36/02/09


تحمیل
الموضوع:- تنبيهات الأخبار العلاجية- التنبيه الخامس.
وأما روايات الطائفة الثانية - أعني الدالة على الطهارة -:- فهي تنقسم إلى أقسام ثلاثة، يعني ما دلّ على الطهارة بالصراحة، وما دلّ عليها الظهور، وما دلّ عليها بالظهور، ولا توجد درجة رابعة - وإلّا لو كانت موجودةً فلا تظهر ثمرة لفكرة التصنيف -.
أمّا روايات القسم الأوّل:- فمثالها صحيحة علي بن رئاب:- ( سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي فاغسله أو أصلّي فيه ؟ قال:- صلّ فيه إلا أن تَقَذَّرَهُ فتغسل منه موضع الأثر إنّ الله تعالى إنمّا حرم شربها )[1]، إنه لولا قوله عليه السلام ( إنما حرم شربها ) لكان من المناسب أن نقول إنَّ فيها ظهوراً في الطهارة لا الصراحة فيها أمّا بعد أن قال عليه السلام ( إن الله تعالى إنما حرّم شربها ) يعني هي محرّمٌ شربها وليس فيها نجاسة، فهي يمكن أنّ يدعى بأنّها صريحة في الطهارة.
وأما مثال القسم الثاني- يعني ما دل بالظهور-:- وهو كرواية عليّ بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام:- ( سألته عن رجل مرّ بمكانٍ قد رشَّ فيه خمرٌ قد شربته الأرض وبقي نداه أيصلّي فيه ؟ قال:- إن أصاب مكانا غيره فليصلّ فيه وإن لم يصب فليصلّ ولا بأس )[2]، إنّ قوله عليه السلام:- ( وإن لم يصب فليصلّ ولا بأس ) ظاهر في طهارة الخمر إذ المفروض أنّه قد بقيت النداوة فنفي البأس يكون ظاهراً في الطهارة.
نعم قد يُحمل الشق الأوّل حينما قال عليه السلام:- ( إن أصاب مكاناً غيره فليصلّ فيه ) على قضيّةٍ ثانيةٍ وهي أنّه توجد مانعيّة مستقلّة لنفس الخمر فهو ليس بنجسٍ ولكن نفس وجوده يكون مانعاً كوجود بعض أجزاء ما لا يؤكل لحمه وحينئذٍ يكون طاهراً بقرينة الشقّ الثاني.
وعلى أيّ حال فلنسلّم الآن بأنَّ الرواية ظاهرة في طهارة الخمر.
وأما القسم الثالث- أي ما دلّ بالاطلاق-:- فهو كصحيحة علي بن جعفر:- ( وسألته[3]عن الرجل يمرّ في ماء المطر وقد صبَّ فيه خمرٌ فأصاب ثوبه هل يصلّي فيه قبل أن يغسله ؟ فقال:- لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس )[4]، إنّها تدلّ على طهارة الخمر إذ أنّه عليه السلام لم يأمره بغسل ثوبه أو رجله عندما أصابهما ماء المطر الملاقي للخمر.
بيد أنّ هذا الاستدلال موقوفٌ على ضمّ مقدّمة وهي ضمّ الإطلاق، يعني بتعبيرٍ آخر أنَّ الإمام لم يفصّل بين حالة اتصال المطر وبين حالة الانقطاع فإذا كان مورد الرواية حالة نزول ماء المطر فحينئذٍ حتى لو كان الخمر نجساً تكون طهارة الماء على القاعدة لأنه معتصم، فلابد وأن نضمّ فكرة الإطلاق - أو عدم الاستفصال من هذه الناحية يعني عدم التفرقة بين حالة نزول ماء المطر وبين حالة انقطاعه - فالإمام حكم بأنّه لا داعي لغسل الرجل أو الثوب وهذا يدلّ على طهارة الخمر وإلا فمن المناسب في حالة الانقطاع الحكم بالنجاسة، فعدم الحكم بالنجاسة يدلّ على الطهارة.
وقد يقول قائل إنّه لابد من ضمّ مقدّمةٍ أخرى:- وهي أنّه لعله من باب أنّ الماء القليل لا ينفعل بملاقاة عين النجاسة - ولعل هذا هو رأي الكاشاني - فلنخرّج الرواية من هذا الباب، ولكن هذه مناقشة ثانية في كيفية دلالة الرواية، ولكن الآن فلنغض النظر ونفترض أنّنا بالاتفاق على أنّ الماء القليل ينفعل بملاقاة النجاسة فمن هذه الناحية نفترض أنّه لا إشكال بل فقط أن نجعل هذه الرواية دالّة على طهارة الخمر فنحتاج إلى ضمّ الإطلاق - أي الإطلاق من ناحية أنّه لا حاجة إلى غسل الرجلين أو الثوب حتى في حالة كون ماء المطر قد انقطع وأصابه الخمر حالة انقطاع - . إذن دلالة هذه الرواية بالاطلاق.
هذه روايات هذه الطائفة.
هذا بالنسبة إلى القضيتين اللتين مهّدناهما كمقدّمة لبيان الفكرة.
وبعد اتضاح الطائفتين وأنّ الأولى على أقسامٍ أربعة والثانية على أقسامٍ ثلاثة نقول:- إنَّ المشهور قالوا بأنّ الطائفتين متعارضتان ولا مرجّح في البين فتتساقطان وبالتالي يلزم الرجوع إلى العموم الفوقاني إن كان أو إلى الأصل، وواضحٌ أنّه إذا أمكن الجمع العرفي فنجمع لأنّ بعضهم جمع بحمل الطائفة الأولى الدالة على النجاسة على التنزّه والكراهة بقرينة الطائفة الثانية ولكن هذا مطلبٌ ثانٍ، ولكن إذا أنكرنا هذا وقلنا إنّ الأحكام الوضعيّة ليست قابلة للحمل على الكراهة والتنزّه فحينئذٍ قالوا بأنها تتساقط ونرجع إلى العموم أو الأصل.

وهنا ذكر السيد الشهيد(قده) في بحوثه الفقهية[5]:- إنّه يمكن أن يقال بتصنيف الطائفتين بحسب الرتبة بأنّ ندّعي أنّ القسم الأوّل من الطائفة الأولى يتعارض مع القسم الأوّل من الطائفة الثانية - يعني الصريح من هذا الجانب في النجاسة مع الصريح من ذاك الجانب في الطهارة - فيتساقطان، ثم يتعارض القسم الثاني من الطائفة الأولى - يعني الظاهر في النجاسة - مع القسم الثاني من الطائفة الثانية الدالة على الطهارة فيتساقطان، ثم يتعارض القسم الثالث من الطائفة الأولى مع القسم الثالث من الطائفة الثانية - يعني الدال على النجاسة بالاطلاق مع الدال على الطهارة بالاطلاق - فيتساقطان، وبعد تساقط هذه الأقسام الثلاثة يبقى القسم الرابع من الطائفة الأولى بلا معارضٍ ويكون هو المرجع وبالتالي نلاحظ أنّه يقتضي النجاسة فنحكم بالنجاسة آنذاك، ولعله في أمثلة أخرى يقتضي الطهارة فنحكم بالطهارة حسب اختلاف المورد، فيكون القسم الرابع سواء كان من هذه الطائفة أو من تلك الطائفة الذي ليس له معارض يبقى هو المرجع ونحكم بما يقتضيه والتعارض يختصّ بين كلّ قسمٍ وصاحبه من الطائفة الأخرى . إنَّ المناسب أن يكون الأمر هكذا لا أن نقول إنَّ هذه الطائفة الأولى بجميع أقسامها الأربعة تتعارض مع الطائفة الثانية بجميع أقسامها الثلاثة وتتساقطان، كلّا بل كلّ واحدٍ من هذه الأقسام يعارض نظيره فالصريح يعارض الصريح والظاهر يعارض الظاهر والمطلق يعارض المطلق فيتساقطان ويبقى الأخير فيكون مرجعاً.
أمّا لماذا نقول بأنّ كل قسم يتعارض مع القسم الأخر من الطائفة الأخرى ؟
ذكر في وجهه ما حاصله:- إنّه في القضيّة الأولى ذكرنا أنّه لو كان لدينا خاصّان أحدهما يقول ( كلّ شيءٍ يطير فلا بأس ببول وخرؤه ) والآخر يقول ( اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه ) وكان عندنا عام يأمر بغسل البدن أو الثوب من البول إذا أصابه، إنّه لا يدخل هذا العام في مجال المعارضة بل الذي يدخل في المعارضة هو هذا الخاص مع ذاك الخاص فقط ويبقى العام بمعزلٍ عن المعارضة وبعد تساقطهما نرجع إلى العام، ولماذا ؟ فنحن نسأل المشهور ونقول:- لماذا هكذا صنعتم ولم تُدخلوا العام في المعارضة وتصير المعارضة آنذاك ثلاثيّة الأطراف - وليس من المهم أن يقف العام إلى جانب هذا أو إلى جانب ذاك أو يقف كطرفٍ ثالث - ؟ ليست النكتة إلّا أنّ الخاص حيث إنّه خاصّ أو أظهر فيكون قرينةً، وذو القرينة هو العام، ولا معنى للمعارضة بين القرينة وذي القرينة فإن القرينة متقدّمة دائماً على ذي القرينة فلا معنى لأن تعارض ذا القرينة، نعم بعد سقوط هذه القرينة مع تلك القرينة الثانية فحينئذٍ لا محذور في الرجوع إلى العام، أمّا أن يدخل هذا العام ويعارض هذا الخاص أو ذلك الخاص فهذا خلف كونه ذا القرينة فإن مقتضى كونه ذا القرينة أنّه خاضعٌ ومسلّمٌ للقرينة فلا يعارضها، أوليست هذه هي النكتة ؟!! وإذا قبلنا بهذه النكتة في باب الخاص مع العام فيمكن سحبها إلى محلّ كلامنا - يعني ما إذا كانت كلّ طائفة مشتملة على أقسامٍ مختلفةٍ من حيث الرتبة - فنقول إنَّ القسم الأوّل هو الصريح وحيث إنّه صريحٌ فيكون قرينةً على التصرّف في القسم الثاني - أعني الظاهر - ومادام الأمر هكذا فلا معنى لتحقّق المعارضة بين الظاهر والصريح لأن ذلك يعني المعارضة بين القرينة وذو القرينة . إذن لا معنى للمعارضة بين الصريح والظاهر، وهكذا لا معنى للمعارضة بين الظاهر والقسم الثالث - أي المطلق - فإنما له ظهورٌ يمثّل القرينة على الاطلاق - أي القسم الثالث - فلا معنى لوقوع المعارضة بينهما.
فعلى هذا الأساس من المناسب أن تختصّ المعارضة بين الصريحين فيسقطان، والظاهرين فيسقطان أيضاً، والمطلقين فيسقطان أيضاً، فيبقى القسم الرابع من الطائفة الأولى بلا معارضٍ فيكون هو المرجع . هذا هو المناسب، وواضحٌ أنّه لو طبقنا هذا فسوف نخرج بنتائج مغايرة كثيرة لما عليه المنهج الأوّل.


[3] وإذا كانت المضمرات محل اشكال فمضمرات علي بن جعفر يمكن ان نوقل إنها لا إشكال فيها من باب أنه يحصل اطمئنان أنه يسال من أخيه عليه السلام.
[5] بحوث فقهية، السيد الشهيد، ج3، ص352- 354.