيجاد غير الحتمي فهو يتلاءم مع الاستحباب.

وعلى هذا الأساس لو كان الهدف هو الإيجاد الحتمي فيلزم أن يكون الطلب طلباً وجوبياً ، أمّا لو كان الهدف هو الإيجاد لا بنحو الحتميّة فالمناسب أن يكون الطلب آنذاك طلباً استحبابياً ، فتقسيم الإيجاد إلى نحوين قضيّة ضرورية وليس الهدف هو الإيجاد بنحو الإجمال أو بنحو الإطلاق ، والسكوت عن تقسيمه إلى قسمين ليس بصحيح ، فنحن لو سلّمنا أنّ الهدف هو الإيجاد ولكن كما قلنا هو هدفٌ ينقسم إلى نحوين وأحدهما هو الذي ينفعه وهو الإيجاد بنحو الحتمية أمّا الايجاد لا بنحو الحتمية فهو لا يتلاءم مع الوجوب.

إذن بيانه ليس بتامٍّ من هاتين الناحيتين.


[1] بدائع الافكار، العراقي، ص197.