33/03/25


تحمیل
 الموضوع / التنبيه الخامس ( حكم ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة ) / تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 التقريب الثالث:- أن يقال:- إن الأصل في الملاقي لو دخل في عملية المعارضة مع ذينك الأصلين فهو سوف يعارض ويمانع الأصل الثاني أي صاحب الملاقى - وأما الأصل الأول فهو الحاكم عليه ومؤداهما واحد - وحينئذ لو عارضه وسقط عن الاعتبار فسوف يجري الأصل الأول - أي الأصل الحاكم - في الملاقى لأن عدم جريانه كان بسبب وجود الأصل الذي في رتبته - أي الأصل الثاني - فإذا لم يجر الأصل الثاني بسبب معارضة الأصل في الملاقي له فسوف يجري الأصل الأول - أي في الملاقي - وإذا جرى الأصل الأول فسوف لا يجري الأصل في الملاقي - أي الأصل الثالث - فان الأصل الحاكم إذا جرى لا تصل النوبة إلى الأصل المحكوم ، بالتالي سوف يلزم من مانعية هذا الأصل الثالث للأصل الثاني عدم مانعيته وبالتالي يلزم من وجوده كمعارضٍ زوالَه وكل ما يلزم من وجوده عدمه يكون أصل وجوده مستحيلاً.
 يعني أن الأصل الثالث في الملاقي إذا كان مانعاً للأصل الثاني فمن مانيعته هذه يلزم عدم مانعيته ، أي يلزم من وجود المانعية عدم المانعية ، وكيف يكون ذلك ؟ لأنه لو كان الأصل الثالث مانعاً للأصل الثاني فسوف لا يجري الأصل الثاني وإذا لم يجرِ فسوف يبقى الميدان خالياً للأصل الأول فيجري ، وإذا جرى الأصل الأول من باب زوال المعارض له فحينئذ سوف يلزم من ذلك زوال الأصل الثالث ، أي أنه سوف تزول مانعية الأصل الثالث للأصل الثاني ، فلزم من وجود مانعية الأصل الثالث للأصل الثاني عدم مانعيته ومن وجود المانعية عدم وجودها وكل مال لزم من وجوده عدمه فاصل وجوده مستحيلاً.
 وهذا التقريب قد يكون تقريباً ووجهاً للقضية التي أشرنا إليها وهي أنه لا يدخل في المعارضة إلا الأصول ذوات الرتبة الواحدة.
 وفيه ما تقدمت الإشارة إليه سابقاً:- من أن هذا مبني على تفسير المعارضة بجريان أصل من هذا الطرف وجريان أصل من ذاك الطرف ثم يتعارضان ويسقطان ، ولكن قد ذكرنا سابقاً أن هذا باطل إذ لا معنى لأن يعبدنا الشارع بجريان الأصل من هذا الطرف ثم بجريان الأصل من ذاك الطرف ثم يقول أعبدكم بسقوطهما ان هذا مضحك ، بل المقصود من المعارضة هو أن دليل الأصل من قبيل ( كل شيء لك طاهر ... ) لا يمكن أن يشمل الأطراف فعدم الشمول يُعبَّر عنه بالمعارضة ، وحينئذ نقول في المقام:- بعد أن حصلت لدينا أطراف ثلاثة - أي الطرف الأول والطرف الثاني ثم حصل الملاقي - فسوف يقف الملاقي إلى جنب الإناء الأول الذي هو الملاقى من هذا الجانب ويقف الإناء الثاني من ذلك الجانب ، وحينئذ نحن نقول:- نحن نعلم إما بنجاسة ذينك الاثنين معاً أو بنجاسة هذا الثاني ولا يمكن أن يكون الجميع مصداقاً للطاهر وبالتالي فحديث ( كل شي لك طاهر ..... ) لا يمكن أن يشمل الثلاثة للعلم بنجاسة أحدها كما لا يمكن أن يشمل هذين الاثنين - أي الملاقي والملاقى - دون ذلك الطرف فانه بلا مرجح وهكذا العكس ، فحديث ( كل شيء لك طاهر ..... ) لا يمكن أن يشملهما ، إن هذا هو معنى المعارضة ووحدة الرتبة واختلافها لا مدخلية له في البين أبداً.
 والنتيجة النهائية من كل هذا:- إن تلك القضية المعروفة - أعني أن عملية المعارضة لا يدخل فيها إلا الأصول ذوات الرتبة الواحدة فقط - هي ليست ثابتة فان إثباتها هو من خلال التقريبات الثلاثة السابقة وقد اتضح أن جميعها قابل للمناقشة.
 وإذا بطلت هذه القضية فسوف يبطل ما فرَّعه الشيخ الأعظم(قده) عليها فانه قد فرَّع عليها أن العلم الإجمالي الثاني ليس منجزاً فان الأصل يجري في الطرف الثالث من دون أن يُعارض بالأصل في الطرف الثاني إذ هو قد سقط سابقاً بالمعارضة الأولى وبالتالي نحكم بطهارة الشيء الثالث - أي الملاقي - إن هذا المطلب الذي أراد الشيخ الأعظم إثباته من خلال تلك القضية قد اتضح بطلانه ، أي لا يمكن الحكم بطهارة الملاقي من خلال هذا البيان فان هذا البيان لا يأتي ولا يتم ، ومن هنا فلنفكر إذن في توجيهٍ جديدٍ لإثبات طهارة الملاقي غير ما أفاده الشيخ الأعظم(قده).
 التوجيه الثاني لإثبات طهارة الملاقي أن يقال:- صحيح أنه حصل لدينا بعد الملاقاة علم إجمالي جديد إما بنجاسة الطرف الثالث - الملاقي - أو بنجاسة الطرف الثاني - أي صاحب الملاقى - ولكن هذا العلم الإجمالي ليس بمنجزٍ والسبب في ذلك هو أن شرط منجزية كل علم إجمالي أن لا يكون بعض أطرافه قد تنجَّز بمنجزٍ سابق ، أما إذا تنجَّز بمنجِّزٍ سابقٍ فسوف لا يتنجز ثانية بالعلم الجديد إذ ما تنجَّز كيف يتنجَّز ثانيةً انه شيء غير ممكن ؟! وإذا أردنا أن نطبّق هذا على مقامنا فنقول:- انه في العلم الثاني نرى أن أحد الطرفين هو نجاسة الإناء الثاني وهذا قد تنجَّز بالعلم الأول ففي العلم الأوَّل كنّا نقول نحن نعلم إما بنجاسة الأوَّل أو بنجاسة الثاني وعليه فقد تنجَّز الإناء الثاني بالعلم الأوَّل ومادام قد تنجَّز بالعلم الأوَّل فلا يمكن أن يتنجز ثانيةً بالعلم الإجمالي الثاني وشرط منجزية العلم الإجمالي أن يكون منجّزاً لكلا طرفيه ، يعني لو كان المعلوم بالإجمال في الشيء الثالث لنجَّزه ولو كان في الإناء الثاني لنجزه والمفروض في مقامنا أن النجاسة لو كانت في الإناء الثاني فلا يمكن أن تتنجَّز بهذا العلم الثاني إذ هي قد تنجَّزت بالعلم الأوَّل ، وهذا التوجيه الجديد مبني على مسلك العلية الذي بنى عليه الشيخ العراقي(قده) - أي علية العلم الإجمالي للتنجيز - بينما التوجيه السابق فهو مبني على مسك الاقتضاء ، ففي التوجيه السابق كان يقال:- إن العلم الإجمالي الثاني ليس بمنجّزٍ لأن شرط التنجيز هو تعارض الأصول في الأطراف وحيث أنها ليست متعارضة لفرض أن الأصل في الطرف الثاني قد سقط بالمعارضة فيجري الأصل في الطرف الثالث بلا معارض ، إن هذا مبنيٌّ على مسلك الاقتضاء.
 وأما الشيخ العراقي(قده) فحيث يرفض مسلك الاقتضاء ويقول أن العلم الإجمالي ينجّز المعلوم بالإجمال بنفسه بلا حاجة إلى تعارض الأصول بل يمنع من الترخيص حتى في الطرف الواحد فلا يتم التوجيه الأوَّل ولذلك أخذ بعرض التوجيه الثاني [1] ، بل ربما يظهر ذلك أيضاً من السيد الخوئي(قده) [2] ، بل ربما تُفسَّر عبارة الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل بهذا التوجيه الثاني.
 وعلى أي حال حيث أن الشيخ العراقي(قده) رفض التوجيه الأوَّل فأخذ بعرض هذا التوجيه وقال:- إن هذا العلم الإجمالي الثاني لا ينجّز لأن أحد طرفيه - وهو الإناء الثاني - قد تنجزت النجاسة فيه بالعلم الإجمالي الأول ومعه فالعلم الثاني لا يكون منجزاً ويكون بمثابة الشك البدوي وآنذاك لا مانع من جريان أصل الطهارة في الملاقي لأن المفروض أن هذا العلم الإجمالي ليس بمنجزٍ وإذا كان ليس منجزاً فيجري الأصل فيه بلا معارض ، وجريانه ليس من ناحية أن معارضه قد سقط بالمعارضة الأولى كما كان يقول الشيخ الأعظم(قده) في التوجيه الأول بل لعدم تنجّز العلم الإجمالي الثاني.


[1] نهاية الأفكار 3 358 .
[2] مصباح الأصول 2 415 .