34/04/27


تحمیل
 الموضوع / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 الإشكال الثاني:- ما أفاده الشيخ الأصفهاني(قده) في حاشيته على الكفاية [1] فإنه ذكر عدَّة اشكالات أهمها هذا الإشكال وحاصله:- ما المراد من الإبقاء ؟ فهل المقصود هو الحكم بالبقاء أو أن المقصود هو الإبقاء عملاً بقطع النظر عن الحكم ؟ فإن قصد الأول فهذا لا يتم بناءً على كون المستند لحجيّة الاستصحاب هو بناء العقلاء فإن العقلاء ليس لهم حكمٌ وإنما لهم عملٌ وسيرةٌ فهم يعملون على طبق الحالة السابقة لا أنهم يحكمون بأن الحالة السابقة باقية ، أجل هذا وجيه لو كان المستند هو الأخبار أو العقل فإن الشارع يمكن من خلال الأخبار أن يحكم ببقاء الحالة السابقة وهكذا العقل يمكن أن يحكم بذلك بمعنى أنه يدرك بقاء الحالة السابقة على مستوى الظن فإنه على هذين المستندين يمكن أن نقول هناك حكم بالبقاء إما شرعي - بناءً على كون المستند هو الأخبار - أو عقلي - بناءً على كون المستند هو العقل - ، وأما بناءً على كون المستند هو بناء العقلاء فالعقلاء لهم عملٌ على طبق الحالة السابقة لا أنه يصدر منهم حكم بالبقاء.
 وإذا كان المقصود هو الثاني - أعني الإبقاء عملاً - فهذا لا يلتئم لو كان المستند هو حكم العقل فإن العقل ليس له عملٌ على طبق الحالة السابقة بل له حكم ببقائها ظناً ، أجل بناءً على كون المستند هو الأخبار أو بناء العقلاء يتم ذلك فإن الشرع يمكن أن يحكم بلزوم العمل على طبق الحالة السابقة وهكذا العقلاء يعملون على طبق الحالة السابقة . هذا توضيح ما أفاده (قده).
 وروح ما أفاده(قده) هو أن التعريف لابد وأن يكون تاماً على جميع المباني والمستندات لا أن يكون تاماً على بعض المستندات والمباني دون البعض الآخر.
 ويرد عليه:- إن بالإمكان اختيار كلا الشقين ، فبالإمكان أن نفسّر الإبقاء بالحكم بالبقاء ودعوى أن العقلاء لو كان بناؤهم هو المستند وليس لهم حكمٌ بل لهم عملٌ لا أكثر فيمكن أن يدفع بأن العقلاء لو قُدِّر لهم أن يكونوا يوماً من الأيام من الموالي - يعني يصير العاقل مولىً مُصدِراً للأحكام ولو بالنسبة إلى الأب بالنسبة إلى أولاده - فالعاقل لو قُدّر له أن يصير حاكماً ومولىً لحكم على أتباعه بأنه إذا كانت عندكم حالة سابقة متيقنة ثم شككتم في بقائها فأنا أحكم ببقائها . إذن هذا حكمٌ بالبقاء صدر من العاقل بما هو عاقل حينما يمارس عمليَّة المولوية وإصدار الأحكام وهو شيء وجيه . إذن بناء العقلاء لا ينحصر بالعمل وكأن الشيخ الأصفهاني(قده) يفترض أن العاقل لا يصير في يومٍ من الأيام حاكماً ومولىً كلا بل يمكن أن يصير حاكماً فإذا صار فيمكن أن يصدر منه حكماً.
 على أنه يمكن أن نضيف ونقول:- إنا سلّمنا أن العقلاء ليس لهم حكمٌ بل لهم عمل فقط ولكن نقول إن عملهم لا يكون حجّة إلّا بعد الإمضاء الشرعي فإن عمل العقلاء ليست له حجيّة بما هو عمل عقلاء بل لابد من الإمضاء الشرعي والدليل كل الدليل هو الإمضاء الشرعي والإمضاء الشرعي لا يكون بالعمل وإنما يكون بالحكم بلزوم العمل على طبق الحالة السابقة فرجع إذن الاستصحاب إلى الحكم بلزوم العمل على طبق الحالة السابقة غايته لا من بناء العقلاء ابتداءً بل من الإمضاء الشرعي الذي هو المهم ، وهذا شيء ظريف ينبغي الالتفات إليه . إذن بالإمكان أن نختار الشق الأول ونجيب بما ذكرنا.
 وبالإمكان اختيار الشقّ الثاني - أعني أن المقصود من الإبقاء هو الإبقاء عملاً - ودعوى أن هذا لا يتم بناءً على كون المستند هو حكم العقل فإن العقل ليس له عمل وإنما له حكم فجوابه:- إن العقل يحكم بلزوم العمل على طبق الحالة السابقة - يعني يحكم بلزوم التعامل عملاً معاملة بقاء الحالة السابقة - فبالتالي إذن يصحّ أن نفسّر الإبقاء بالإبقاء العملي بهذا المعنى - أي بمعنى أن العقل يحكم بلزوم التعامل عملاً وأن الحالة السابقة باقية - وعلى هذا الأساس لا إشكال في هذا التعريف على جميع المباني في حجيّة الاستصحاب . نعم ينبغي أن نعترف بأن ذكر كلمة ( الحكم ) في التعريف وأن الاستصحاب عبارة عن الحكم بالبقاء قد يوحي بشكلٍ مقصود أو غير مقصود بأن المراد من الحكم هو الحكم الشرعي وهذا إنما يتم بناءً على كون المستند هو الأخبار كما هو واضح فلابد من حذف كلمة ( الحكم ) حتى لا يحصل هذا الوهم وذلك بأن نقول إن الاستصحاب عبارة عن أخذٍ بالحالة السابقة أو مرجعية الحالة السابقة وهذا الأخذ والمرجعية تارةً يكون بسبب الحكم الشرعي وأخري يكون بسبب تباني العقلاء وثالثة يكون بسبب حكم العقل ، إن هذا المعنى - أي المرجعية والأخذ بالحالة السابقة - قدرٌ مشتركٌ بين جميع المباني ولعله أولى من التعبير بـ( الحكم ) الذي يوحي بإرادة الحكم الشرعي بخصوصه.
 كما ونلفت النظر إلى قضية أخرى:- وهي أن التعريف السابق الذي نقله الشيخ الأعظم في الرسائل أو الشيخ الخراساني في الكفاية أخذ فيه مصطلح البقاء والإبقاء بل لعل المرتكز في أذهاننا نحن الطلبة تقّوّم الاستصحاب بذلك - أي بالشك في البقاء - والحال أنه يمكن أن يقال إن عنصر البقاء ليس عنصراً مقوّماً للاستصحاب وإنما المهم هو وجود يقينٍ وشكٍ وصدق نقض اليقين بالشك لو أخذنا بالشك ولا يعتبر أزيد من ذلك ، وعلى هذا الأساس لو فرض أن شخصاً كان شاكاً في ثبوت الطهارة الآن فهو يشك الآن بأنه متطهر أو لا ولكنه جازم بحصول الطهارة له إما في الزمن السابق - أي قبل ساعة - ولكنه يحتمل أنها انتقضت أو أنه حصلت له الطهارة الآن ، إذن على تقدير حصول الطهارة سابقاً فيحتمل بقاؤها ويحتمل انتقاضها وعلى تقدير حصولها الآن فهو يكون متطهراً الآن إنه في مثل هذه الحالة هو يشك في جود الطهارة الآن وفي نفس الوقت هو يتيقن بحصولها في زمنٍ إما السابق أو الآن وهنا لا يصدق عنوان البقاء والإبقاء فإن عنوان البقاء يصدق لو كانت قد حصلت الطهارة قبلاً - أي قبل ساعة - فيكون لها بقاء أما لو فرض أنها حصلت الآن فالبقاء لا يكون صادقاً . إذن في مثل هذا الموارد يمكن تطبيق فكرة ( لا تنقض اليقين بالشك ) ونحكم على هذا المكلف بأنه متطهر لأنه كان لديه يقين بالطهارة جزماً ولديه الآن شكٌ فيحكم الآن بالطهارة استناداً إلى ( لا تنقض اليقين بالشك ) ولكن ليس عنده شك في البقاء بل له شكّ في الطهارة الآن ولكن ليس له شك في بقائها فإن البقاء صادق على التقدير الأوّل دونه على التقدير الثاني - أي على تقدير حصول الطهارة قبلاً يصدق البقاء وأما على تقدير حصولها الآن فلا يصدق عنوان البقاء - وهذا من النكات الظريفة.
 والمهم الذي أريد أن أقوله:- إن المرتكز في أذهاننا هو أن الاستصحاب يتقوّم بالشك في البقاء وهو إبقاء ما كان وكأن البقاء صار هو المقوِّم وهذا ليس بصحيحٍ بل المقوِّم للاستصحاب هو وجود يقينٍ وشكٍّ أما أن يكون الشك شكّاً في البقاء فهذا ليس بلازمٍ ومن موارد ذلك هذا المثال الذي ذكرته فإن الشك في البقاء فيه ليس بصادقٍ على كلا التقديرين بل على التقدير الأوّل يوجد شك في البقاء بينما على التقدير الثاني لا يوجد شكّ في البقاء فبالتالي إذن عنوان الشك في البقاء هنا لا نحرز ثبوته ولكن رغم ذلك يمكن أن نقول بأن الاستصحاب جارٍ لأن الروايات قالت ( لا تنقض اليقين بالشك ) وأنت عندك يقين بالطهارة وعندك شكّ بها أيضاً فإذن تنطبق الرواية وبالتالي يجري الاستصحاب رغم عدم صدق عنوان الشك في البقاء . نعم هذه حالة - كما قلت - نادرة ولكن في الحالات العامّة هناك شكّ في البقاء ولكن عنوان الشك في البقاء ليس بمقوّم للاستصحاب وإنما المقوّم هو عنوان الشك.


[1] حاشية الشيخ الاصفهاني على الكفاية ج5 ص8 ط جديدة.