34/08/08


تحمیل
 الموضوع:- تنبيهات ( التنبيه الأول:- الاستصحاب الاستقبالي والقهقرى ) / الاستصحـاب / الأصول العملية.
  هل استصحاب القهقرى حجة أو لا ؟
 والجواب:- قد يتمسك لإثبات حجيته بإطلاق ( لا تنقض اليقين بالشك ) فإنه يشمل كل يقينٍ وشكٍّ بما في ذلك المقام.
 وفي المقابل قد يدّعى الانصراف وأن اطلاق الحديث منصرف إلى حالة تقدّم اليقين على الشك حيث قال الحديث:- ( لا تنقض اليقين بالشك ) فاليقين متقدّم والشك متأخّر بينما في مورد استصحاب القهقرى ليس الشك متأخراً وإنما هو متقدم ، وعليه فيحصل الانصراف واطلاق الروايات لا يشمل مثل ذلك.
 ويمكن ردّ هذه المناقشة وبالتالي قبول الإطلاق بناءً على مسلك السيد الخوئي(قده) الذي يختار أن دائرة الإطلاق وسيعة فإنه يمكن على مبناه التمسك بالإطلاق فيقال:- إن مقصود الحديث هو أنه كلما اجتمع يقين وشك فلا تنقض اليقين بالشك أما أن اليقين متقدّم والشك متأخّر أو بالعكس فيوجد إطلاق من هذه الناحية فالمتكلم إذا فرض أنه أراد أن يبيّن السعة - يعني يبين أنه لا يجوز نقض اليقين بالشك حتى في موارد استصحاب القهقرى - ألا يحق له أن يأتي بهذه العبارة ؟! إنها عبارة صالحة لشمول كلتا الحالتين ومجرد سبق كلمة اليقين على كلمة الشك لا يدلّ على أنه يلزم ذلك في مقام التطبيق أيضاً - يعني لا يطبّق الحديث إلا إذا كان الشك متأخراً لا متقدماً - كلا بل العبارة صالحة لشمول الاثنين وبالتالي تريد أن تقول أيها المكلف إنه كلّما كان لديك يقين وشك فأنت خذ باليقين ولا ترفع اليد عنه بالشك أما أن هذا متقدّم وذاك متأخر فهذا مطلبٌ ليس بمهم.
 إذن الذي أريد أن أقوله هو أنه بناءً على ما يراه السيد الخوئي(قده) باب الإطلاق من سعة دائرة الإطلاق - وهكذا غيره - يصح أن نتمسك بالإطلاق . نعم على مبنانا في باب الإطلاق يشكل التمسك بالإطلاق فإن المتكلم لو ظهر وقال إني أقصد بكلامي هذا الحالة المتعارفة وهي ما إذا كان اليقين متقدّماً والشك متأخراً لم يُستهجن منه ذلك ولا يُعترض عليه ويقال إذن لماذا لم تقيّد ؟ كلا لا يُعترض عليه لأن الحالة المتعارفة هي هذه فمن حقّه أن يأتي بالكلام ناظراً إلى الحالة المتعارفة.
 والخلاصة:- إنه بناءً على مبنانا نسلّم أنه يشكل التمسك بالإطلاق وأما بناءً على إنكار هذا المسلك والأخذ بمسلك السيد الخوئي(قده) فالمناسب التمسك بالإطلاق ولا وجه لدعوى الانصراف.
 نعم يمكن أن يشكل:- بأن استصحاب القهقرى يوجد إلى جانبه دائماً استصحاب معارض ففي مثال الشخص الذي يشك في أن احتلامه صار بعد الفجر أو قبله يوجد استصحاب معارض وهو أنه قبل الفجر بفترة ساعتين أو ثلاث ساعات مثلاً لم يكن جنباً ومحتلماً جزماً فيستصحب حينئذ عدم الجنابة وعدم الاحتلام من بداية الغروب مثلاً إلى حين الفجر ، إن هذا استصحاب معارض لذلك الاستصحاب ولا أقصد بهذا الاستصحاب أن أثبت أن الاحتلام إذن وقع بعد الفجر حتى تقول إنه أصل مثبت كلا بل أقصد فقط وفقط أن الاحتلام لم يكن إلى حين الفجر أما بعد الفجر فأنا ساكت عنه وبذلك يصير معارِضاً لاستصحاب القهقرى باعتبار أن استصحاب القهقرى يسحب الاحتلام من الآن - أي اليقين الآن وهو أني عندما استيقظت بعد ساعة من الفجر رأيت نفسي محتلماً - إلى ما قبل الفجر فتحصل حينئذ المعارضة بين الاستصحابين ، وهكذا في بقيّة الأمثلة فلاحظ.
 إذن حتى لو سلّمنا بأن اطلاق الروايات شامل لاستصحاب القهقرى فرغم ذلك لا يمكن أن نتمسك بالإطلاق المذكور لوجود المعارض ، ومعه نقول إن شمول الإطلاق لكليهما أمرٌ غير ممكن للتنافي بينهما وشموله لخصوص أحدهما بلا مرجّح فلا يشمل هذا ولا ذاك.
 والخلاصة من كل هذا:- إن الإطلاق ليس بثابتٍ ، ولو كان ثابتاً فلا يمكن التمسك به لأجل المعارضة المذكورة وبالتالي ننتهي إلى أن استصحاب القهقرى ليس بحجّة.
 نعم نستثني من ذلك باب الظواهر واللغة:- فإذا فرض أن لفظ النص كان ظاهراً في زماننا في معنىً معيّن من قبيل ( أقيموا الصلاة ) حيث أن كلمة ( أقيموا ) ظاهرة عندنا في الوجوب فإذا شككنا في أن هذا الظهور شيءٌ جديدٌ أو هو ثابت في عصر النص والمهم كما نعرف هو الظهور في ذلك العصر لا الظهور في زماننا إذ النص يتكلم مع الناس الذين كانوا موجودين في تلك الفترة فأفترض أن القرآن الكريم هو يخاطب الجميع ولكن الأحاديث الشريفة كان المعصوم يتحدث بها مع الناس الموجودين في تلك الفترة فالمهم هو إثبات الظهور في تلك الفترة وليس في زماننا ، إنه يمكن إثبات أن هذا الظهور الذي في زماننا ليس ظهوراً جديداً بل هو ثابت في عصر صدور النص من خلال السيرة العقلائية المنعقدة على ذلك وليس من باب إطلاق النص.
 وإن شئت قلت:- إنه توجد أدلة أربعة لإثبات حجية استصحاب القهقرى في باب اللغة والظواهر وهي:-
 دليل الأول:- السيرة العقلائية ، ببيان إننا نعتمد الآن على تاريخ بن الأثير وتاريخ الطبري ونقرأ نهج البلاغة وبقيّة الكتب القديمة ونعمل بظواهرها والحال أنا لا نشخّص الظواهر في تلك الفترة وإنما نشخص الظواهر في زماننا الذي نقرأ فيه النص فلابد إذن من وجود أصالة التطابق بين هذا الظهور وبين ذلك الظهور الذي كان في عصر النص ، وسمِّ أنت أصالة التطابق هذه باستصحاب القهقرى أو بأصالة عدم النقل على عبّر بذلك صاحب المعالم أو بأصالة الثبات في اللغة أو غير ذلك من التعابير ، وروح المطلب هو ما أشرنا إليه وهو أن سيرة العقلاء منعقدة على ذلك ولولا هذه السيرة للزم أن لا نقرأ هذه الكتب ولا تباع ولا تشترى وبالتالي تُعطّل المكتبات المشتملة على هذه الكتب بناءً على عدم حجية استصحاب القهقرى . إذن هذه السيرة موجودة جزماً ولا يمكن التشكيك فيها وحيث أن الشارع لم يردع عنها فيثبت الإمضاء.
 الدليل الثاني:- لو قطعنا النظر عن سيرة العقلاء كفتنا سيرة المتشرعة فإن أصحاب الإمام العسكري عليه السلام قد واجهوا كمّاً هائلاً من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله أو أحاديث أمير المؤمنين عليه السلام أو غيره ولا يحتمل أنهم لم يعملوا بتلك النصوص بل عملوا هم قد بها وكيف عملوا بها والحال أنه يحتمل حصول تغيّر في الظواهر فإن الفترة ليست قليلة فهي تكاد أن تقرب من مائتي سنة واحتمال التغيّر احتمال وجيه ؟ إنهم كانوا يعملون بظاهر تلك النصوص ولابد أنهم اعتمدوا على أصالة التطابق - أو بتعبير آخر استصحاب القهقرى - بمعنى أنهم لم يعيروا أهمية لاحتمال حصول التغيّر . إذن سيرة المتشرعة تشهد بذلك وبناءً على انعقاد سيرة المتشرعة لا نحتاج آنذاك إلى ضمّ فكرة الإمضاء فإن هذا فارقٌ بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة فسيرة العقلاء لا حجيّة فيها إذ هي مستقاة ومأخوذة من العقلاء وما يؤخذ من العقلاء لا عبرة به إلا أن يثبت إمضاؤه وهذا بخلافه في سيرة المتشرّعة فإنها مأخوذة من الشرع إذ لو لم تكن مأخوذة منه لما كانت سيرة متشرعة وللزم أن يكون ذلك خلف الفرض . إذن ما دمنا قد فرضنا كونها سيرة متشرعة فهي مأخوذة من الشرع ومادامت مأخوذة منه فلا حاجة إذن إلى دليلٍ يدلّ على امضائها.
 ولو قلت:- لماذا قلت إنه بقطع النظر عن سيرة العقلاء يمكن التمسك بسيرة المتشرعة لم تجعلهما دليلين في عرضٍ واحد كما صنع كثير كذلك فإنهم يذكرون سيرة المتشرعة إلى جنب سيرة العقلاء - أي أن عبائرهم توحي بذلك - ؟
 قلت:- إن العرضيّة محلّ تأمل وذلك باعتبار أن المتشرعة يحتمل أنهم قد انعقدت سيرتهم على ذلك بما هم عقلاء لا بما هم متشرعة ، يعني مادمنا قد فرضنا أن الحيثية العقلائية تقتضي هذا السير - يعني الأخذ بظاهر الكلام وعدم أعارة أهمية لاحتمال التغير - فإذا كانت هذه الحيثية العقلائية هي التي تقتضي ذلك وسلّمت بذلك فكلّ متشرّع مثل زرارة ومحمد بن مسلم وغيرهما نحتمل أنهم بحيثياتهم العقلائية قد أخذوا بهذه الطريقة - أي أخذوا بالظواهر - لا بحيثياتهم المتشرّعيّة وهذا الاحتمال موجودٌ فلا نجزم حينئذ بانعقاد سيرة متشرعيّة بما هم متشرعة.
 إذن في كل موردٍ ادعيت فيه سيرةٌ للعقلاء لا يمكن أن نتمسك إلى جنبها بسيرة المتشرّعة بل المناسب أن نتمسك بسيرة المتشرّعة في طول تعذر وبقطع النظر عن سيرة العقلاء - يعني يقال إنه لو لم تكن سيرة عقلاء أو قطعنا النظر عن سيرة العقلاء فبالإمكان آنذاك التمسك بسيرة المتشرعة - أما التمسك بهما في عرضٍ واحد فلا ، وهذا كلام سيّال يأتي في باب حجيّة الخبر وفي باب حجيّة الظواهر وغير ذلك فإنه في جميع هذه الموارد لا معنى للتمسك بنحو العرضيّة بالسيرتين معاً بل المناسب التمسك بهما بنحو الطوليّة كما أو ضحنا.