36/12/01


تحمیل
الموضوع:- تتمة الأوامر، مبحث الإجـــزاء.
إن قلت:- يوجد شقٌّ رابع، فلا غيب ولا تبادر ولا إطلاق بل كاشفٌ بكشفٍ معقول وذلك بأن يقال كما في قولنا إنّ العقل يحكم بأنّ الكلّ أكبر من الجزء أو أنّ الآربعة زوجٌ، فما معنى أنّه يحكم ؟ والجواب:- يعني أنّه يدرك بنحو الكشف عمّا هو ثابتٌ في لوح الواقع، فهو يحكم بمعنى أنّه يدرك ما هو ثابت في ذلك اللوح، فالكلّ أعظم من الجزء سواء كان العقل موجوداً أم لم يكن موجوداً - يعني قبل أن يخلق الله العقل ويقول له أقبل فأقبل .... -، وهل يتوقّف على أنّ يخلق العقل ويحكم حتى يصير الكلّ أعظم من الجزء ؟! كلّا، بل الكلّ أعظم من الجزء ثابت في لوح الواقع، ومادام ثابتاً فدور العقل هو دور الكاشف.
وهنا فلنقل ذلك أيضاً وهو أنّ دور العقل في باب الوجوب إذا صدر من المولى أمرٌ بلا ترخيصٍ متّصلٍ ولا منفصلٍ فلنقل إنّ العقل حاكمٌ بمعنى أنّه يكشف عن ثبوت الحكم بالوجوب في لوح الواقع، إذا أمكن هذا المطلب في مثال الكلّ أعظم من الجزء فيلمكن في موردنا، فنحن نقول بالكشف بهذا المعنى ولا يلزم من ذلك علم الغيب كما أنّه لا يلزم الاستناد إلى التبادر أو الإطلاق.
قلت:- هذا وجيهٌ إذا حكم العقل بالوجوب من باب مولويّة المولى بأن فرض أنّه حينما صدر طلبٌ ولم يقترن بالترخيص فنقول هو يحكم بالوجوب، وبأيّ معنىً هو يحكم ؟ يعني يستكشف أنّ هناك إلزاماً ثابتاً في لوح الواقع نشأ من حقّ المولويّة، فبما أنّ المولى صدر منه أمرٌ من دون صدور ترخيصٍ فنقول يحكم العقل بمعنى يستكشف ثبوت الوجوب في لوح الواقع من باب مولويّة المولى، إنّ هذا وجيّه إذا أراد أن يحكم بذات الوجوب - أي يستكشف ذات الوجوب - من باب وحقّ مولويّة المولى، ولكن لمفروض في مقامنا هو أنّه لا يريد أن يستكشف أصل الوجوب بل يريد أن يستكشف الوجوب كاعتبارٍ ثابتٍ في قلب المولى ومن أين لك أن تستشكف أنّ هذا الاعتبار ثابتٌ في قلب المولى ؟! إنّه لا يكون إلا من طريق الغبيب، فهذا ليس من باب حقّ المولوية أو غير ذلك فلا معنى هنا للحكم بمعنى الكشف إلّا إذا كان عالماً بالغيب.
والنكتة التي أريد اللتأكيد على بيانها:- هي أنّه ينبغي التفرقة بين حكم العقل بأصل الوجوب فهنا يصحّ بمعنى الكشف من باب مولويّة المولى فهو يدرك حيث أنّ هناك مولويّة للمولى فهناك وجوبٌ ثابتٌ في لوح الواقع هو يستكشفة وهذا شيءٌ متينٌ ومقبول في الجملة.
ولكن كلامنا ليس في استكشاف أصل الوجوب بل في استكشاف الوجوب بمعنى الاعتبار الشرعي في قلب المولى فإنّ هذا هو الذي ينفعنا حتى يصير النسخ له، فأنت أيّها العقل من أين تدرك هذا ؟ إنّ هذا معناه علم الغيب.
إذن ينبغي التفرقة بين حكم العقل بأصل الوجوب فيمكن أن نقول إنَّ الحكم هنا بمعنى الكشف، ولكن هذا ليس هو محلّ كلامنا، وبين الحكم بمعنى الكشف عن الاعتبار الشرعي للوجوب في قلب المولى فهذا لا يمكن للعقل أن يستكشفه إلا من طريق الغيب أو من التبادر أو من الإطلاق فعدنا إلى تلك المسالك، وهذه نكتة ظريفة يجدر الإلتفات إليها.
الإجــزاء:-
مبحث الإجزاء من الأبحاث التي ينتفع منها الفقيه في الفقه، فمثلاً في مسألة التقليد فلو كان المكلف يقلّد مجتهداً فمات فقلّد آخر وكان رأي المجتهد الثاني يخالف رأي المجتهد الأوّل، فالأوّل كان يقول إنّ الهديّة لا خمس فيها وأمّا الثاني فكان يقول بوجوبه فيها فهل يجزي التقليد الأوّل أو لابد من الاعادة وتخميس كلّ ما أخذه من هدايا ؟
وهكذا لو كان الأوّل يقول إنَّ الوظيفة هي أن تصلي قصراً فإنّ التمام خاصٌّ بمن شُغْلُهُ السفر ولا يعمّ أصحاب المقرّات بينما الثاني يقول وظيفتك التمام، ففي مثل هذه الحالة ما هو الحكم ؟ - نعم إذا كان الأوّل يقول إنَّ صلاتك تمام والثاني يقول هي قصر فالمشكلة يمكن حلّها لقاعدةٍ تستفاد من الروايات وهي أنّ من صلّى تماماً بدل القصر جاهلاً أجزأه أمّا العكس فلا يجزي -.
والجواب:- إنَّ هذه المسألة محلّ بحثٍ، وهناك وجوه متعدّدة لاثبات الإجزاء، وهو أنّ تقليد المجتهد حجّة شرعيّة وطريقٌ - وواضح أنّه حكم ظاهريّ وليس واقعياً وأنّه انكشف بطلانه من خلال القليد الثاني ففي مثل هذه الحالة هل يجزي تقليد الأوّل أو لا -.
وهذه مسألة مهمّة ومن جملة الذين ذهبوا إلى عدم الإجزاء هو السيد الخوئي(قده).
إذن هذه مسألة نافعة لا بأس بتحقيقها وأنّ الأمر الظاهري يقتضي الإجزاء أو لا يقتضيه، وهكذا بالنسبة إلى الأمر الاضطراري فإذا صلّى مكلّف مع التيمم فهذا أمرٌ اضطراريٌّ فهل تجزي هذه الصلاة أو أنّها لا تجزي إذا حصل على الماء وتمكّن من الصلاة الاختياريّة.
وهناك قضية أخرى:- وهي أنّ صاحب الكفاية(قده) حينما دخل في هذا البحث أخذ كعادته يبيّن بعض القضايا الجانبية، من قبيل ماذا يقصد من الاتيان بالمأمور به على وجهه فما هو المقصود من ( وجهه )، وماذا يقصد من الاقتضاء فهل الاقتضاء بمعنى العلّية فيقتضي بمعنى يستلزم بنحو العلّية أو أنّ يقتضي بمعنى أنّه يكشف، وماذا يراد من الإجزاء هل هو بمعنى الكفاية أو هو بمعنىً آخر ... وهكذا، وأنا لا أرى داعياً للدخول فيها ولندخل في صلب الموضوع.
هناك أبحاث ثلاثة:-
البحث الأوّل:- هل امتثال كلّ أمرٍ يقتضي الإجزاء عن نفسه ؟، يعني لو أتيت بامتثال الأمر الواقعي فهل يجزي عن الأمر الواقعي أو لا ؟ وإذا امتثلت الأمر الظاهري فهل يجزي عن الأمر الظاهري ؟
البحث الثاني:- إنّ امتثال الأمر الاضطراي هل يجزي عن الأمر الاختياري الأوّلي أو لا ؟
البحث الثالث:- امتثال الأمر الظاهري هل يجزي عن امتثال الأمر الواقعي أو لا ؟
البحث الأوّل:- إجزاء امتثال كلّ أمرٍ عن نفسه.
لا إشكال في أنّ امتثال أيّ أمرٍ يقتضي الإجزاء عن نفسه، فإذا فرض أنّي كنت مأموراً بالصلاة الوضوئية - وهذا أمرٌ واقعيّ للوظيفة الاختيارية الواقعية- وأنا أتيت به على أتمّ وجهٍ وكذلك الصلاة فهل يجزي هذا عن الأمر الواقعي أو لا ؟
نعم يجزي، فيسقط الأمر الواقعي آنذاك ولا يبقى، وهذه قضيّة ينبغي أن تكون واضحة.
وقد يقول قائل:- لماذا يبحوثون هذه المسألة فإنّها من الأمور الواضحة فما هي النكتة في ذلك ؟
قلت:- سوف يأتي في مسألة إعادة الصلاة مرّةً ثانية، فلو صلّى المكلّف فرادى ثم انعقدت الجماعة فهل يجوز له أن يعيدها جماعة ؟ إنّه وردت روايات في جواز ذلك، فالأمر قد سقط عند الامتثال الأوّل فيكف له إعادة صلاة ؟!! إنّ هذا صار منشأً لهذا البحث وهو أنّ امتثال أيّ أمرٍ هل يجزي عن نفسه أو لا يجزي عن نفسه، فإذن لم تصير القضية عفويّة وبلا سبب.
إذن ينبغي أن يكون من الواضحات إجزاء كلّ أمرٍ عن نفسه.
ولكن ما هي النكتة في ذلك وكيف توجّه ذلك ؟
والجواب:- علّل الشيخ عبد الكريم الحائري(قده)[1] بأنّه يلزم طلب تحصيل الحاصل، فإنّه إذا افترضنا أنّ الأمر لم يسقط بعد فرض حصول متعلّقه يعني أنّه يطلب منك تحصيل ما هو الحاصل وهذا باطل جزماً.
ولكن نقول:- يمكن أن يتأمّل في هذا التوجيه، لأنّه لو كنّا نقول يطلب منك تحصيل نفس تلك الصلاة التي حصلت فهنا يكون ما ذكره صحيح، ولكن المراد هو صلاة ثانية، فالذي يقول ببقاء الأمر يقول هي صلاة ثانية وليس الأولى.
إذن إنما يلزم تحصيل الحاصل إذا فرض أنّه ببقاء الأمر كان لمولى يطلب نفس تلك الصلاة فهذا يقال له طلب تحصيل الحاصل، والمفروض أنّ المولى عند بقاء الأمر لا يريد منك تحصيل تلك الصلاة الحاصلة بل يريد منك تحصيل صلاة ثانية وهذا ليس هو محذور طلب تحصيل الحاصل.
والأولى أن يعلّل:- بأنّ الأمر لو بقي على حاله من دون أن يسقط فسوف يكون الطلب آنذاك - كطلب الصلاة - بلا مقتضٍ، فإنّ المقتضي للطلب هو الغرض والغرض قائم بالصلاة الواحدة والمفروض أنّها قد حصلت، فمع حصول متعلّق الغرض يلزم تحقّق الغرض وسقوطه ومعه يكون بقاء الطلب وبقاء الأمر بلا غرضٍ، يعني يلزم محذور بقاء المعلول بلا علّة - إن صحّ التعبير - أو بقاء الطلب من دون وجود مقتضٍ له، هكذا ينبغي أن يعلّل لا أن يعلّل بلزوم محذور تحصيل الحاصل.


[1] درر الفوائد، الحائري، ج1، ص77.