36/04/21


تحمیل
الموضوع:- الجامع بين المقدور وغير - شرطية القدرة في متعلّق التكليف - مباحث الحكم.
الجامع بين المقدور وغير المقدور:-
وقع الكلام بين الشيخ النائيني(قده) من جهة وبين غيره كالمحقق الثاني من جهة أخرى - وهذا الخلاف بعد الفراغ عن اعتبار القدرة في متعلّق التكليف فلا يدخل في هذا النزاع من لا يرى اعتبار القدرة في متعلّق التكليف كالسيد الخوئي(قده) - في أنّ الجامع بين المقدور وغير المقدور هل هو مقدور أو ليس بمقدور ؟ وقد مثّلنا بمثالٍ وهو أن يقول له ( إمّا أن تصلي الصلاة في أوّل الوقت أو تطير إلى السماء ) أي طلب منه الجامع بينهما - أي الأحد - وقال له حققه لي فهل هذا الجامع مقدورٌ بسبب القدرة على بعض أفراده أو ليس بمقدور ؟
قال الشيخ النائيني(قده) إنّه ليس بمقدورٍ وبالتالي ينحصر التكليف بالفرد المقدور أعني الصلاة غير المزاحمة بالإزالة وأمّا الصلاة المزاحمة بالإزالة فلا تكون مشمولة للأمر.
وقال المحقّق الثاني إنَّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدورٌ، وذكرنا أنّ له عبارة في باب الدين يفهم منها ذلك ونصّها:- ( فإن قيل وجوب القضاء على الفور ينافي وجوب الصلاة في الوقت الموسّع لأنّه حين وجوب الصلاة إذا تحقق وجوب القضاء على الفور يلزم تكليف ما لا يطاق وهو باطل وإن لم يبق خرج الواجب عمّا ثبت له من صفة الوجوب الفوري، قلنا:- لا نسلّم لزوم تكليف ما لا يطاق إذ لا يمتنع أن يقول الشارع أوجبت عليك كلا الأمرين لكن أحدهما مضيّق والآخر موسّع فإن قدّمت المضيّق فقد امتثلت وسلمت من الإثم وإن قدّمت الموسع فقد امتثلت وأثمت بالمخالفة في التقديم )[1]، وكلامه هذا يدلّ على أنّ الصلاة هي واقعاً متعلّقاً للأمر وهذا نفهم منه أنّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدورٌ وإلا لا نتصوّر صحتها وتعلّق الأمر بها إلّا بناءً على ذلك.
ونسأل سؤالين:-
السؤال الأوّل:- أيّ واحدٍ من الرأيين هو الصحيح فهل الصحيح ما ذهب إليه الشيخ النائيني(قده) أو ما ذهب إليه المحقق الثاني(قده) ؟
السؤال الثاني:- ما هي ثمرة هذا البحث ؟
الجواب:-
أما بالنسبة إلى السؤال الأول:- فالمناسب ما ذكره المحقّق الثاني إذ من الواضح أنّ صِرف وجود الشيء يتحقّق ببعض الأفراد والمطلوب هو الأحد بنحو صِرف الوجود وهذا الأحد حيث يتحقّق بأحد الفردين فإذن لا يضرّ عدم إمكان الفرد الثاني في صدق القدرة على الأحد - الذي هو الجامع -، وهذه قضية واضحة مسلّمة ولا ندي كيف ذهب الشيخ النائيني(قده) إلى ما ذهب إليه فإنه شيء غريب ؟!!
وأمّا بالنسبة إلى السؤال الثاني فالجواب:- إنّه بناءً على كون الجامع مقدوراً لا نحتاج إلى فكرة الترتّب آنذاك في مثال الصلاة المزاحمة بالإزالة أو الصلاة المزاحمة بقضاء الدين، فإنه لا نحتاج إليها لتصحيح الصلاة إذ يوجد أمرٌ بقطع النظر عن فكرة الترتّب، فإنّ الأمر بطبيعي الصلاة - أي ﴿ أقم الصلام لدلوك الشمس إلى غسق الليل ﴾ - هو ثابتٌ غاية الأمر أنّ بعض أفراده ليس بمقدورٍ وعدم القدرة على بعض أفراده لا ينافي تعلّق الأمر بالطبيعي، فيبقى الأمر بالطبيعي ثابتاً وعليه فأنا سوف ائتِ بالصلاة المزاحمة بالإزالة امتثالاً للأمر، واي أمر هو ؟ إنه الأمر بالطبيعي بلا حاجة إلى فكرة الترتب.
نعم الفارق بين هذا الراي وبين رأي السيد الخوئي(قده) هو أنّه في الموارد التي لا يوجد فيها جامع بين فردين كما لو فرض أنّ الأمر دار بين انقاذ غريقٍ وبين الحج وكان الأهم هو انقاذ الغريق فلو تركه واشتغل بالحج فهنا لا يمكن أن نطبّق فكرة الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدورٌ إذ أنّ هذه الفكرة تأتي فيما إذا كان هناك أفراد متعدّدة للواجب بعضها مقدوراً وبعضها الآخر ليس بمقدورٍ أمّا هنا فالمطلوب هو الحجّ في هذه السنة وليس الحج بنحو التوسعة، ففكرة الجامع بين المقدور وغير المقدور لا تأتي هنا فنحتاج لتصحيح الحجّ إلى فكرة الأمر الترتّبي، بخلافه على رأي السيد الخوئي(قده) فإنه لا يحتاج إليها.
إذن نحن حينما نقول إنَّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدورٌ وبهذه نصحح الصلاة المزاحمة بالإزالة فهذا في الحقيقة ينفعنا في بعض موارد التزاحم وليس في كلّها، فهو ينفعنا فيما إذا كان الوجب واجباً موسّعاً وله أفراد ولا ينفعنا لو كان الواجب ليست له أفراد - كما في مثال الحج - فالتفت إلى هذه النكتة.
وبالتالي لا يتسجّل الإشكال علينا بل يتسجّل على السيد الخوئي(قده) فنقول له إنّ فكرة الترتّب لابد وأن لا تبحثها إلا من باب بحثها على مسلك الغير لأنّك لا تحتاج إليها، أمّا نحن فندخل في بحث الترتّب من باب الحاجة إليه، إذ نحن لا نحتاج إليه في موارد الواجب الموسّع بل نحتاج إليه فيما إذا لم يكن الواجب المزاحم واجباً موسّعاً وله أفراد، وهذه نكتة ظريفة ينبغي الالتفات إليها.


[1] - وقلنا إنَّ مضمون العبارة وارد في الشخص الذي عليه دَين فوريّ وقد اتفقا على تسلّم الدين حين أذان الظهر فحينما حلّ وقت صلاة الظهر أراد المدين أن يصلي فهل تقع صلاته صحيحة ؟ يمكن أن يقال بأنّ الدين فوريّ والصلاة موسّعة ومع فوريّة الدين سوف تكون الصلاة مزاحمة بالدين الفوري فلا تكون مشمولة للأمر فتكون باطلة، وهذا على مشرب الشيخ النائيني(قده) أما المحقّق الثاني فهو أراد أن يذهب إلى الصحّة، نعم إذا صلّى فسوف يكون آثماً أمّا إذا قدم الدّين على الصلاة فقد امتثل كلا الأمرين من دون إثمٍ أمّا إذا صلى ثم قضى الدين كانت صلاته صحيحة لكنه يكون آثماً -.