34/07/17


تحمیل
 الموضوع:- الأقوال في المسألة/ الاستصحـاب / الأصول العملية.
 هذا ولكنه في مبحث البراءة [1] تعرض إلى أن البراءة هل يمكن اثباتها بالاستصحاب أولا ؟ إنه ذكر في هذا الموضع أنه يمكن إثبات البراءة من خلال الاستصحاب حتى إذا كانت الشبهة موضوعيّة وذلك لأجل أن الشبهة الموضوعية تشتمل على جعل أيضاً كالشبهة الحكميّة فإذا شككنا بأنه هل جُعِل المنع بلحاظ هذه الفترة المشكوكة - أي التي شُكَّ في انقطاع الدم فيها - أو لم يُجعَل ؟ قال:- إنه شكٌّ في جعلٍ زائد فنجري البراءة عنه ويمكن إثبات هذه البراءة إما بأصل البراءة أو بالاستصحاب لأن هذا جعلٌ زائد ومقتضى الاستصحاب هو عدم الجعل الزائد . والمهم الذي ذكره(قده) هو أن الشبهة الموضوعية تشتمل على جعلٍ فنجري البراءة عن هذا الجعل الزائد.
 وقد يقول القارئ:- إن هذا نحوٌ من التعارض بين ما ذكره في باب الاستصحاب - حيث قال إن الشبهات الموضوعية ليس فيها جعول جزئية - وبين ما ذكره في مبحث البراءة - حيث قال إن الشبهات الموضوعية يوجد فيها جعولٌ جزئية فإن الجعل الكلي ينحل إلى جعول جزئية - .
 ولكن يمكن أن نقول:- إن هذا ليس تناقضاً قد صدر عفواً وغفلة كما قد يصدر منا ذلك أحياناً بل إن ما حصل منه ليس من باب التناقض العفوي والاتفاقي بل ذلك من جهة أن فكرة أن الاستصحاب لا يجري في باب الأحكام قد مر(قده) فيها بمراحل ففي مبحث البراءة كان يبني على أنه توجد جعول جزئية في الشبهات الموضوعية باعتبار الانحلال - يعني أن الجعل الكلي ينحلّ إلى جعولٍ جزئيةٍ - ثم بعد ذلك تراجع في باب الاستصحاب وقال لا يوجد ذلك . إذن هذا تراجع في تبنّي الفكرة وليس من باب التناقض العفوي.
 وعلى أي حال هناك قضيتان ينبغي ايضاحهما في هذا المجال:-
 القضية الأولى:- إن الصحيح هو أن الشبهات الموضوعية لا يوجد فيها جعولٌ جزئية بل الجعل ينحصر بالشبهة الكليّة بالموضوع الكليّ.
 القضية الثانية:- حتى لو سلمنا أنه يوجد في الشبهات الموضوعية جعولٌ جزئية ولكن النتيجة العمليّة لا تتغير بذلك ، وهذه قضية لا بأس بالالتفات إليها.
 أما بالنسبة إلى القضية الأولى:- فالوجه في ذلك هو أن الوجدان قاضٍ بذلك فأنت لاحظ نفسك حينما تُصدِر حكماً فهل تصدره في الموضوع الكليّ فقط أو تصدره إضافة إلى ذلك بلحاظ الموارد الجزئية ؟ إن الوجدان قاضٍ بأنه لا يوجد إلا جعلٌ واحدٌ في المورد الكليّ ولا يبقى المولى يلاحق كل موردٍ يحدث في يومٍ جديدٍ ويضع له حكماً ، كلا إنه لا توجد جعولٌ جزئية.
 إن قلت:- نحن حينما ندّعي وجود جعولٍ جزئيةٍ لا نقصد أن المولى يلاحق الموارد الجزئية مورداً بعد موردٍ وإنما مقصودنا هو أنه ينحلّ ذلك الجعل الواحد الكليّ إلى جعولٍ جزئيةٍ بعدد الأفراد فهو انحلال قهريّ لا أن ذلك الانحلال يتحقق من المولى حتى تقول إنه مخالفٌ للوجدان.
 قلت:- إن فكرة الانحلال القهريّ هي فكرة مرفوضة في حدِّ نفسها إذ الجعل الواحد كيف يولّد جعولاً ؟! إنه قضيّة غير معقولة في حدِّ نفسها فالجعل أينما وضعه المولى يبقى ثابتاً في ذلك الموضع لا أنه يتوسع بنفسه كيفما شاء . مضافاً إلى أن لازم هذا الانحلال القهري هو أن الجعل سوف يتوسّع فالأفراد حينما كانت بمقدار مائةٍ يكون الجعل بدرجةٍ وإذا صارت مائة وخمسين سوف يحصل في ذلك الجعل الواحد توسّعٌ وزيادة وهذا لا نشعر به وهو مرفوض بالوجدان فإنه لا يحصل في الجعل الواحد توسّع وزيادة . إذن قضية الانحلال إلى الجعولٍ هي قضيّة مخالفة للوجدان ولا يمكن تعقّلها.
 إن قلت:- ما رأيك في باب الشبهات التحريمية الموضوعية فإننا قرأنا أنه لو شككنا في أن هذا السائل خمرٌ أو لا بنحو الشبهة الموضوعية فإنا سوف نشك في حرمةٍ جديدةٍ فنجري البراءة والأصوليون قد حكموا بالبراءة في الشبهات الموضوعيّة لأجل هذا ، وبناء على رفض فكرة الانحلال إلى جعولٍ جزئيّة يلزم عدم إمكان إجراء البراءة بل يتعيّن حينئذ إجراء الاشتغال حيث نقول إن ذلك الحكم الواحد والجعل الواحد نشكّ هل يحصل امتثاله إذا ارتكبنا هذا المشكوك ؟ وحيث أن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني فيلزم أن نترك المشكوك ، إنه يلزم أن نقول هكذا والحال أنه شيءٌ مرفوضٌ فيتعيّن أن نقول بالانحلال.
 قلت:- نحن نسلّم بالانحلال في الشبهات الموضوعية أيضاً ولكنه انحلال في الفعليّة وليس في الجعل وفرقٌ بين المطلبين ، فتارة نقول إنه يحصل انحلال في الجعل وأخرى نقول إن الجعل يبقى واحداً ولكن فعليّاته تتعدد والذي يدعيّه الأصوليون هو الثاني - يعني نشك في حدوث فعليّة جديدة وليس في حدوث جعلٍ لحرمة جديدة بل حدوث فعلية جديدة لذلك الجعل الواحد - فنجري البراءة عن هذه الفعليّة الجديدة المشكوكة.
 والخلاصة:- إن فكرة انحلال الجعل الواحد الكليّ إلى جعولٍ جزئيّة قضيّة مرفوضة أشد الرفض ، ولكن الذي دعا السيد الخوئي(قده) إلى العدول من قوله في باب البراءة بـ( إن المعارضة تامّة في الشبهة الموضوعية ) الى أنها ليست بتامة في باب الاستصحاب ( حيث قال إنه لا توجد معارضة في الشبهة الموضعية بل يجري استصحاب الحكم الفعلي بلا معارضة بأصالة عدم الجعل الزائد ) ليس هو أن الشبهة الموضوعيّة ليس فيها جعولٌ جزئيّة بل المهم الذي دعاه إلى ذلك هو أن الامام عليه السلام في صحيحة زرارة الأولى الواردة فيمن كان على وضوء وأصابته الخفقة والخفقتان فإنه في تلك الرواية قال زرارة:- ( فإن حُرِّك في جنبه شيء وهو لا يعلم ؟ ) يعني هل يعيد الوضوء أو لا ؟ والإمام عليه السلام أجرى الاستصحاب فقال ( لا ، فإنه على يقين وضوئه ولا ينقض اليقين أبداً بالشك ) إن الشبهة هنا موضوعيّة والإمام عليه السلام أجرى استصحاب بقاء الوضوء ولم يُعارِضْه بأصالة عدم الجعل الزائد - أي عدم جعل الطهارة والوضوء في فترة الشك يعني فترة ما إذا حُرِّك في جنبه شيء وهو لم يعلم - . إن هذه الصحيحة هي دليلٌ على أن الاستصحاب يجري في الشبهات الموضوعيّة دون معارضةٍ بأصالة عدم الجعل الزائد . والذي دعا السيد الخوئي إلى أن يتراجع هو هذه الصحيحة.
 وأما فكرة الجعول الجزئية:- فهي وإن كانت باطلة ولكن مع تسليم بطلانها يمكن أن نقول إن المعارضة تبقى كما هي وذلك بأن يقال في مثال المرأة التي شكت في انقطاع الدم فإنه يجري في حقها استصحاب بقاء الحكم الفعلي - أعني المنع الذي كان ثابتاً سابقاً في حقها - والمعارضة بَعدُ تامّة رغم أنه لا توجد جعولٌ جزئيّة في الشبهة الموضوعيّة وذلك ببيان أن لمعارض هو أصالة عدم الجعل الزائد بلحاظ الموضوع الكليّ - يعني المرأة الكليّة - فنلاحظ المرأة الكليّة ولا نلاحظ هذه المرأة ونقول المرأة الكليّة هل جعل الشارع لها حرمة دخول المسجد في فترة الشك في انقطاع الدم ؟ إنه شكٌّ في جعلٍ زائدٍ بلحاظ الموضوع الكليّ والأصل عدمه - أي نستصحب عدم الجعل الزائد - ويكون هذا معارضاً لاستصحاب بقاء الحكم الفعلي في حق هذه المرأة المعيّنة . نعم المتعارضان مختلفان فإن أحدهما جزئي وهو استصحاب بقاء الحرمة الفعلية فإن هذا استصحاب للحكم الجزئي بينما ذلك المعارض هو استصحاب كليّ وفي حق المرأة الكليّة وكلاهما لا يمكن أن يصدقا ولا يشترط في باب المعارضة أن يكون كلا الأصلين من صنفٍ واحدٍ [2] ، أي لا يلزم أن يكونا جزئيين معاً أو كلّيين معاً بل حتى لو كان أحدهما جزئياً والآخر كليّاً فإنه مادام يوجد بينهما تنافٍ فدليل الاستصحاب لا يمكن أن يشملهما بعد فرض تنافيهما.
 والخلاصة من كل هذا:- إن الذي دعا السيد الخوئي(قده) إلى التراجع وقوله بجريان استصحاب الحكم الفعلي في الشبهة الموضوعية دون معارضة هو صحيحة زرارة الأولى ، وقلنا بأن فكرة انحلال الجعل الكليّ إلى جعولٍ جزئيّة وإن كانت فكرة باطلة ومرفوضة ولكنّها لا تغيّر من الموقف شيئاً بعدما كانت المعارضة يمكن أن يصار إليها من خلال ضمّ استصحاب عدم الجعل الزائد الكليّ فالمعارضة تبقى كما هي ، ولكن رغم هذا قال بجريان استصحاب الحكم الفعلي في الشبهة الموضوعيّة دون معارضٍ لأجل أن الامام عليه السلام أجراه في صحيحة زرارة الأولى.


[1] مصباح الأصول، الخوئي، ج2، ص291.
[2] وهذا هو الشيء المهم الذي أريد أن أقوله وهو أنه لا يشترط في باب المعارضة أن يكون كلا الأصلين من صنفٍ واحد.