36/01/22


تحمیل
الموضوع:- الكتاب الكريم - أدلة الاحتياط - الأصول العملية.
كان الكلام في آخر لسانٍ من الالسن الواردة في وجوب الاحتياط وهو ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [1]، ومر بنا ان هذا الحذر ليس المراد به الاحتياط المعروف أي عند الشك لابد من الالتزام بالتنجيز والاحتياط وما شابه ذلك بل المراد هو فيما كان يعلم الانسان من موارد الحرمة فمثلا ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا [2] و عن هشام بن سالم،عن عقبة (قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها لله عزّ وجلّ لا لغيره أعقبه الله أمنا وايمانا يجد طعمه)[3] او (لكل عضو حظ من الزنا وللعين حظ من الزنى) وبتعبير الامام الرضا (عليه السلام) (قل من طهر من الزنى) ومضمونه ان اغلب الناس يبتلون بالزنى بلحاظ النظر لا الفرج، اذن المقصود بلا تقربوا الزنى هو لا تقربوا بداية كل المخاطر التي توقع في هذه الفاحشة فلا تقربوا الزنى يعني لا تقربوا حتى المقدمات البعيدة، فكذا هنا ايضا في قوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ان هناك مقدمات بعيدة يستطيع الانسان بالبعد عنها ان يتوقى الوقوع في محرمات كثيرة فان طبيعة المحرمات الكبيرة ــ وهذا ليس خاص بالزنى بل هذا دأب المحرمات الكبيرة ــ فانه يجب على الانسان ان يبتعد عنها من بعيد لانه ان اقترب وقع وان كان بغير اختياره فهو ملوم لان (الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار) سيما هي محرمات كبيرة وخطرة لذلك نلاحظ ان الشارع عنده جملة من التحريمات سبب هذه التحريمات هو الوقاية من محرمات كبيرة خطيرة وهذا هو الذي يعبرون عنه العامة بسد الذرائع وهذا عندنا ليس بجائز يعني ليس بمُقنن ومُشرع وانما هي قاعدة في الفقه السياسي خلط العامة فيها بين الفقه التشريعي والفقه السياسي عند الحاكم ولسنا الآن في مجال بحثها ولكن جملة من تحريمات الشارع هي في الحقيقة سد لذرائع مثل ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ [4] فعندنا جملة من التحريمات في باب النظر او باب التعامل بين جنس الذكر والانثى هي تحريمات وقائية عما وراءها من محرمات كبيرة كما ان في تحرم الربا يوجد عندنا تحريم للربا الصريح وتحريم للربا غير الصريح والربا غير الصريح ليس فيه مفاسد الربا نفسه ولكنه وقاية عن الوقوع في الربا الصريح ومن هذا القبيل موارد كثيرة.
اذن هنا في قوله تعالى ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ هو ان هناك أوامر عظيمة عند الله عز وجل ومهمة ــ وان كان كل أمر من الله عظيم ــ لا يريد الله ان يخالفوها، فإجمالا الكبائر لها حظ كبير من الغضب الالهي، ومن ثم نلتفت الى ان الزيارة الى أهل البيت (عليهم السلام) واقامة مجالس أهل البيت (عليهم السلام) وما شابه ذلك هذه امور تزرع المودة في القلب لان المودة هي اصل الدين وهذه المودة اذا لم يحافظ عليها الانسان فانه من حيث لا يشعر تزرع البغضاء لا سامح الله او الا مبالاة اتجاههم والعياذ بالله وهل الدين الا الحب والبغض؟ وكفى بهذه الآية ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾[5] عظمةً لأهل البيت (عليهم السلام)، فلم يذكرها الله عز وجل لاحد من الانبياء من اولي العزم ومع انها عظيمة جدا وانها اعظم فريضة ذكرها في القران على الاطلاق بعد التوحيد والنبوة وهي مودة قربى النبي (صلى الله عليه واله) وهذه المودة لا يَتصور الانسان انه يحافظ عليها بسهولة بل توجد مقدمات كثيرة لابد من توفيرها، ولذلك الاخوة الواعظين والاخوة الخطباء والاخوة المحاضرين والاخوة المفكرين أعظم شيء يصنعونه هو زرع هذه المحبة في قلوب المؤمنين وقلوب الناس فان زرع محبة أهل البيت (عليهم السلام) في قلوب الناس هو باب انفتاحهم على نور وهداية أهل البيت (عليهم السلام) والسير على خطى آل البيت (عليهم السلام) ومنهاجهم ومن يخرج عن طريقهم سببه انه فقد هذه الجوهرة العظيمة وقد سلبت من قلبه،ومقصودي ان مثل هذه الفرائض العظيمة يحافظ عليها الانسان من خلال المحافظة على مقدماتها البعيدة فهو امتحان صعب جدا.
وكذا فان اكبر مرضٍ ذكره القرآن هو بغض أهل البيت (عليهم السلام) والعياذ بالله فلاحظ في سورة محمد ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴾ [6] والضغينة مقابل المودة واعظم مودة ذكرها القرآن هي مودة اهل البيت اذن اعظم ضغينة هي بغض اهل البيت والعياذ بالله، اذن هذا مثال لا بد من الالتفات اليه.
ونرجع الى محل الكلام وهو قوله تعالى ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ بهذا المعنى الذي ذكرناه في لا تقربوا الزني أي في الامور الخطيرة يجب ان يحذر من تقربها ويتجنب مقدماتها، وسياتي في الروايات التي استدل بها الاخباريون على الاحتياط كثير منها في هذه الموارد لا في المورد الذي قرروه وادعوه أي في موارد الشك، وهذا تمام الكلام في الآيات التي استدل بها الاخباريون على الاحتياط وتبين انها لا تلزم بالاحتياط في مورد الشك في الحكم الواقعي بعد الفحص.
الاستدلال على الاحتياط بالأخبار:-
اما طوائف الروايات التي استدل بها الاخباريون على الاحتياط هي كما قال الطرفين في البحث اربعُ طوائف، وهذه الروايات جمعها صاحب الوسائل في الباب الثاني عشر بالخصوص من (ابواب صفات القاضي) والحر العاملي (رحمه الله) من علماء الاخباريين لكن كما ذكرت مرارا للأخوة انه ليست القصة قصة اخباريين واصوليين ولكن هناك من الفريقين مستواهم العلمي سطحي ويعبر عنهم قشريون او سطحيون او حشويون او ظاهريون وهناك من الفريقين متضلعين ومحققين فالقصة اكثر حساسية سيما مثل الشيخ المفيد والشيخ الطوسي حساسيتهم ليست بالدقة مع الاخباريين في مقابل الاصوليين بل من الحشويين في مقابل المحققين من الطرفين ففي الحقيقة هو هذا واقع الأمر، المقصود ان باب (وجوب والتوقف والاحتياط في الفتوى والعمل بكل مسالة نظرية لم يعلم حكمها بنص منهم) في الحقيقة في ابواب صفاة القاضي بل من الباب الرابع الى الباب الثالث عشر توجد مئات الروايات جمعها صاحب الوسائل هذه الروايات كلها في مبحث منهج وهيكلة الحجج في الروايات بل في الدين بغض النظر عن استفادة واستنباط صاحب الوسائل فان الاصوليين وحتى الاخباريين قد استنبطوا منها حجية الخبر الواحد واستفادوا منها في بحث حجية ظواهر القرآن وبعبارة جامعة مبحث الحجج الروائي كله موجود في هذه الابواب وكذا قواعد معالجة التعارض وقد قرأنا في الدورة السابقة ما يقارب (250) رواية في معالجة التعارض بين الروايات والحال ان الاصوليين يذكرون (20) رواية بينما القدماء من الاصوليين والاخباريين يذكرون روايات غفيرة كثيرة.
وبعبارة اخرى:- ان روايات قواعد معالجة التعارض التي ذكرها الاصوليون من متأخر هذا العصر تعالج التعارض من حيث السند او جهة الصدور او الصدور فقط بينما غالب الروايات العلاجية للتعارض تعالج التعارض في المتن اي في فقه متن الحديث وهي اعظم من الروايات التي تعالج الصدور او جهة الصدور والنسبة تقريبا عشرة اضعاف او خمسة عشر ضعف في الكم وللأسف ان القدماء من الاصوليين حتى صاحب القوانين والفصول والمعالم والوافية تعرضوا لهذه الضوابط ولكن متاخري العصر لم يتعرضوا لها، المهم انا لستُ في مبحث التعارض ولكن انا بصدد تنبيه الاخوة على ان مبحث الحجج الروائي مودع هنا في هذا الكتاب في (ابواب صفات القاضي) وحتى روايات الاستصحاب ايضا موجودة هنا وكذا رايات البراءة موجودة هنا وكذا القطع واليقن كل رواياته موجودة في هذه الابواب وكذا جواز العمل في العقائد بالروايات او لا؟ أي منهج البحث الاستدلالي في العقائد موجود هنا أي من الباب الرابع الى الباب الثالث عشر.
صاحب البحار في المجلد الثاني عنده كتاب اسمه كتاب العلم ايضا هذا فيه روايات مباحث الحجج أي نفس مضمون ابواب صفات القاضي في الوسائل وكذا ذكرنا بالامس الكليني والصدوق وغيرهم فهذه مصادر روائية لمبحث المنهج الروائي فلابد من الالتفات اليها بشكل جيد، وحتى كثير من مقدمات علم الكلام مبحوثة هنا في هذه الابواب، اذن هذه فائدة يجب ان نلتفت اليها وهو شبيه بما اذكره للأخوة دائما ان فقه الشعائر الحسينية او الدينية او المذهبية لأهل البيت (عليهم السلام) انه لابد من ان نقف عليها ولذا فان احد مضانها في الوسائل هو (ابواب المزار) فهي (110) باب عقده صاحب الوسائل الى فقه الشعائر، فهذه الابواب وان كان اسمها الزيارات ولكنها في الحقيقة قواعد وضوابط مسائل فقه الشعائر.
وبصراحة نستطيع ان نقول ان القرنين الاخيرين او اكثر يعني في القرنين الاخيرين بشكل مركز وان كان قد بدأ هذا المطلب من المحقق الحلي (رحمه الله) ان فقه الشعائر صار متروك مع انه فقه خطير وعظيم لانه يرتبط بكيفية السياسة الاجتماعية الدينية لمجتمع المؤمنين فهذه (110) باب ليست متون الروايات هي زيارات بل متونها تتعرض الى فقه شعائر الولاية وفرقه[7] عن شعائر الحج وشعائر الصلاة، فهذا مضان مهم ولابد للباحث ان يقرأه مره ومرتين وثلاث بتدبر وكذا كتاب كامل الزيارات فان اسمه زيارات والا فهو في الواقع فقه عقائد الولاية وفقه شعائر الولاية كل هذا موجود فيه حتى قضايا تاريخية موجودة فيه لان الذي الفه مرجع الطائفة الاوحد الذي في زمانه الشيخ ابن قولوية استاذ الشيخ المفيد وكما يعبر النجاشي (وعليه تتلمذ شيخنا ابو عبد الله في الفقه) فليس هو شخص عادي وقد ذكرنا بالامس ان السيد الخوئي (رحمه الله) يعتبر هذا الكتاب كله صحيح وان كنتُ لا اقول بان هذا المبنى صحيح فان الكتاب نعم صحيح لا الطرق الموجودة فيه صحيحة ولكن اقصد لاحظوا مدى اهمية هذا الكتاب ومثل ما يرى السيد الخوئي (رحمه الله) ان كل روايات تفسير علي ابن ابراهيم صحيحة وان كنت ايضا لا ابني عليه لان كثير من رواياته ضعاف، اذن كتاب كامل الزيارات هو كتاب فقه الشعائر وكذا الشيخ المفيد عنده باب خاص بالمزار والشيخ الطويس في كتبه كلها عنده باب خاص بالمزار والشهيد الاول في الدروس عنده باب اسمه فقه المزار نعم المحقق الحلي ومن بعده العلامة الحلي فانهم حذفوا هذا الباب من الفقه او عنونوه بشكل ضئيل ومختزل والذين جاءوا بعدهم تركوه، اذن هذا الباب باب من ابواب الفقه المهمة أي فقه السياسة الدينية للمجتمع وليس بشيء سهل بل يجب بحثه وتطويره فان الشيخ الطوسي وابن البراج وابن ادريس والسيد المرتضى كل هؤلاء الاعلام الكبار عنونوه بباب مفصل.
ويشبه انثدار باب المزار ان هناك آداب يفتون باستحبابها بشكل مسلم عند القدماء فان هذه الآداب وصلت الى كتاب السيد اليزدي رحمه الله فصارت محل تشكيك وتردد الى ان وصلت الى كتب المنهاج فصارت منفية وهكذا تندرس الادلة والبحوث ولذا السيد الصدر في الحلقة الاولى يقول (ان الجو العام يؤثر لا شعوريا على الفقيه والمستنبط) وحقيقتا اذا نطالع تاريخ الفقه نلاحظ بصماتها موجودة،اذن معرفة مضان الابواب الروائية لمصادر البحوث شيء مهم ومؤثر جدا في الملكة العلمية والاجتهاد والفقاهة والأعلمية.
وأتذكر ان أحد المراجع ولكن ليس هو من الدرجة الاولى بل من الدرجة الثانية او الثالثة وكنا في محضر احد المتبحرين في علم الحديث ولم يكن ها المرجع يعلم في أي مكان كتاب الخمس من الكافي!!
نعم فانه وان كان قد اتعب نفسه في الفقه والاصول ولكن نلاحظ كيف ان مراجعة المصادر ومضان الروايات له اثره فان كتاب الخمس من الكافي لم يذكره الشيخ الكليني في الفروع بل في اصول الكافي وكذا بحث الانفال والفيء جعله في اصول الكافي فمعرفة كتب الحديث وابوابها ومطالعة فهارس كتب الحديث مثل فهرست عيون اخبار الرضا وفهرست الكافي وفهرست روضة الكافي شيء مهم لان فهرست أي كتاب هو عبارة عن النخاع العلمي لذلك الكتاب فمثلا صاحب الوسائل رتب كل كتاب الوسائل على ضوء الشرايع وكذا السيد اليزدي هذه الفروع العديدة استقاها بالدقة من الجواهر، اصلا كثير من الباحثين ربما يتناسون مكان وجود هذه الابحاث في الوسائل، اذن لابد ان يانس الباحث بابواب الوسائل فمثلا باب العشرة ماذا به وباب جهاد النفس ماذا به؟ فكثيرا ما في بحث الفقه في العام الماضي ذكرنا ان الابواب المستحبة في الوسائل فيها روايات اعتمد عليها المتقدمون في احكام الزامية وخالفهم المعاصرون لانهم قالوا لا توجد رواية مع انها الرواية موجودة في الابواب المستحبة لان تبويب صاحب الوسائل اجتهاد منه فكثيرا ما اذا راجعت الباب ربما تخطأ صاحب الوسائل فيما اجتهد به فربما انك ترى ان مكان هذه الرواية ليس هذا المكان وهذا هو السبب في ان السيد البروجردي (رحمه الله) الف جامع احكام لشريعة وكذا المشروع نفسه كان عند السيد الخوئي (رحمه الله) ولكن لما سمع ان السيد البروجردي الف فتراجع عنه ويقال ان مقدار جهود السيد الخوئي ارسلها الى السيد البروجردي، واصلا ان اصل معجم رجال الحديث ليس كتاب رجالي فقط بل هو كتاب تدوين الحديث وضبط متن الحديث والسبب في ان هذان السيدان انبريا لهذا المطلب لانهم راو ــ كما هم يذكرون ــ ان صاحب الوسائل كثيرا ما يورد روايات في ابواب صلتها بابواب كثيرة اخرى اهم وان كان السيد البروجردي لم يحالفه القدر ان يكمل الكتاب فان المجلد الاول والثاني فقط اشرف عليهما اما البقية فليست بإشرافه.
وينقل ان العلامة الطبطبائي والسيد الميلاني ومعهم ربما الشيخ عباس القمي او غيره فانهم بحثوا الوسائل من اوله الى اخره متنا وسندا ونسخا، وينقل احد تلامذة العلامة ان العلامة انما فسّر القران بعد ان قراء البحار كله ولخصه وهو كتابه تفسير البيان وهو ستة مجلدات للعلامة فانه تلخيص البحار وقد كتبه قبل الميزان، اذن الانس بالأبواب شيء مهم وكذا ينقل ان الشيخ حسين الحلي رحمه الله يقال انه كان يحفظ كل عناوين ابواب الوسائل وكم حديث فيه وكل باب كم حديث صحيح وكم حديث ضعيف.
فهذه امور مصيرية بالاستنباط.