33/02/22


تحمیل
 الموضوع / التنبيه الثالث / تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 وفيه:-
 أما بالنسبة إلى الإشكال الصغروي فيمكن أن يقال:- ان الاطمئنان ثابت في كل طرف فيما لو لوحظ بانفراده وبمجرده ، فالطرف الاول لو لاحظته وحده فعندي اطمئنان بأنه ليس هو الحرام والطرف الثاني لو لاحظته بانفراده فأيضاً كذلك وهكذا كل طرف من الأطراف حينما يلحظ بانفراده يحصل الاطمئنان بأنه ليس هو الحرام ومثل هذه الاطمئنانات لو جمعناها فسوف تكون النتيجة هكذا ( ان كل طرف لو لوحظ بانفراده ونؤكد على هذا القيد فيحصل الاطمئنان بأنه ليس هو الحرام ) ومعلوم أن هذا لا يتنافى مع الاطمئنان بأن واحداً من الأطراف هو الحرام . إذن الذي يرفع الإشكال هو أن الاطمئنان متقوّم بكل طرف حينما يلحظ بانفراده ، ولو لم نقبل بهذا الكلام فسوف يرد الإشكال حتى لو لم يحصل اطمئنان - أي بأن فرض حصول شكٍ - فيقال هكذا ( نحن نشك في الطرف الأول في أنه الحرام أو لا ، ونشك في الطرف الثاني في أنه الحرام أو لا ........ وهكذا إلى تمام الأطراف ) فتصير النتيجة هي الشك بلحاظ جميع الإطراف في صدق الحرام عليها والحال أنا نجزم بأن واحداً منها حرام .
 إذن ما يدفع به الأشكال حالة الشك يدفع به حالة الاطمئنان أيضاً فانه في حالة الشك يقال نحن نشك في كل طرف أنه الحرام أو لا فيما لو لوحظ الطرف بنظرة استقلالية ووحدانية لا ما إذا ضُم مع بقية الأطراف ، ومعه فتصير النتيجة هي أن كل طرف في كونه الحرام على تقدير ملاحظته بشكل استقلالي ، ونفس هذا الكلام نسحبه إذا ادعينا حصول الاطمئنان.
 وأما الإشكال الكبروي:- فانه يتم إذا فرض أنا جوزنا للمكلف العمل بكل واحدٍ من الاطمئنانات بحيث يرتكب الاول استناداً إلى الاطمئنان فيشربه ثم يتناول الثاني استناداً إلى الاطمئنان أيضاً ........ وهكذا الثالث والرابع ، فإذا أردنا أن نحكم بجواز ارتكاب كل طرف وبالتالي جميع الأطراف مجتمعة استناداً إلى الاطمئنان فالإشكال وارد هنا فيقال:- كيف يُستَنَد إلى هذه الاطمئنانات والحال أن بعضها كاذب ؟ ولكن نحن ندعي أن مستند حجية الاطمئنان هو السيرة العقلائية وهي في مثل ذلك تقول ( يجوز لك أن ترتكب طرفاً واحداً ، أو طرفين ) باعتبار أنه يُطمأن بعدم انطباق الحرام عليه أو عليهما ، أما إذا أريد ارتكاب أطراف أكثر فسوف يقوى احتمال ارتكاب الحرام عند مدّ اليد إلى الإناء الثالث والرابع مثلاً فلا يرتكب العقلاء آنذاك الإناء الثالث والرابع بل يقتصرون على إناءٍ واحدٍ أو بإضافة إناءٍ آخر أما ما زاد على ذلك فلا يُجزم بانعقاد السيرة عليه بل الأمر بالعكس .
 إذن هناك اطمئنان في كل طرف بانفراده ولكن الحجة ليس هو كل اطمئنان بحيث يستند إلى الاطمئنان في الإناء الاول فيرتكب والى الاطمئنان الثاني في الإناء الثاني فيرتكب ، كلا انه مرفوض عقلائياً وإنما الذي يجوز الاستناد إليه هو واحد من هذه الاطمئنانات أو اثنان مثلاً لا ما زاد على ذلك ، ومعه فلا يلزم الإشكال الكبروي لأنه إنما يلزم لو قلنا بجواز الاستناد إلى هذه الاطمئنانات ومن ثم ارتكاب جميع الأطراف أو أكثر الأطراف أما مع الحصر بواحد أو اثنين - للنكتة التي اشرنا إليها - فلا يلزم الإشكال المذكور.
 هذا كله بالنسبة إلى الوجه الاول من وجوه عدم منجزية العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة وقد اتضح من خلال ذلك أمران:-
 الأول:- ينبغي تحديد الشبهة غير المحصورة بما إذا كثرت الأطراف إلى حدٍّ يُطمأن بعدم انطباق المعلوم بالإجمال على كل طرف.
 والثاني:- أن جميع هذه الاطمئنانات ليست حجة وإنما يجوز الاستناد إلى واحد منها أو اثنين مثلاً دون ما زاد للنكتة المتقدمة.
 الوجه الثاني لبيان عدم منجزية العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة :- ان سبب التنجيز هو تعارض الأصول ، فلو كانت عندنا أطراف متعددة ونعلم بأن واحداً منها حرام فسوف يتعارض أصل البراءة في هذا الطرف مع أصل الطهارة في بقية الأطراف ، أي أن دليل الأصل لا يمكن أن يشمل هذه الأطراف المتعددة إذ شموله لجميعها خلف العلم الإجمالي وشموله لبعضها بلا مرجح فيتعين أن لا يشمل شيئاً منها ومن هنا يثبت التنجيز إذ لا مؤمِّن وهذا يتم لو كانت الشبهة محصورة ، أما إذا كثرت الأطراف بدرجةٍ كبيرةٍ فلا محذور في تطبيق دليل الأصل على جميعها إذ لا يلزم من ذلك مخالفة عملية قطعية لفرض أن الكثرة تمنع من ارتكاب جميع الأطراف والمحذور في الترخيص في الجميع ليس الا لزوم المخالفة العملية القطعية وذلك إنما يلزم إذا كانت الأطراف محصورة أما إذا لم تكن كذلك فلا يلزم وبالتالي يجوز ارتكاب أي طرف - أي في الشبهة غير المحصورة - لجريان المؤمِّن بلا معارضة إذ المعارضة تختص بما إذا أمكنت المخالفة القطعية وهي إنما تمكن في الشبهة غير المحصورة . هذا ما قد يوجَّه به جواز ارتكاب الأطراف في الشبهة غير المحصورة بناءاً على مذاق المشهور.
 هذا وقد حاول السيد الشهيد(قده) [1] الاستناد إلى هذا الوجه ولكن مع صياغته وفقاً لمبناه في وجه انصراف دليل الأصل عن أطراف الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي وحاصل ما ذكره:- ان الأطراف إذا كانت قليلة فدليل الأصل لا يشملها لأن لازم شموله لها جميعاً أن الغرض الترخيصي سوف يصير أهم عند المولى من الغرض الإلزامي والحال أنه لا يوجد في الحياة العقلائية ذلك عادةً ، فعادةً يضحي العاقل بالغرض الترخيصي في سبيل الحفاظ على الغرض اللزومي لا العكس ، ومن هنا يصير دليل الأصل كأصل الطهارة أو البراءة أو الحلية أو غيرها منصرفاً عن أطراف الشبهة المحصورة ، وأما إذا كانت الأطراف كثيرة كمليون طرف مثلاً والمفروض أن واحداً منها هو الحرام فهنا ليس من البعيد عن الذوق العقلائي التضحية بالغرض اللزومي الذي هو واحدٌ في سبيل المقابل الكثير - أعني مليون إلا واحد - المشتمل على غرض ترخيصي ان هذا شيء عقلائي فالعاقل قد يضحي بغرض لزومي واحد في سبيل الحفاظ على أغراض ترخيصية كثيرة ، ومعه فدليل الأصل لا يمكن انصرافه عقلائياً عن أطراف الشبهة غير المحصورة وإنما الانصراف يختص بالشبهة المحصورة لا غير.


[1] التقرير 5- 229.