36/04/13


تحمیل
الموضوع:- الفارق بين الأمارة والأصل - مباحث الحكم.
الفارق بين الأمارة والأصل:-
اتضح على أساس ما ذكرناه الفارق بين الأمارة والأصل، فحجّية الأمارة عبارة عن خطابٍ ناشئٍ من الملاك الأهم واقعاً بسبب قوّة الكاشف بينما الأصل خطابٌ ناشئ من الملاك الأهم ولكن ليست الأهمية بسبب قوّة الكاشف إذ لا كاشف وإنما بسبب قوته في نظر المولى في حدّ نفسه بقطع النظر عن الكاشف.
بيد أنّ الأصوليين ذكروا في هذا المجال كلاماً طويلاً سنذكره عند الدخول في الأصول العمليّة ولكن نذكر شيئاً يسيراً منه هنا:-
إنّ الشيخ النائيني(قده) فرّق بين حجية الأمارة والأصل:- بأنّ المجعول في باب الأمارة هو العلميّة بينما المجعول في باب الأصل العملي هو الجري العملي، فكلّما كان المجعول هو العلميّة فهذا مورد الأمارة وإلا فهو مورد الأصل، إنّه بنى على ذلك وأشار إليه في أجود التقريرات[1]، على هذا المنوال ذكر الشيخ العراقي(قده)[2] والسيد الخوئي(قده)[3]، بل ربما قد يقال إنّ بعض عبارات الشيخ الأعظم توحي بذلك حيث قال:- ( ثم المراد بالدليل الاجتهادي كلّ أمارة اعتبرها الشارع من حيث أنها تحكي عن الواقع وتكشف عنه بالقوّة وتسمّى بنفس الأحكام بالأدلة الاجتهادية وفي الموضوعات ..... )[4].
وقد الشيخ النائيني(قده) استدل بوجهين على هذا الفارق:-
الوجه الأوّل:- واقع الحال، حيث ذكر أنّ الأمارات هي عقلائية عادةً قبل ان تكون حجّيتها شرعيّة، فالعقلاء يأخذون بالظهور وبخبر الثقة وما شاكل ذلك، ولماذا يأخذون بهذه الأمور ؟ إنهم يلغون احتمال الخلاف فالكاشفيّة في الخبر عن الواقع هي بدرجة 70% مثلا وهم يلغون احتمال الخلاف البالغ 30% مثلاً ويأخذون به وإلغاء هذا هو عبارة أخرى عن تتميم الكشف وجعل العلميّة للخبر والشارع في الحقيقة ممضٍ لما عليه العقلاء فيكون كالعقلاء يتمم الكشف ويجعل العلميّة للخبر ونحوه من الأمارات.
الوجه الثاني:- أنّ العقل يلزم بتتميم الكشف وجعل العلميّة إذ لو لم تجعل العلميّة للخبر لصار منجّزاً - والمقصود من التنجيز استحقاق العقوبة - والحال هو ليس بعلمٍ وهذا مخالفٌ للقاعدة العقلية التي تقول يقبح العقاب بلا بيان - يعني بلا علم -، اللهم إلا أن نفترض تخصيص هذه القاعدة ونقول يقبح العقاب عقلاً بلا علمٍ إلا في مورد الخبر، وهذا غير ممكنٍ لأنّه تخصيصٌ للقاعدة العقليّة والقواعد العقليّة لا تقبل التخصيص.
وفيه:-
إنّه إن كان يقصد من وراء كلّ هذا الكلام أنّ واقع الحال يملي علينا ذلك كما هو مقتضى الوجه الأول - فإنه يوحي بأن الواقع العقلائي هو يملي بذلك فالمسألة ليست مسألة تحميل وإلزام وإنما مسألة الواقع العقلائي الذي هو المدرك للحجيّة هو ذلك - فيردّه -:- أنّه نسلّم بأنّ العقلاء يعملون بالخبر وما شاكله أمّا أنهم ابتداءً يجعلونه علماً ويتمّمون الكشف ثم يعملون به فمن أين لك هذا ؟! نعم بحسب النتيجة هم لم يعتنوا لاحتمال الخلاف ولكنّ هذا نتيجة عملهم بالخبر لا أنهّم في البداية صنعوا ذلك - يعني ألغوا احتمال الخلاف وجعلوا العلميّة ثم عملوا به - فإنّ هذا لا مثبت له وهو تحميلٌ على العقلاء.
بل لعلّ واقع الحال ليس على ما ذكره بل على ما ذكرنا، يعني أنَّ عمل العقلاء بخبر الثقة هو من باب أنه كاشفٌ ظنّيٌ ويحرز لنا الملاك الواقعي بدرجةٍ لا بأس بها ومهمّة كــ 70% ولأجل ذلك تحفظاً على الملاك الأهم من حيث قوّة الكاشف عملوا به.
إذن المسالة ليست مسألة جعل العلميّة.
وإن كان يقصد أنّ العقل يفرض علينا ذلك - كما هو مقتضى الوجه الثاني - فيردّه:- لو سلّمنا أنّ العقل يحكم بقاعدة قبح العقاب بلا بيان فهو يحكم بذلك إذا لم يفترض أن الشارع جعل شيئاً حجّةً ظنيّةً أمّا إذا جعل أمارة ظنيّة حجّة فالعقل من البداية يقول إنّي لا أحكم بقيح العقاب مادام الشارع قد جعل حجّة، فدائرة قبح العقاب بلا بيان هي ضيّقة من البداية لا أنّه لو جعلنا الخبر حجّة بلا تتميم الكشف سوف يلزم التخصيص، كلّا هي ليست وسيعة من البداية حتى يلزم التخصيص بل هي من البداية ضيّقة فيلزم حينئذٍ بجعل الشيء حجّة التخّصص - أي الخروج الموضوعي -.
وإذا سألتي وقلت:- من أين لك أنّ دائرة قبح العقاب بلا بيان ضيّقة من البداية ؟
قلت:- هذه قضايا وجدانيّة فارجع إلى وجدانك وتأمّل مع العقل ولاحظه فهو يقول نعم يقبح العقاب بلا علمٍ - على كلامٍ سوف يأتينا - لكن إذا لم ينصب الشارع حجّةً أمّا إذا نصب لي حجّة فالعقل يقول سِر عليه.
وإن كان يقصد إنّ النصوص الشرعية هي التي تدلّ على ذلك - يعني أنّ المجعول في باب الأمارة هو العلميّة ويناسب هذا أنّه ذكر في الأصل أن المجعول هو الجري العملي ومن أين لك أن المجعول في الأصل هو الجري العملي ؟ لابد وأن يقول إنّ المستند هو لسان الروايات حيث قالت:- ( كلّ شيءٍ لك حلال ) و ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) يعني في مقام الجري العملي لكن في سعة فهذه يفهم منها أن المجعول هو هذا - فيرد عليه:- أنّه ليس في النصوص ما يوحي بأنّ المجعول في باب الأمارة هو العلميّة بل الموجود في النصوص هو:- ( العمري وابنه ثقتان فما أديا عنّي فعنّي يؤديان ) أو مثل ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ﴾ فإنّه بالمفهوم يدلّ على أنّه إن لم يجئ الفاسق وجاء العدل فلا تتبيّنوا، إنّ هذا التعبير ونظائره نفهم منه الحجيّة وهو لا يوحي بجعل العلميّة، فما أفاده(قده) قابل للمناقشة . هذا كله من حيث الأمارة.
وأما من حيث الأصل:-
فهو(قده) قال إنّ المجعول في باب الأصل هو الجري العملي، ولعله كما ذكرنا استند في هذه الدعوى إلى تعابير الروايات فهي قد تتلاءم مع ذلك.
ولكنّا نقول:- إنَّ تعابير الروايات لازمٌ أعمّ وهي لا تكشف عن واقع الحال، إنما الذي يكشف عن واقع الحال هو ما أشرنا إليه من أنّ القضيّة عقلائيّة قبل أن تكون شرعيّة، فأنت عقلائياً إذا كنت تحتمل مجيء الضيوف فسوف تقول لأهلك هيئوا الطعام - والمفروض أنّه لا يوجد تلفون في ذلك الزمان - فهنا تقايس وتوازن بين الملاكين كما أشرنا ملاك حفظ ماء الوجه أو إكرام الضيف وملاك مفسدة التبذير أو غير ذلك وعلى طبق الملاك الأقوى قوةً ناشئةً من غير الكاشف بل في نفسه بقطع النظر عن الكاشف تصدر حكماً عامّاً واللسان ليس بمهمّ فتقول لهم ( كلما احتملتم مجيئ الضيوف فأطبخوا ) ولعله تعكس وتقول لا تطبخوا.
والنتيجة النهائية:- إنّ ما ذكرناه في مقام التفرقة شيء نابعٌ من الواقع العقلائي، يعني هي قضية شاهدها معها وهو الوجدان العقلائي بالشكل الذي أشرنا إليه، أما ما ذكره فلا يشهد له وجدانٌ عقلائيٌ ولا يشفع له إلا مصطلحاته النائينية الظريفة.