36/01/18


تحمیل
الموضوع:- تنبيهات الأخبار العلاجية.
وأما صاحب الحدائق:- فقد ذكر في صدد نجاسة وطهارة الكتابي حيث أنّ صاحب الذخيرة السبزواري كان يميل إلى الحكم بطهارة الكتابي وقال إنّ يمنعني من الحكم بالطهارة هو الشهرة بين الفقهاء على الحكم بالنجاسة فلولا هذه الشهرة لكنت أحكم بطهارة الكتابي لأنّه لو لم أحكم بطهارته فهذا معناه أنّي رجّحت أخبار النجاسة والحال أنّ أخبار الطهارة يبعد حملها على التقيّة فإذا أردنا أن نرجّح أخبار النجاسة فذلك يعني أنّا حملنا أخبار الطهارة على التقيّة وحملها على التقيّة بعيدٌ، وأيضاً أخبار النجاسة يمكن حملها على التنزّه.
فإذن من جهتين يرجّح الحكم بالطهارة من جهة أنّه من البعيد ترجيح أخبار النجاسة وحمل أخبار الطهارة على التقيّة ومن جهة أنه يوجد جمعٌ بين أخبار الطهارة وبين أخبار النجاسة وذلك بحمل أخبار النجاسة على التنزّه ورجحان الاجتناب.
وحمل عليه صاحب الحدائق(قده) حيث قال:- ( وأمّا ما ذكره - من اتجاه القول بالطهارة لولا ما ذكره لبعد الحمل على التقيّة مضافاً إلى قرب التأويل في أخبار النجاسة بحملها على الاستحباب والكراهة - فهو وإن سبقه إليه السيد في المدارك إلا أنه اجتهاد محض في مقابلة النصوص وجرأة تامّة على أهل الخصوص لما عرفت من أنهم عليهم السلام قد قرروا قواعد لاختلاف الأخبار ومهدوا ضوابط في هذا المضمار ومن جملتها العرض على مذهب العامة والأخذ بخلافه والعامّة هنا كما عرفت متّفقون على القول بالطهارة أو هو مذهب المعظم منهم بحيث لا يعتدّ بخلاف غيرهم فيه ...... فعدولهم عمّا مهّده أئمتهم إلى ما أحدثوه بعقولهم واتخذوه قاعدةً كلّيةً في جميع أبواب الفقه بآرائهم من غير دليلٍ عليه من سنّة ولا كتاب جرأة واضحة لذوي الألباب وليت شعري لمن وضع الأئمة عليهم السلام هذه القواعد المستفيضة في غير خبرٍ من أخبارهم إذا كانوا في جميع أبواب الفقه إنما عكفوا في الجمع بين الأخبار في مقام الاختلاف على هذه القاعدة والغوا العرض على كتاب الله العزيز والعرض على مذهب العامة كما عرفت هنا وهل وضعت لغير هذه الشريعة أو أن المخاطب بها غير علماء الشيعة ما هذا إلا عجبٌ عجاب من هؤلاء الفضلاء الأطياب )[1]، وعبارته واضحة في أنه(قده) في موارد الجمع العرفي يطبّق المرجّحات - ولكن عملاً لا أستطيع أن أقول هو دائماً يسير على هذا الخط، كلّا لأنه يوجد عنده جمعٌ بين الأخبار أحياناً بالاستحباب أو غير ذلك - بل عبارته صريحة تقريباً في أنّه يطبّق قواعد التعارض في موارد إمكان الجمع العرفي لأنه لم يناقش ويقول إنّ هذا ليس جمعاً عرفيّاً مقبولاً وإنما أنكر إعماله لأجل أنّ تلك القواعد التي قررها الأئمة عليهم السلام تبقى من دون ما يمكن تطبيقه عليها.
وأما صاحب الكفاية:- فربما يظهر منه الميل إلى ذلك أيضاً - يعني تطبيق قواعد باب التعارض على الجمع العرفي - فإنه ذكر بأنه لا مانع ما تطبيق ما ذكره الأئمة عليهم السلام في قواعد التعارض في موارد إمكان الجمع العرفي وأخذ يوضّح ويوجّه ذلك، ثم بعد ذلك قال:- ( إلا أن يقول إنّه يحتمل أنّه مرتكز في أذهان الرواة أنّ الموارد التي يمكن فيها الجمع العرفي هي من البداية ليست مشمولة للتعارض وخارجة عنها )، فهو يظهر منه تقوية ذاك - وهي أنها تشمل ولكن أضاف قوله إلّا أن يقال -، ونص عبارته:- ( فصلٌ:- قد عرفت سابقاً أنه لا تعارض في موارد الجمع التوفيق العرفي ولا يعمهما ما يقتضيه الأصل في المتعارضين من سقوط أحدهما رأساً .... فهل التخيير والترجيح يختصّ أيضاً بغير مواردها أو يعمها ؟ قولان أولهما المشهور ... )[2]، ثم أخذ في توجيه ذلك، وبعد ذلك قال ( إلا أن يقال ..... ) . ولكن كيفما كان فنحن لا نتمكّن أن ننسب إليه أنّه يتبنّى أنّ قواعد باب التعارض تشمل باب الجمع العرفي ولكن يظهر منه الميل إلى ذلك.
والمناسب أن يقال:- إنها لا تعمّ موارد الجمع العرفي وذلك لما يلي:-
أوّلاً:- إنّ الوارد في صحيحة الراوندي التي هي المعتمد عندنا والتي تقول:- ( إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله ... ) ومعلوم أنّ عنوان ( حديثان مختلفان ) هو عنوان لا ينطبق في مورد ما يمكن فيه الجمع العرفي وإنما يختصّ بما إذا فرض عدم إمكان الجمع عرفاً ورأى العرف التهافت والتعارض بين الحديثين.
فإذن هناك قصورٌ في أصل العنوان، أيّ هناك قصورٌ في المقتضي فالعنوان من البداية لا يشمل موارد إمكان الجمع العرفي.