33/03/28


تحمیل
 الموضوع / التنبيه الخامس ( حكم ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة ) / تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 ونسلط الأضواء على هذه القضية بشكل أقوى :- وهي أنه بناءً على ما ذكره(قده) - بل ربما أشار إليه في عبارته في المصباح أيضاً - ينبغي التفصيل بين ما إذا حصل العلم الإجمالي الأوّل بين الطرفين الأوّلين في زمن أسبق ثم حصلت الملاقاة وحصل بسببها العلم الاجمالي الثاني في زمانٍ لاحقٍ وبين ما إذا كان هناك تقارن زماني بين العِلمين بأن حصلا معاً في زمان واحد كما إذا حصلت الملاقاة في زمنٍ ولم نعلم بذلك كما لم نعلم بنجاسة أحد الإناءين الأوَّلين بل علمنا بأن هذا الثالث قد لاقى الإناء الأوَّل لا أكثر ثم بعد ذلك حصل علم إجمالي بنجاسة أحد الأوَّلين فانه سوف يقارنه حصول العلم الإجمالي الثاني حتماً ، فهنا ينبغي التفصيل بين هاتين الحالتين.
 ففي الأولى يأتي ما ذكره (قده) فيقال :- حينما حصل العلم الاجمالي الأوّل سقط الأصلان - أعني الأصل في الإناء المشترك وهو الثاني ، وحينما نصل إلى العلم الإجمالي الثاني في الزمان الثاني لا يحصل تعارض بين الأصلين كما أوضحنا حيث أن الأصل في الطرف المشترك قد سقط في الزمن السابق وبالتالي نحكم بطهارة الملاقي .
 وهذا بخلافه في الصورة الثانية فان العِلمين مادام قد حصلا في زمنٍ واحدٍ فسوف يتعارض أصل الطهارة في الطرف المشترك مع أصل الطهارة في الملاقي وأصل الطهارة في الملاقى من دون إمكان تطبيق قاعدة ( الساقط لا يعود ) إذ لا يوجد زمن سابق قد سقط فيه الأصل في الطرف المشترك ففي مثل هذه الحالة نحكم بوجوب الاجتناب عن الكل بما في ذلك الملاقي . إذن هو (قده) فصَّل بين الحالة الأولى والتي هي المتعارفة والغالبة حيث لم يحكم فيها بعدم وجوب الاجتناب عن الملاقي وبين الثانية فحكم فيها بذلك.
 وفيه:- ان ما أفاده مبني على ما أشرنا إليه سابقاً من تفسير التعارض بجريان الأصل في هذا الجانب وجريان الأصل في ذاك الجانب ثم يتعارضان ويتساقطان ، ولكن قلنا ان هذا التفسير لا معنى له بل الصحيح تفسيره بعدم شمول إطلاق دليل الأصل للطرفين .
 وإذا قبلنا بهذا فحينئذ نقول:- كان يوجد في الزمان السابق طرفان نعلم بنجاسة واحدٍ منهما ودليل الأصل لا يمكن أن يشملهما لعلمنا بكذب أصل الطهارة في أحدهما إذ أن أحدهما نجس جزماً ، ولكن في اليوم الثاني حينما صارا ثلاثة فنقول لا يمكن أن يشمل الإطلاق جميع هذه الأطراف الثلاثة في هذا اليوم ولا معنى لأن نقول ان الطرف المشترك لم يشمله دليل الأصل أمس فلا يشمله اليوم ايضاً ، ان هذا لا معنى له فان الإطلاق في فترةٍ لا يمكن أن يشمل طرفين وفي فترةٍ أخرى لا يمكن أن يشمل أطرافاً ثلاثة ، وقاعدة ( الساقط لا يعود ) تختص بالقضايا التكوينية ولا معنى لسحبها الى المقام ، وهذا ينبغي أن يكون من القضايا الواضحة.
 ثم لو تنزلنا وسلمنا أن ما سقط لا يعود فنقول:- صحيح أن أصل الطهارة في الطرف المشترك قد سقط بالمعارضة الأولى يوم أمس ولكنه سقط بلحاظ صاحبة ومعارضه ، وأما بلحاظ المعارض الجديد - أعني الأصل في الملاقي - فهو لم يسقط والسقوط من جهة لا يلازم السقوط من الجهات الأخرى ، وهذا ينبغي أن يكون أمراً واضحاً ، كما لو فرض أنه جاء شخصان وأخبر كل منهما بخبرٍ يعارض خبر الآخر ثم جاء شخص ثالث بعد ساعةٍ وأخبر بخبرٍ يعارض أحد الخبرين السابقين فهل في نقول مثل ذلك أن الخبرين الاوَّلين قد تساقطا بالمعارضة فناخذ بالخبر الثالث لأن المعارض له قد سقط بالمعارضة الأولى ؟! انه شيء لا معنى له إذا المعارض له وان سقط بالمعارضة الأولى ولكنه سقط بلحاظ ذاك الاوَّل لا أنه سقط بلحاظ هذا ، وعليه يكون التوجيه المذكور مرفوضاً لهذين التعليقين.
 التوجيه الرابع:- ما أفاده الشيخ النائيني(قده) [1] وحاصل هذا البيان الظريف مركب من مقدمات ثلاث:-
 الأولى:- ان العلم الاجمالي لا يكون حجَّة إلا إذا ولَّد التكليف على كلا التقديرين ، فلو كان عندنا إناءان فنقول ان وقعت النجاسة في الإناء الأول فحتما تولّد وجوب الاجتناب وان وقعت في الثاني فحتماً تولّد وجوب الاجتناب أيضاً بسبب علمنا بوقوع النجاسة ، إذن علمنا بوقوع النجاسة في احدهما ولد علما بوجوب الاجتناب عنهما - أي عن الأول على تقدير وقوع النجاسة وعن الثاني كذلك - أما إذا لم يولّد تكليفاً فلا يكون حجَّة كما لو فرض أن أحدهما كان نجساً بقطرة دمٍ بنحو التفصيل - أي أن الأوَّل كان فيه قطرة دم حتماً - ثم علمنا بعد ذلك إجمالاً بوقوع قطرة بول في أحدهما ، فهنا ان وقعت قطرة البول في الإناء الثاني فتولّد وجوب الاجتناب عنه أما لو كانت قد وقعت في الإناء الأوَّل فلا تولّد وجوب الاجتناب فلا يكون هذا العلم الاجمالي منجزاً وحجَّة لأنه لم يولّد علماً بالتكليف على كلا التقديرين وإنما يولّد التكليف على تقديرٍ دون تقدير.
 وأقول:- ولعل من هذا القبيل ما إذا كان الإناء الأوَّل مغصوباً ثم علمنا بوقوع قطرة بول في أحدهما فإنها لو كانت واقعة في الإناء الثاني فسوف يتولد وجوب الاجتناب أما إذا كانت واقعة في الإناء الأوَّل - المغصوب - فلا يتولّد بسببها وجوب الاجتناب إذ هو ثابتٌ بالغصبية فلا يكون العلم الاجمالي مولّداً للتكليف على كلا التقديرين ، ولعل هذا المثال من قبيل ذاك .
 والمثال المهم لذلك والذي ساق الشيخ النائيني(قده) هذه المقدمة لأجله هو ما إذا فرض وجود علم إجمالي سابق بين الإناء الأوَّل والثاني ثم حصلت ملاقاة شيء ثالث للإناء الأوَّل ، ومحل كلامنا هو أنه في هذا المثال لا يتولد علم بالتكليف بسبب هذا العلم الاجمالي الثاني - الذي حصل بين الملاقي والإناء الثاني الذي هو طرف الملاقاة إذ لو كان النجس هو الملاقي فسوف يحدث وجوب الاجتناب عنه أما لو كان النجس هو الإناء الثاني فوجوب الاجتناب عنه قد حصل بسبب العلم الأوَّل وبالتالي لا يكون العلم الاجمالي الثاني مولّداً للتكليف عنه إذ التكليف بالاجتناب قد تولّد بسبب العلم الأوَّل.
 والخلاصة:- ان الشيخ النائيني(قده) يقول ان هذا العلم الثاني ليس منجِّزاً وحجَّة لأن شرط التنجيز هو أن يكون العلم الاجمالي مولّداً للتكليف على كلا التقديرين وفي العلم الثاني لا يوجد عندنا ذلك بل يتولد وجوب الاجتناب على تقديرٍ ولا يتولد على التقدير الثاني إذ تولَّد وجوب الاجتناب عن الإناء الثاني بسبب العلم الأوَّل.


[1] أجود التقريرات 2 262 ، 263 و فوائد الأصول 4 87.