33/05/23


تحمیل
 الموضوع / التنبيه السابع / تنبيهات / الدوران بين الأقل والأكثر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 أن بالإمكان اختيار كلا الشقين ، فيمكن أن نختار الشقّ الأول - أي نجري البراءة بلحاظ سببية الأكثر - ولكن لا عن أصل السببية بل عن سببية الأكثر بخصوصه ، يعني نحن نشك هل الأكثر بخصوصه سبب أو لا ؟ وهذا معناه أن سببيته بالخصوص هي شيء مشكوك والمعلوم هو أصل سببيته في الجملة أما أنه هو السبب فقط وبخصوصه فهو شيء مشكوك فتجري البراءة عنه ، وهذا مطلب ينبغي أن يكون واضحاً.
 كما يمكن اختيار الشقّ الثاني بأن نقول:- نحن نجري البراءة عن سببية الأقل.
 وأشكل الشيخ النائيني وقال:- إن هذا خلف المنَّة.
 ونحن نقول له:- صحيح أن هذا خلف المنَّة لو أردنا التمسك بالبراءة الشرعية - أعني بحديث رفع عن أمتي ما لا يعلمون - فانه لا يمكن ذلك لأنه خلاف المنَّة ، بيد أنه (قده) يبني على البراءة العقلية ويقبل قاعدة قبح العقاب بلا بيان فإذا تعذرت البراءة الشرعية للمحذور الذي ذكره فالبراءة العقلية لا مانع من جريانها فيثبت التأمين عن سببيَّة الأقل من خلال البراءة العقلية فان قاعدة قبح العقاب بلا بيان ليست قاعدة امتنانية وأِخذَ في لسانها الامتنان وإنما هي قاعدة عقلية ثابتة بقطع النظر عن حيثية الامتنان.
 والخلاصه:- انه كما يمكن إجراء البراءة بلحاظ الشقّ الأول يمكن إجرائها فبلحاظ الشقّ الثاني ، فما أفاده في كلا الشقين أمر قابل للنظر كما اتضح.
 التقريب الثالث:- وهو للشيخ النائيني أيضاً وحاصله:- ان إجراء البراءة عن السببية - بقطع النظر عن سببية الأقل أو سببية الأكثر - هو أمر مرفوض ، فالسببية حيثية يمتنع إجراء البراءة بلحاظها والوجه في ذلك هو أن السببية حيثية انتزاعية ، فالعقل ينتزع من الأمر بالإتيان بهذه الأجزاء لتحصيل المسبّب عنوان السببيَّة فهي إذن حيثية انتزاعية عقلائية مخترعة ، ومن الواضح أن حديث الرفع يرفع المجعولات الشرعية دون الأمور الانتزاعية.
 والخلاصة:- ان البراءة عن سببية الأقل أو سببية الأكثر لا تجري في حدِّ نفسها لأنها براءة عن أمر انتزاعي والأمر الانتزاعي لا يقبل تطبيق حديث الرفع عليه.
 وفيه:- انه يمكن أن نستبدل عنوان السببية ونقول:- إن اشتغال الذمة بالطهارة المسببّة من ناحية الأجزاء الأخرى شيءٌ مشكوكٌ - أي خصوص الأجزاء العشرة - فمصطلح السببيّة نضعه جانباً ونجري البراءة بهذا الشكل ، وعليه فلا مشكلة في البين ، وهذا مطلب ينبغي أن يكون واضحاً أيضاً.
 التقريب الرابع:- وهو للشيخ النائيني أيضاً وحاصله:- ان البراءة عن سببيّة الأكثر لا تسمن ولا تغني من جوع فان غاية ما يثبت بها هو أن الأكثر ليس سبباً بخصوصه لتحقق الطهارة وهذا المقدار لا يكفينا فان المهم هو إثبات السبب وأنه هو الأقل ، يعني المهم هو أن نثبت أن السبب الذي من خلاله تحصل الطهارة هو الأقل أما أن نثبت أن الأكثر ليس سبباً فهذا نصف المطلوب وأما النصف الثاني - والذي هو المهم -هو إثبات أن الأقل هو السبب حتى يثبت لدينا أن المسبّب قد حققناه من خلال سببه ، أما أن ننفي سببية الأكثر من دون أن نثبت تحقق المسبّب من خلال سببه فهو ليس بنافع أبداً أو هو نصف المطلوب ، ومن الواضح أن البراءة عن سببيّة الأكثر لا يمكنها أن تثبت سببيّة الأقل إذ الملازمة غير شرعية ولا يوجد نصٌّ شرعيٌ يقول ( إذا لم يكن الأكثر سبباً فالأقل هو السبب ) وإنما هذه قضية عقلية فالعقل يقول ( السبب هو إما الأقل والأكثر فإذا لم يكن هو الأكثر فيتعين أن يكون هو الأقل ).
 والخلاصة:- إن أصل البراءة عن سببيّة الأكثر لا يثبت لنا سببيّة الأقل والمهم والنافع هو هذا - أي إثبات أن الأقل هو السبب - حتى نفرغ ذمتنا مما اشتغلت به وهو المسبب من خلال سببه الشرعي.
 وفيه:- إن المهم هو أن نلاحظ ما اشتغلت به ذمتنا ونفرغ ذمتنا من هذا الذي اشتغلت به ، إذن لابد وأن نلاحظ شيئين:- الأول بم اشتغلت الذمة ، وبعد أن شخّصناه يأت العقل ويقول ( يلزم أن تجزم بفراغ ذمتك من هذا الذي اشتغلت به يقينا ) وهذا مطلب ينبغي أن يكون واضحاً ، أي أن هذه قضايا قياساتها معها ولا يطالب بدليلها إذ من الواضح أن نلاحظ ما اشتغلت ذمتنا به ونفرغها مما اشتغلت به.
 فإذا قبلنا بهذا فنأتي إلى المقام فنقول:- نحن نشك هل اشتغلت ذمتنا بالطهارة من خلال الأجزاء العشرة ؟ انه شيء مشكوك ولا جزم به . نعم ان الذي نجزم به هو اشتغالها بالطهارة المسببّة من خلال تسعة أجزاء وأما بإضافة الجزء العاشر فهو شيء نشك في اشتغال الذمة به - ونؤكد أن الذمة نشك في اشتغالها بالطهارة من خلال الأجزاء العشرة - وهذا بخلاف اشتغالها من خلال الأجزاء التسعة فإنا نجزم باشتغالها به ، ومعه نقول:- ان الذي نجزم باشتغالها به قد حقّقناه حيث قد أتينا بالأجزاء التسعة خارجاً والذي لم نحققه - وهو الإتيان بها من خلال الأجزاء العشرة - فنشك في أصل اشتغال الذمة به.
 وفرق هذا الطريق الذي سلكناه عن الطريق الذي سلكه الشيخ النائيني(قده) هو أن الشيخ النائيني ذهب إلى عالم الامتثال بينما نحن ذهبنا إلى عالم اشتغال الذمة ، ونحن دائما نؤكد على هذه الحقيقة - أي انا نحاول أن نذهب دائما إلى عالم اشتغال الذمة - فإذا تمكنا أن نبرز تشكيكاً فيما اشتغلت به الذمة فنجري البراءة عن الاشتغال الزائد ، وهذا يحل لنا كثيراً من المشكلات ويحوّل كثيراًّ من الموارد التي نتصور أنها من موارد الاشتغال إلى مورد البراءة ، فنحن لا حاجة إلى أن نقول كما صنع الشيخ النائيني(قده) بأنه لابد وأن نثبت أن الأقل هو سبب يحصِّل الطهارة التي اشتغلت بها الذمة ، كلا لا نقول هكذا ، وإذا أردنا أن نسلك هذا الطريق فالحق معه ، بل إننا نذهب إلى عالم الاشتغال ونقول ( هل اشتغلت ذمتنا بالطهارة من خلال العشرة بعد الجزم باشتغالها بالطهارة من خلال التسعة ؟ ) فيصير المورد من موارد الشك في أصل الاشتغال.
 ونؤكد على قضية ثانية أشرنا إليها فيما سبق:- وهي أننا أدخلنا السبب في الحساب ولم نقصر النظر على المُسبَّب وكانت هذه القضية حلّال المشكلات ، أما لو قصرنا النظر على خصوص المسبَّب فالمشكلة تبقى ولا تنحل ويكون الحق مع القائلين بالاشتغال ، ولكن نحن قلنا في باب المسببّات الشرعية أنه لا معنى لأن يشغل الشرع ذمَّة المكلف بالمسبَّب قاطعاً النظر عن السبب فانه غير ممكن وتكليفٌ بغير المقدور فان المسبّب الشرعي لا يُعرَف إلا من قبله فيلزم أن يكلّفنا بالمسبّب ولكن من الطريق الذي رسمه هو فيلزم أخذ الطريق الذي رسمه في الحساب ، وهذه النكتة الظريفة هي التي خفيت على الشيخ الخراساني وتلميذه النائيني فهم لاحظوا المسبَّب وقالوا إن الذمة مشتغلة بالمسبّب ، ونحن أكّدنا وقلنا في باب المسبّبات الشرعية لا يمكن أن تنشغل الذمة بالمسبّب بقطع النظر عن سببه .
 نعم هذا يتم في المسبّبات العرفية ، فينبغي أن نفصِّل بين ما إذا كان المسبّب شرعياّ - كمثال الطهارة - فيلزم أخذه من خلال السبب الخاص والذمة تكون مشغولة بالمسبّب من خلال سببه لا بالمسبّب بقطع النظر عن سببه ، وبين ما إذا كان المسبب عرفياً فيكون الحق في مثله مع الشيخ الخراساني والنائيني - أي يلزم الاشتغال -.