35/12/02


تحمیل
الموضوع:- تنبيهات حديث الرفع - الأصول العملية.
الكلام في هذا التنبيه وهو جريان حديث الرفع في الاحكام الوضعية ولكن كنا قد استدركنا وقلنا انَّ القيود الشرعية في الادلة الشرعية قد تكون الادلة ادلة شرعية عامة لقيود شرعية عامة وقد تكون ادلة شرعية خاصة لقيد شرعي خاص في حكم خاص كما مر بنا، المهم انه قد تبين ان الصحيح على خلاف مبنى الميرزا النائيني (قدس) فالقيد الشرعي ليس بالضرورة يكون قيد في الفعلية ودخيل في الملاك بل يمكن ان تتصور حتى في المراحل العقلية حتى في آخر المراحل العقلية وهي مرحلة احراز الامتثال، فالقيد الشرعي نوع من التصرف الشرعي في مرحلة من مراحل الحكم الشرعي كما ان القيد العقلي ــ كما بنى عليه الميرزا النائيني وتلامذته ومنهم السيد الخوئي وبعض تلامذته ــ انه دخيل في التنجيز او ما وراءه،فالقيد العقلي هو القيد الذي يحكم به العقل فلا يكون دخيلا في الملاك،ومن ثم حدد الميرزا النائيني وتلاميذه ان القيد العقلي دخيل في التنجيز وما وراءه من المراحل العقلية بينما الصحيح ان القيد العقلي ايضا متصور في المراحل الشرعية للحكم مثل اصل مرحلة الفعلية،فعندما نقول قيد عقلي دخيل في مرحلة الفعلية لا نقصد انه دخيل في الملاك بل هو دخيل في وجود المرحلة الفعلية فهذا قابل للتصوير،اذن هو لا يترتب عليه آثار القيد الشرعي نعم هذا صحيح ولكن يكون دخيل في الفعلية،وبعبارة مختصرة ان القيود العقلية ليس من الضروري ان تكون مأخوذة فقط في مرحلة التنجيز فيمكن ان تكون مأخوذة في مراحل اسبق ومراحل لاحقة له فتحصل ان الحكم في مراحله توجد قيود عقلية وقيود شرعية والقيود العقلية غير دخيلة في الملاك لكن ربما تأخذ في مرحلة الفعلية والقيود الشرعية ربما تكون دخيلة في الملاك او التنجيز او احراز التنجيز فليس بالضرورة ان تكون القيود الشرعية دخيلة في اصل الفعلية فقط كلا بل قد تكون دخيلة في غيرها من المراحل العقلية هذا هو مبنى مشهور الفقهاء حتى الى الآونة الاخيرة وتقريبا الشيخ الانصاري والآخوند والعراقي ايضا مبناهم هذا المبنى،على ايتي حال فان هذا البحث تترتب عليه بحوث عديدة منها بحث القواعد الست التي نحن بصددها فلاحظوا ان الميرزا النائيني لديه ان متعلق المتعلق لابد ان يكون قيد شرعي دخيل في الملاك او دخيل في الفعلية فمثلا (لا تشرب الخمر) فان متعلق الحرمة هو الشرب ومتعلق المتعلق فيعبره هو الخمر وهو قيد شرعي دخيل في الملاك بينما على القول الآخر يقول نعم هو قيد في الفعلية لكن قيد عقلي وليس بالضرورة ان يكون شرعي فهنا الخمر اخذ بلسان الدليل ولكنه لم يأخذ بشكل صريح على انه قيد للهيئة وهو الحكم. هذا تمام الكلام في الاستدراك.
نعود الان الى التنبيه الذي نحن بصدده وهو جريان حديث الرفع في بقية الاحكام الوضعية وذكرنا ان جملة من الاعلام أبدو موانع وذكرنا بعضها وبعضها موانع مشتركة في القواعد الست وبعضها خاصة ببعض القواعد:
المانع الاول:- وهو مانع عن الشمول لبعض الاحكام الوضعية لا كلها،فان حديث الرفع يرفع الحكم الوضعي الذي له صلة وارتباط بفعل المكلف في الفقرات الست اما اذا كان هناك حكم وضعي لا صلة له بفعل المكلف فحديث الرفع لا يرفعه وهذا البحث مهم وليس مختص بهذه القواعد الست بل يجري حتى في قواعد أخرى وقد مر بنا مثال وهو ان جنابة الجنسين ترتبط بالتقاء الختانين سواء كان الانسان نائم او مكره او صبي فهنا وان كانت الجنابة بالمعنى الحدثي لها اسناد للمكلف لكن الحكم الوضعي لم يترتب على الفعل بما هو مصدر بل ترتب على حالة عرضية خاصة بين جسمين ولا ربط له بفعل المكلف او مثلا في الخمس فقد مر بنا هذا المثال فيقول الدليل في المعدن كذا وفي الغوص كذا او الخمس في الكنز او الخمس في الغوص فان هذه العناوين لم يأخذ في موضوع الخمس فيها فعل المكلف كي يأتي ويجري حديث الرفع ذي العناوين الستة او حديث رفع القلم لان الحكم الوضعي وهو الخمس في هذه العناوين لم يترتب على فعل المكلف بل رتب على وجودات خارجية واعيان خارجية لذا الاكثر قالوا ان الخمس يتعلق بالغوص والكنز والمعادن حتى لو كان الغوص لصبي او المعدن لصبي لان الخمس هنا رتب على العين لا على الفعل نعم في ارباح المكاسب اذا استظهر انه مرتب على الفعل بما هو فعل فهنا يرتفع الخمس عن الصبي كما هو الصحيح ايضا وان كان البعض استظهر انه هنا ايضا مرتب على نتيجة الفعل أي المكاسب وليس على الفعل، والمهم ان هناك جملة من الاحكام الوضعية لم يرتب فيها الحكم على فعل المكلف بل رتب على الاعيان الخارجية وان كان فعل المكلف في سلسلة علل ذلك الوجود ولكن الحكم رتب على الوجود وحينئذ حديث الرفع لا يشمله بلا شك فيكون من قبيل الاسباب والمسببات التكوينية فحكم وضعي مسبب تكويني على سبب تكويني،وهذا المانع صحيح ومتين ولا نقاش فيه ولكن كما ذكرت انه مانع عن بعض الاحكام الوضعية لا كلها.
المانع الثاني:- ان رفع بعض الاحكام الشرعية الوضعية في جملة من الموارد بحديث الرفع يكون خلاف المنة فمثلا نفرض عقد نكاح او عقد بيع وقع بسبب الاكراه او الاضطرار[1] فهنا لو اجرينا حديث الرفع ورفعنا صحة البيع او اللزوم فهذا خلاف المنة لانه من مصلحة هذا النوع من الاضطرار ان يقع صحيحا ويكون لازما وكذا في الاكراه فقد لا تكون منة في رفع صحة العقد بل المنة في رفع لزوم العقد ففي اللزوم متوفرةٌ شرائط حديث الرفع ولكن في صحة العقد غير متوفرة لأن رفع الصحة خلاف المنة لان الصحة اذا كانت متوفرة تعتبر خيار للذي اكره فيحتمل انه يرى فيما بعد ان من مصلحته وقوع عقد البيع او عقد النكاح كذا رفع اللزوم قد يكون خلاف المنة بالنسبة الى الطرف الاخر في العقد كما لو كان البائع مكرها فان المشتري قد لا يكون مكره وحينئذ رفع اللزوم من طرفه خلاف المنة، وهذا المانع متين ولكن عدم امكان جريان حديث الرفع ليس لأجل انه حكم وضعي بما هو حكم وضعي بل لأجل تخلف بعض شرائط حديث الرفع فلا يعتبر مانع خاص وذاتي عن الحكم الوضعي بما هو حكم وضعي وهذا هو محل بحثنا بل هو مانع عن بعض افراد الحكم الوضعي بما هو خلاف المنة وكذا الحكم التكليفي الذي رفعه خلاف المنة ايضا لا يشمله الحكم .
المانع الثالث:- هو ان الحكم الوضعي في موارد العقود لا يمكن ان يكون مرفوعا وذلك لان العقد ليس فعلا للمكلف الواحد فقط بل العقد مجموع فعلين وهما الايجاب والقبول والحكم الوضعي وهو الصحة مترتب على مجموع الفعلين لا على فعل المكلف الواحد فقط بمفرده،اذن هذا الحكم الوضعي في كل موارد العقود لا يكون مشمولا لحديث الرفع لانه ليس حكما لفعل المكلف خاصة بل هو حكم وضعي لمجموع فعلين بينما ضابطة حديث الرفع ان يكون رافعا للاحكام ــ سواء كانت تكليفية او وضعية ــ المترتبة على فعل المكلف بما هو منفرد ومستقل وليس ضابطة حديث الرفع هو رفع الحكم الثابت لمجموع فعل المكلف مع فعل غيره،هذه تقريب المانع الثالث لكن هذا التقريب ضعيف وممنوع لانه ما وجه التقييد في ضابطة حديث الرفع بان يكون الرفع للحكم الشرعي سواء كان وضعي او تكليفي المترتب على فعل المكلف بوصف الاستقلال والانفراد فتضييق وتحديد موضوع حديث الرفع فقط بموارد فعل المكلف المنفرد هذا اول الكلام بل هو يعم الحكم المترتب على الفعل الانضمامي ولا مانع في ذلك ففي موارد التي يكون فعل المكلف جزء الموضوع وانطبق عليه احد العناوين الستة فما المانع في شمول حديث الرفع له فلا وجه للتخصيص فمثلا الربا حرام ولكن هذا المكلف لا يدري انه حرام اما ذاك المكلف يدري فما المانع في رفع الحرمة التكليفية مع ان الحرمة التكليفية للربا ليست حرمة متوجة لفعل المكلف بنحو منفرد بل بنحو مجموعي وان كانت الحرمة لهذا مستقلة ولذاك مستقلة ولكنها مترتبة على الفعل المجموعي مثل حرمة الزنا فعل مجموعي لكن من الطرفين فقد يكون طرف منهما معذور وهذا البحث دقيق قد التبس الحال فيه حتى على كبار الفقهاء فجرت مؤاخذات من بعضهم على البعض في كيفية تصوير ترتب الحكم التكليفي او الوضعي على الفعل المجموعي المشترك مع فعل الغير طبعا ليس من الضروري ان الحكم التكليفي او الوضعي المترتب على الفعل المشترك مرتب على الجهة متحد فمثلا السيد الكلبايكاني فانه يلتزم بان الرشوة في القضاء حرام ــ وهو مشهور علماء الشيعة بخلاف المشهور عند العامة ان الرشوة حرام في القضاء وغيره ــ على الراشي والمرتشي اما في غير القضاء فان السيد الكلبايكاني يلتزم ان الرشوة فيما هو حق حرام على المرتشي اما الراشي فلا يحرم والسيد الخوئي يلتزم بالحرمة على المرتشي نعم اذا كانت الرشوة على عمل زائد على المطلوب منه فهو ليس بحرام فهنا الفعل مشترك ولكن الحكم التكليفي مختلف فمن جهة هذا يصح منه التمليك وذاك لا يصح منه التملك وكذا هذا يحرم عليه وذاك لا يحرم عليه وغدا انشاء الله نواصل البحث وهو ان الفعل المشترك هل ترتب الحكم التكليفي او الوضعي عليه هو حكمين او حكم واحد للاثنين فلاحظوا ان تغسيل الميت حكم تكليفي واحد ولكنه موجه للجماعة.


[1] كما لو كان شخص مضطر للبيع على اساس تامين اموال لعملية طبية.