33/07/21


تحمیل
 الموضوع / قاعدة لا ضرر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 قلت:- لو سلمنا بوجاهة هذا الاحتمال [1] - يعني أن القيد لا يحتمل أنه كان هناك تواتر ولكن لم ينعكس علينا لأجل أن عادة أصحابنا النقل عما ورد عن أهل البيت عليهم السلام - فيمكن أن يقال ان هناك مؤشرات بخصوص المقام على أن لا تواتر في البين وأن احتمال التواتر ضعيف:-
 من قبيل:- ان الشيخ الصدوق حينما نقل المرسلة عن النبي صلى الله عليه وآله ذكر قيد ( في الاسلام ) حيث قال ( لا ضرر ولا اضرار في الاسلام ) ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وآله وذِكر هذا القيد من الشيخ الصدوق لم يكن حاصلاً بشكل عفوي وإنما كان مقصوداً له باعتبار أن مطلوبه الذي يريد اثباته لا يتم إلا بناءً على وجود هذا القيد إذ الرأي المقابل كان يقول ( ان المسلم لا يرث الكافر ) والشيخ الصدوق أراد أبطال هذا الرأي فقال ( وكيف صار الاسلام يزيده شراً مع قول النبي " الاسلام يزيد ولا ينقص " ومع قوله عليه السلام لا ضرر ولا اضرار في الاسلام ) ، ان محطّ نظره هو قيد ( في الاسلام )، أي أنه يريد أن يقول ان النبي صلى الله عليه وآله يريد أن يقول ( الاسلام لا يضر بالمسلم بل يجلب له الخير فاذا كان لا يرث من الكافر شيئاً لكان قد جلب إليه شراً لا خيراً ) إذن هذا القيد هو محطّ نظره ومقصودٌ له ومن الواضح ان احتمال التواتر إذا كان مقبولاً فهو مقبول من دون هذا القيد إذ التواتر المحتمل هو في حديث ( لا ضرر ولا ضرار ) من دون قيد ( في الاسلام ) وأما معه فلا يوجد تواتر إذ أن هذا القيد لم ينقله على ما ادعى شيخ الشريعة إلا ابن الأثير - ونحن قلنا كلا بل نقله غيره أيضاً وذكرنا واحداً أو اثنين قد رووه - ولكن جزماً لا يوجد تواتر على هذا القيد . إذن احتمال التواتر إذا قبلنا فنقبله من دون هذا القيد لا معه فيضعف إذن احتمال استناد الشيخ الصدوق إلى التواتر.
 ومن قبيل:- ان الشيخ الصدوق ذكر إلى جنب هذا الحديث حديثين آخرين نسبهما إلى النبي صلى الله عليه وآله أيضاً بلفظ القول وهما حديث ( الاسلام يزيد ولا ينقص ) و ( الاسلام يعلو ولا يعلى عليه ) فالاحاديث الثلاثة نسبها إلـى قـول الرسول صلى الله عليه وآلـه حيث قـال هكذا ( وكيف صار الاسلام يزيده شراً مع قول النبي " الاسلام يزيد ولا ينقص " ومع قوله " لا ضرر ولا اضرار في الاسلام " ...... ومع قوله " الاسلام يعلو ولا يعلى عليه " ) ومن الواضح أن التواتر إذا كان محتملاً فهو محتمل في ( لا ضرر ولا ضرار ) وليس بمحتمل في هذين الحديثين . إذن ضم هذين الحديثين إلى حديث ( لا ضرر ) يضعف من احتمال وصول هذه الأحاديث التي منها حديث ( لا ضرر ) من خلال التواتر.
 ومن قبيل:- انه لم يعبّر بكلمة ( قال ) وإنما عبر بصيغة ( مع قوله ) ، والفارق بين التعبيرين هو أنه حينما عبّر بلفظ ( مع قوله ) فمن المحتمل أن يكون مقصوده هو ( على ما جاء في الحديث والرواية ) بخلاف ما لو عبّر بلفظ ( قال ) فانه يضعف هذا التقدير خصوصاً إذا التفتنا إلى أنه في مقام الاحتجاج على الخصم والاحتجاج قد يُتساهل فيه فيريد أن يقول لهم أنتم نسبتم الى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال ( لا ضرر ولا ضرار ) فكيف صار هنا المسلمُ لا يرث الكافرَ ؟
 وعلى أي حال هذه بعض المؤشرات التي تمنع من قوّة احتمال التواتر وتجعل هذا الاحتمال ضعيفاً وبالتالي تمنع من تطبيق أصالة الحسّ فان القدر المتيقن من سيرة العقلاء على أصالة الحس هو ما إذا كان احتمال الاستناد إلى الحسّ احتمالاً وجيهاً وبدرجة معتدٍّ بها.
 اشكال وجواب:-
 اتضح من خلال هذا أنه يشكل تصحيح مرسلة الصدوق بالبيان المتقدم ، ولكن قد يقال:- يمكن أن نصحح المرسلة بنفس البيان السابق مع بعض الاصلاحات وذلك بأن يقال:- ان الشيخ الصدوق إذا عبّر بكلمة ( قال ) فهذا يدلّ على جزمه باعتبار الحديث [2] ثم نضم إلى هذا أصالة الحسّ ونقول ان مناشئ هذا الجزم بالاعتبار لا تخلو من ثلاثة فإما هو التواتر وما بحكمه - أي الخبر المحفوف بالقرينة القطعية الحسيّة - أو هو الخبر الضعيف المقرون بالقرينة القطعية الحدسيّة لا الحسيّة ، أو هو اِخبار ثقة عن ثقة وكابر عن كابر فان المنشأ لا يخلو من أحد هذه الأمور الثلاثة.
 والأول باطل لما أشرنا إليه من أن احتمال التواتر هو في حدّ نفسه ضعيفٌ والّا لانعكس علينا ، أو لأجل المؤشرات السابقة التي أشرنا إليها.
 وأما الاحتمال الثاني فهو مدفوع بأصالة الحسّ ، وبذلك ينحصر الأمر بالمنشأ الثالث وبذلك يثبت المطلوب وتصحّ جميع مراسيل الشيخ الصدوق.
 بل لو تمت هذه الطريقة أمكن أن نصحح كل ما في الفقيه وذلك بأن يقال:- ان الصدوق قد ذكر في المقدمة ( اني لا أذكر الّا ما كان حجّة بين وبين ربي ) فهو إذن قاطع بحجية واعتبار كل ما يذكره في الفقيه وهذا القطع له مناشئ ثلاثة كما أوضحنا فإذا بطل الأوَّلان تعيَّن الثالث وهو أن كون المستند ثقة عن ثقة وكابر عن كابر.
 والجواب:- ان القدر المتيقن من سيرة العقلاء في إجراء أصالة الحس هو ما إذا تحقق شيء حسيّ ودار أمره بين أن يكون ناشئاً من الحدس أو من الحسّ فيبنى على كون المنشأ هو الحس - وأأكد إذا كان المتعلق شيئاً حسيّاً - كما لو فرض أن شخصاً قال ( جاء فلان من السفر ) فان المجيء أمر حسّي فيمكن أن نلاحظ مجيئه وأنه نزل من الطائرة مثلاً فإذا تردّد الأمر بين كون المنشأ لإخبار هذا الشخص عن المجيء هو الحسّ - يعني بأنه رأى ذلك بالعين - أو هو الحدس - أي كأن رأى هدايا بيد أطفاله - فيبنى على كون المنشأ هو الحسّ ، أما إذا فرض أن متعلق الاخبار كان أمراً حدسياً في حدّ ذاته وتردّد منشأ ذلك الأمر الحدسي بين أن يكون هو الحسّ أو الحدس فلم تنعقد سيرة العقلاء أو نشك في انعقادها في البناء على كون المنشأ هو الحس ، ومقامنا من هذا القبيل فان الجزم بالاعتبار جزم بأمر حدسي إذ الاعتبار عبارة أخرى عن الحجيّة فهو جازم بحجيّة الأحاديث واعتبارها وصحتها وقبولها ومعلوم ان الحجيّة والاعتبار - وجميع هذه الألفاظ المترادفة - كلها أمور حدسية وليست حسيّة وحينما يتردد منشأ هذا الأمر الحدسي بين الحسّ والحدس فلا يوجد أصل عقلائي على الحسّ في مثل ذلك .
 إذن من خلال هذا اتضح أن الصيغة الصحيحة إذا أريد ابرازها لتصحيح مراسيل الشيخ الصدوق هي أن نقول:- ان تعبيره بـ( قال ) يدل على الجزم بالصدور ، وحيث أن الصدور أمر حسيّ فاذا تردّد أمره بين الحسّ والحدس فيوجد مجال لتطبيق أصالة الحسّ ، أما الصياغة الأخرى فهي مرفوضة وباطلة فان الاعتبار شيء حدسي وليس حسيّاً حتى يمكن تطبيق أصالة الحسّ.
 وبهذا اتضح أنه لماذا لا نقبل روايات الفقيه رغم أنه قال في المقدمة ( اني لا أذكر إلا ما أجزم بصحته ) فأن هذا الجزم ليس جزماً بأمر حسّي بل هو جزم بأمر حدسي بالصحّة والحجيّة والافتاء فلا مجال لتطبيق أصالة الحسّ.


[1] وهذه قضية قابلة للتأمل في حد نفسها.
[2] وأأكد بأني استعنت الآن بمصطلح ( الجزم بالاعتبار ) وليس بمصطلح ( الجزم بالصدور ).