36/08/11


تحمیل
الموضوع:- تأثير الزمان والمكان على عملية الاستنباط -قواعد وفوائد.
المورد الثاني:- أن يدعى أن دلالة الالفاظ على معانيها هي قضية قابلة للتغير بتغير الزمان، فاللفظ أو الجملة قد يدلان على معنىً معين في زمان ولكن بعد مرور زمان تتغير تلك الدلالة وذلك المعنى وهذا مطلبٌ قد ثبت في علم اللغة . فإذا تمت هذه المقدّمة المفروضة في علم اللغة نأتي إلى مقامنا ونقول إنّ الأحكام الشرعية هي تستفاد من الدلالات اللفظية - أي من الكتاب الكريم أو من السنة الشريفة - وعلى هذا الأساس ما يفهم من هذه الالفاظ قابل لأن يتغير بتغير الزمان، وبالتالي ما فهمه الأوائل من هذه الروايات والنصوص لا يمكن أن نقول هو يمثّل حقيقةً مطلقةً وإنما هو مقبولٌ في تلك الدائرة الزمنيّة وأمّا في زماننا فقد نفهم من هذه الألفاظ شيئاً آخر تبعاً لتغير الزمان وهذا معناه أنّه لا يمكن أن نقدّم حكماً شرعياً ونقول هو ثابتٌ بنحو الحقيقة المطلقة بل هذا الحكم هو فهمٌ لي في هذه الحقبة الزمنيّة وبعد فترة من الزمن يمكن أن تفهم أنت حكماً آخر قد يناقض الحكم الأوّل - أو بالأحرى لا يشابهه مشابهة تامّة - ويكون فهماً لك، فغاية ما نمتلكه إذن هو فهمٌ عن الأحكام الشرعية وإلا فالحكم الشرعي فهو ليست له حقيقة ثابتة بنحو الاطلاق وإنما هناك أفهامٌ تختلف باختلاف الأزمان عن ذلك الحكم الشرعي، فلا يمكن أن نقول بثبوت أحكامٌ شرعيّة مستمرّة وذات حقيقة مطلقة، وبالتالي يمكن أن نسحب هذا المطلب على نفس الإسلام وليس أحكامه فقط فنقول الإسلام أصلاً لا يمكن أن نقدّم له حقيقةً مطلقةً ونقول هذه هي حقيقة الإسلام وإنما الذي عندك هو فهمٌ لهذه الفترة الزمنيّة للإسلام ولعله في الزمن السالف كانوا يفهمون عنه شيئاً آخر ولعلّه في زمنٍ آتٍ يُفهم شيء ثالثٌ، فالإسلام إذن ليست له حقيقة مطلقة أيضاً وإنما هناك اجتهادات في بيان حقيقة الإسلام، فأقصى ما عندي وعندك هو اجتهادٌ لا أنّه هو الحقيقة الثابتة بحيث من خرج عن هذا الخط فنقول هو ليس بمسلمٍ، وبالتالي لا ينبغي أن يكفّر بعضنا بعضاً فإنّ هذا لا معنى له فإنّ التكفير فرع أن تثبت حقيقة مطلقة للإسلام والمفروض أنّ الحقيقة المطلقة ليست ثابتة لا عن الإسلام ولا عن أحكامه بل هناك تعدّد فَهمٍ أو قراءاتٍ أو اجتهاداتٍ أو رؤىً أمّا أنّ نفس الإسلام هو هذا أو أنّ نفس أحكامه هي هذه فهذا لا يمكن قوله . هذا ما كتبته بعض الأقلام الحديثة.
ونتيجة هذا أنّ الزمان سوف يكون له التأثير التام بنحوٍ يغيّر من فهمنا للإسلام لا لأحكامه فقط - وما ذكرته بعنوان المورد الثاني ولا أدري هل المناسب عدّه كموردٍ ثانٍ أو يبيّن بعنوانٍ آخر -.
وماذا نقول عن هذا الفكر الحديث ؟
والجواب-
أوّلاً:- إنّ هذا يعتمد على قضيّة أخذها مفروغةً عن علم اللغة وهي أنّ دلالات الألفاظ قابلة للتغير بتغير الزمان - وهذه قضية ثبتت في علم اللغة - ولولا هذه القضيّة لم يأت هذا الكلام، ونحن نؤمن ذلك أيضاً، ولكن نقول إنّ مجرد احتمال التغير لا يكفي للحكم بالتغيّر، بل مادمنا نحتمل التغيّر من دون وجود مؤشراتٍ وقرائن على صول التغيّر فمن اللازم البناء على عدم حصوله، فهناك أصلٌ عقلائيّ انعقدت عليه سيرة العقلاء وهو أنّ اللفظ أو الجملة إذا كانت دالة على هذا المعنى فيبنى عليه إلى أن يثبت الخلاف أما بمجرد احتمال التغيّر فلا يكفي لرفع اليد عن دلالتها السابقة، وهذا أصلٌ ثابت بين العقلاء ولولا ذلك للزم أن لا نستفيد من الكتب القديمة لأنّه يوجد احتمال أنّ دلالة الألفاظ قد تغيّرت، فإذا كان هذا يكفي للبناء على أن هذا الذي عندنا هو فهمٌ وليس نفس المطلب الذي يفهم في تلك الفترة الزمنيّة والذي أراده صاحب ذلك الكتاب فسوف يكون شرائنا للكتاب وقراءته باطل ولا معنى له والحال أنّ السيرة جارية على ذلك والأصل العقلائي على ذلك - أي البناء على بقاء الدلالة إلى أن يثبت التغير - فمادام لم يثبت التغير فاحتمال التغيّر وحده لا يكفي، فنحن يوجد عندنا أصل بهذا الشكل وهو أصلٌ يقبله حتى من يتكلّم بهذا الكلام وإلا يلزم أن لا ينتفع إلا بالكتب التي ألفت في زمانه أمّا لمؤلفة قبل زمانه فلا يستفيد منها، وهل يفعل هو ذلك ؟! إنه لا يوجد أحدٌ يفعل ذلك.
وواضح أنّه على مبانيا لا توجد مشكلة إذ نقول إنَّ هذه سيرةٌ موجودةٌ وحيث إنّ الشرع قد أمضاها فتكون حجّة.
فلا أقل نقول لمن يقول بهذه المقالة:- إنّ هذه قضيّة عقلائيّة ولا يمكن أن يتخلّى عنها العاقل - يعني أنَّ كلّ دلالة سابقة نبني على بقائها - . إذن الأصل الذي استند إليه والذي هو أساس هذا الفكر باطل لما أشرنا إليه.
ثانياً:- ليست الأحكام الشرعية هي ناشئة دائماً من الألفاظ فإنّ الكثير منها ثابت عندنا لا من الألفاظ، فالصلاة واجبة والصوم واجب والغيبة حرام ... وهكذا فهل هذه نشأت من الألفاظ بل بقطع النظر عن الألفاظ هي شيء مسلّم قد توارثناه بنحو القطع، فهذه من ضروريات الإسلام تلقيناها يبداً بيدٍ ولم نستخرجها من ألفاظ المعصوم عليه السلام حتى نقول هذا فهمٌ من تلك الألفاظ ولعلّ الغير يفهم شيئاً آخر بل حصلنا عليها يداً بيد وهو ما نعبّر عنه بالتلقّي من خلال الارتكاز المتوارث كما تمسكنا بذلك في مسألة القربية في اعتبار القربة في الصلاة والصوم والحج والغسل .... الخ . إذن لا يمكن أن يقال إنه ليست هناك حقيقة مطلقة عن الأحكام الشرعية وعن الإسلام، كلّا بل إنّ تمّ ما ذكرته فإنما هو يتم فيما إذا استفيد ذلك من الألفاظ أمّا الذي لم يستفد من الألفاظ فيمكن تقديمه كحقيقةٍ مطلقة.
ثالثاً:- إنّ دلالة الألفاظ على نحوين دلالة صريحة أو ظاهرة بظهور جليّ وأخرى بدلالة غير صريحة وبظهورٍ ليس بذلك الواضح فإنّ الظهور له درجات بعض درجاته جليّة جداً وبعضها ليست كذلك وما ذكر إن تمّ فهو يتمّ فيما كان الظهور فيه ليس جلّياً، إمّا إذا فرض أنّ الدلالة كانت صريحة فعادةً ما كانت دلالته صريحة لا يحصل فيه التغيّر بتغيّر الزمان كما إذا قيل ( يحرم فعل الشيء الفلاني ) فكلمة ( يحرم ) لا تقبل التغيّر بتغير الزمان فهي إمّا صريحة أو ظاهرة بظهور جليٍّ في الحكم الإلزامي وهذا من البعيد التغيّر فيه بتغيّر الزمان، وإنما الذي يقبل التغيّر بتغيّر الزمان هي تلك المعاني التي لم تكن من قبيل الصريح أو من قبيل الظاهر بالظهور الجلي أمّا ما كان من قبيل ما أشرنا إليه فلا، وحيث إنّه في الأحكام الشرعية توجد شريحة قويّة من هذا القبيل - يعني تستند إلى الصراحة وإلى الظهور الجلي- فما ذكر إذن لا يتم في مطلق الأحكام الشرعيّة ولئن تم فهو يتم في بعضها.
رابعاً:- لو سلّمنا كلّ ما يقول فغاية ما يثبت هو إمكان الاختلاف في الازمنة المختلفة، يعني هؤلاء الذين هم موجودون قبل مائة سنة إذا ذكروا حكماً فيمكن أن نقول إنَّ هؤلاء فهموا حسب اجتهادهم وقراءتهم ونحن الآن نفهم حسب قراءتنا واجتهادنا، أمّا في العصر الواحد وليس في العصور المختلفة أن يحصل اختلافٌ بيننا ونقول هذا الاختلاف هو وليد اختلاف الزمن فهذا لا معنى له فإنّ اختلاف الزمن لا يؤثر على الفهم في الزمن الواحد، فمثلاً في عصرنا الآية الكريمة تقول:- ( للرجل مثل حظّ الانثيين ) فهذا فهم منه الآن أنّ الرجل يأخذ ضعف حصّة الأنثى ومن حقّنا أن نفترض أنّ شخصاً أو أشخاصاً قبل مائة سنة يقولون نحن نفهم منه التساوي مثلاً فنقول هذا مقبولٌ وهو نتيجة اختلاف الزمان، أما في زماننا الواحد نحن نفهم منه أنّ الرجل يأخذ الضعف وأصحاب الأقلام الحديثة يفهمون من ذلك المساوات مثلاً فهذا شيءٌ بعيد . فهذا الاختلاف يمكن تبريره - يعني اختلاف الاجتهاد والرؤى والقراءة - ويكون وجيهاً فيما إذا فرضنا وجود جماعة تعيش في هذا العصر وجماعة تعيش في ذلك العصر واختلف فهمهم أمّا أن تعيش كلتا الجماعتين في عصرٍ واحدٍ وهذه تقول فهمت المساوات وتلك تقول فهمت كذا فهذا لا معنى له، إنّ هذا الاختلاف لا يمكن أن يبرّر باختلاف الزمان لفرض أنّ الزامان هنا واحدٌ وليس متعدداً.
هذا مضافا إلى أنهم يقولون مثلاً هكذا:- إنّ ( للرجل مثل حظ الانثيين ) يعني في الزمن السالف حيث لم تكن المرأة يداً عاملة وإنما كان الرجل هو اليد العاملة فمن المناسب أن تكون حصّة الرجل ضعف حصّة الأنثى، أو هو ينفق والمرأة لا تنفق فمن المناسب أن تكون حصة الرجل ضعف حصّة الأنثى أمّا في زماننا فهي تنفق كما ينفق الرجل وهي يدٌ عاملة كيد الرجل.
وهكذا بالنسبة إلى الدية فــ( دية المرأة نصف دية الرجل ) [1]- كما في الرواية - فيقال هذا ناظر إلى ذلك الزمن وليس إلى هذا الزمن.
فهذا الذي يقولونه في الحقيقة هو ليس اختلافاً في دلالة اللفظ باختلاف الزمان فاللفظ دلالته لم تختلف، يعني هم لم يفهموا شيئاً خلاف ما نحن نفهمه بل كلّنا نفهم شيئاً واحداً ولكن هم يريدون أن يحملوا ذلك على تلك الترة الزمنيّة حيث كانت المرأة لم تنفق ولم تكن يداً عاملة وهذا لم ينشأ من اختلاف دلالة اللفظ باختلاف الزمن إنما يتصوّر هذا المعنى فيما لو فرض أنهم فسّروا جملة ﴿ للذكر مثل حظ الانثيين ﴾[2]بالمساوات فنقول نعم هذا اختلافٌ في الفهم باختلاف الزمن، أمّا أن نقول إنّ الفهم واحدٌ وهو أنّه للرجل ضعف حصّة الأنثى ولكن هذا خاصٌّ بذلك الزمن مثلاً فهذا لم ينشأ من اختلاف دلالة الألفاظ والجمل باختلاف الزمان . إذن هذا حملٌ لهذه الدلالة على فترةٍ زمنيّة معيّنة ولا ربط له باختلاف الدلالة اللفظيّة باختلاف الزمان.
هذه مناقشاتٌ أربع للحالة الثالثة.