35/05/24


تحمیل
الموضوع:- التنبيه التاســع تعــارض الاستصحــاب مــع غيــره ( تعارض الاستصحابين في باب العلم الاجمالي ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
والأنسب أن يقال في وجه تقديم الأصل السببي على المسبّبي:- هو أن ذلك لأجل العرف والعقلاء، بمعنى أن العقلاء إذا واجهوا أصلين أحدهما ينقّح الموضوع وناظر له والثاني ينقّح الحكم دون الموضوع فحينما يجتمعان يقدّم العرف والعقلاء الأصل الذي ينقّح الموضوع على الأصل الذي ينقّح الحكم، وهذه النظرة العرفية بمثابة القرينة المتصلة، فمثلاً إذا فرض أن الشخص كان شاكاً في طهارة ثوبة أو في بقاء وضوئه فهو يستصحب طهارة الثوب أو بقاء الوضوء ولا يستصحب بقاء شغل الذمة، إنّه لا يصنع ذلك وهذا نابع من هذه الرؤية العرفيّة والعقلائية، ولئن أبرزنا نحن الاستصحاب المعارِض - أي الاستصحاب الحكمي أي بقاء شغل الذمّة - فهذه قضيّة وأمرٌ صناعي، وأحياناً قد ينسى الأصولي عرفيّاته ويأخذ بالصناعة، فصناعةً يجعل هذا معارضاً لذاك، وأمّا عرفاً وعلى المستوى العقلائي فلا معارضة بل المقدّم هو الأصل الذي ينقّح الموضوع، ولذلك نجد أن زرارة لم يشكل على الإمام عليه السلام حينما أجرى له استصحاب بقاء الطهارة في الصحيحة الأولى ويقول له بأنه معارض باستصحاب بقاء شغل الذمة، ولعله لهذا السبب أيضاً نرى أن الأصوليين اتفقت كلمتهم أو اشتهر بينهم أن الأصل السببي مقدّم على المسبّبي، إنّ هذا الاتفاق كيف حصل عندهم ؟ فهل حصل عفواً ؟ كلّا إنه حصل عندهم بسبب اقتضاء ذوقهم ونظرتهم العرفيّة والعقلائية لذلك . إذن بعدما كان العرف أو العقلاء يقدّمون هذا على ذاك في مقام تطبيق دليل الاستصحاب يكفينا ذلك لتقديم الأصل السببي على المسببّي بلا حاجة إلى نكتة أخرى، فنفس كون الأصل منقّحاً للموضوع هو بنفسه نكتة عرفيّة تقتضي التقديم بلا حاجة إلى بحثٍ عن نكتة أخرى، فكما أن نظر أحد الدليلين إلى الآخر في باب الأدلة الاجتهادية هو موجب للتقديم عرفاً كذلك نفس كون الأصل منقّحاً للموضوع في مقابل الآخر الذي ينقّح الحكم يصير نكتة عرفيّة لتقديمه على صاحبه بلا حاجة إلى تبريرٍ وإلى قضيّة أخرى، وهذا كلامٌ عرفيٌّ وعقلائيٌّ وصناعيّ بلا حاجة إلى بذل الجهد لتحصيل وجوهٍ في هذا المجال.
وبهذا ننهي كلامنا عن الأصل السببي والمسبّبي.
تعارض الاستصحابين في باب العلم الاجمالي:-
ذكرنا سابقاً أن تعارض الاستصحابين تارةً يكون في باب الأصل السببي والمسبّبي وهذا ما تقدّم الحديث عنه، وأخرى في باب العلم الاجمالي من دون أن يكون أحدهما سببياً والآخر مسبّبياً، وهذا له حالتان:- فتارةً تكون الأصول الجارية والمتعارضة أصولاً معذّرة، وأخرى تكون أصولاً منجّزة، فمثلاً إذا كان عندنا إناءان وكانت حالتهما السابقة هي الطهارة ثم علمنا بطروّ النجاسة على أحدهما، فهنا لو أردنا أن نستصحب فالمستصحب هو الطهارة السابقة فنستصحب الطهارة السابقة في هذا كما نستصحب الطهارة السابقة في ذاك، ويصطلح على استصحاب الطهارة بالأصل المرخّص أو المعذّر، وإنما سمّي بذلك لأن استصحاب الطهارة يرخّص لنا الارتكاب فهو يقول اشربوا هذا الاناء وإذا شربناه وكان نجساً واقعاً فهو يكون عذراً لنا ومعذّراً، أمّا إذا كانت الحالة السابقة هي النجاسة لكلّ منهما ثم علمنا أن أحدهما قد طهر فالاستصحاب الجاري هو استصحاب النجاسة ويعبّر عنه بالأصل المنجّز لأنه ينجّز تكليفاً - أي ينجّز وجوب الاجتناب - بحيث لو ارتكب وكان نجساً واقعاً فلا يكون المكلف معذوراً . وكلامنا تارة يقع فيما إذا كان الأصل الجاري مرخصّاً وأخرى في الأصل المنجّز.
الكلام في الحالة الأولى:- أمّا إذا كان الأصل الجاري مرخّصاً فالمعروف بين الأصوليين عدم جريانه في كليهما، بل قالوا يستحيل ذلك، ولماذا ؟ إنه قد تقدّم الحديث عن ذلك في باب العلم الاجمالي من مبحث القطع فتعرّضنا إلى ذلك مفصّلاً، لكن نقول باختصار:- نقلنا هناك خمسة وجوهٍ للمنع وكان الأهم منها هو ما أشار إليه الشيخ النائيني(قده)[1] وحاصله إن جريان الأصل في كليهما يستدعي الترخيص في المخالفة القطعيّة وهو قبيحٌ لأنه ترخيصٌ في المخالفة القطعيّة فلا يجوز . ولعلّ ذلك يستفاد من كلمات الشيخ الاعظم(قده) في الرسائل حيث قال ما نصّه:- ( لأن العلم بالتحريم يقتضي وجوب الامتثال بالاجتناب عن ذلك الحرم فإذن الشارع في فعله ينفي حكم العقل بوجوب الاطاعة )[2]. إذن العلمان قالا بأنه لا يجوز جريان الأصل الترخيصي في كليهما لأنه يستلزم الإذن في ارتكاب المعصية القطعيّة وهذا قبيح عقلاً ولا يمكن، فالمحذور على هذا الأساس محذورٌ ثبوتيّ وليس إثباتياً، يعني ليس المقصود أن هناك قصورٌ في اطلاق دليل الأصل لشمول الطرفين، وإنما المحذور هو واقعيّ وثبوتيّ فلا يمكن واقعاً وعقلاً الترخيص في كليهما ؛ إذ كيف يرخّصني في الحرام والمعصية ؟!! فلو فرض أن هذا الشيء خمرٌ فهل يمكن أن يرخصني الشارع فيه ؟ إنه لا يمكن أبداً لأنه ترخيصٌ في المعصية القطعيّة وهو لا يجوز عقلاً.
وفيه:- إن في المقصود احتمالين:-
الاحتمال الأوّل:- إن ارتكاب الحرام والمعصية قبيحٌ ولا يجوز عقلاً دون الإذن الشرعي، فنغض النظر عن الإذن الشرعي بل نقول إن نفس ارتكاب المكلف للحرام القطعي وللنجس القطعي هو قبيحٌ، فالقبح يصير منتسباً إلى فعل المكلّف وأن ارتكابه قبيح وليس منتسباً إلى الإذن الشرعي.
الاحتمال الثاني:- أن يكون مقصودهما هو أن الإذن في ارتابهما معاً استناداً إلى الأصل هو قبيحٌ، فالقبح منتسبٌ إلى إذن الشارع وليس إلى فعل المكلّف.
فإن كان مقصودهما هو الأوّل فجوابه:- إن ارتكاب الحرام قبيحٌ عقلاً كما قيل ولكن هذا القبح وهذا الحكم العقلي هو حكمٌ معلّق وليس حكماً منجّزاً، فالعقل يحكم بالقبح فيما إذا لم يأذن الشارع بالارتكاب، أمّا إذا أذِنَ بالارتكاب إذناً مقبولاً في النظرة العرفيّة فحينئذٍ لا يصدق عنوان المعصية ؛ إذ يكون سالبة بانتفاء الموضوع لأن صاحب الحقّ هو قد تنازل عن حقّه فلا يصدق عنوان المعصية آنذاك ويكون ارتكابهما ليس معصية فإن الموضوع قد تبدّل.
إن قلت:- إذا فرض أن أمامي خمراً وكان معلوماً أوليس يكون ارتكابه قبيحاً ؟! وهل يمكن للشارع أن يأذن بارتكابه ؟ إنه لا يمكن ذلك، فكيف تقول يمكن للشارع أن يأذن ويرتفع بذلك القبح ؟!!
قلت:- هنا قد فرض أن العلم بالخمرية هو بنحو العلم التفصيلي دون الاجمالي، يعني لا يوجد ترديدٌ بين طرفين أحدهما خمر والآخر ليس خمراً، كلّا بل يوجد طرفٌ واحدٌ وهو خمرٌ جزماً، فهنا لا يمكن للشارع أن يحكم ويأذن بارتكابه لأن الإذن الآن بعد العلم التفصيلي غير ممكن، فلا إذنٌ ظاهريٌّ إذ هو فرع الشك ولا شك هنا، ولا واقعيٌّ لأنه يلزم التناقض فإن هذا أعلم بأنه خمر وأنت تأذن لي واقعاً في ارتكابه وفي نفس الوقت أنت تمنع عنه فهذا غير ممكن.
إذن هذا في باب العلم التفصيلي صحيحٌ، وأمّا في باب العلم الاجمالي فلا مانع من أن يأذن الشارع في ارتكاب الطرفين من باب أن ملاك المباح مثلاً عنده أقوى من ملاك الحرمة، إنّ هذا شيءٌ متصوّرٌ وممكنٌ عقلاً، فمادام ممكناً عقلاً فيمكن أن يأذن الشارع في الارتكاب في الطرفين، فاذا أذِنَ فلا يصدق المعصية على ارتكابهما ولا يكون المورد من ارتكاب المعصية.
وأمّا إذا كان المقصود هو الاحتمال الثاني وجوابه قد اتضح:- فإن الحرام بعدما فرض أنه ليس معلوماً بالتفصيل ويوجد مباحٌ إلى جنب الحرام فلعلّ ملاك المباح أهمّ من ملاك الحرام فمن الوجيه حينئذٍ للمولى من باب التحفّظ على ملاك المباح أن يأذن في كليهما لا في أحدهما فقط إذ لو أذِنَ في أحدهما فلعلّ المباح حينئذٍ سوف لا يُرتَكَب إذ قد يكون المتروك هو المباح، ففي مثل هذه الحالة يأذن في كليهما حتى يستوفي المكلّف ملاك المباح ويتحقّق ملاك المباح
إذن الإذن من قبل الشارع مقبولٌ ومعقولٌ لا أنه ليس معقولاً . نعم نخصّص ذلك في موارد العلم الاجمالي.
وإذا قلت:- إنه من البعيد أن يكون المباح أهم من ملاك الحرام.
قلت:- هذا صحيحٌ فأنا أسلم ذلك، إلّا أن الاستبعاد لا يولّد عدم الامكان والاستحالة، ونحن كلامنا الآن مع الشيخ الأعظم والشيخ النائيني في أنه هل يستحيل ثبوتاً أو لا ؟ وهما يقولان بالاستحالة ثبوتاً والاستحالة الثبوتية لا يكفي في إثباتها مجرّد الاستبعاد، نعم إذا كان يستحيل أن يكون ملاك المباح أهمّ من ملاك الحرام يتمّ ما أفاداه، أمّا بعدما فرض أنه لا يستحيل وإنما هو مجرد استبعاد فعلى هذا الأساس استحالة الإذن في كليهما لا تكون ثابتة.


[1] فوائد الاصول، النائيني، ج4، ص17.
[2] تراث الشيخ الانصاري، تسلسل25ن ص203.