33/01/22


تحمیل
 الموضوع / التنبيه الثاني / تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 وفي هذا المجال أوضح الشيخ النائيني مقصود الشيخ الأعظم [1] وحاصله:- ان المكلف في حال اضطراره إلى فرد غير معين هو ليس بمضطرٍ إلى ارتكاب الحرام الواقعي ، فلو كان الحرام الواقعي هو الإناء الاول الذي مدَّ يده إليه - كما لو علم بأنه نجس - فانه لابد وأن يسحب يده ولا يتناوله ، أي لا يصح له أن يقول ( إني مضطر ) إذ يُرَدُّ ويقال له ( أنت لست مضطراً إلى خصوص هذا ويمكنك أن ترفع اضطرارك بالإناء الثاني إذ المفروض أنك لست مضطراً إلى فرد معين) ، فما هو حرام واقعاً أنت لست بمضطر إليه ، ومعه يبقى العلم الإجمالي بثبوت الحرام الواقعي على حاله لفرض عدم الاضطرار إلى ارتكاب الحرام الواقعي ، وما دام يبقى على حاله فيلزم حينئذ ترك الإناء الثاني لأجل العلم الإجمالي إذ قد فرضناه باقياً . نعم يجوز لك أن تمد يدك إلى الإناء الاول من باب أنه لا تعلم بكونه هو الحرام الواقعي ويندفع به الاضطرار فتكون معذوراً لو كان هو الحرام الواقعي ، ولكن لو كان هو الحرام الواقعي فحرمته باقية وليست مرتفعة لفرض أنك لست مضطراً إلى ارتكابه بخصوصه غايته تكون معذوراً لأنك لا تعلم بكونه هو الحرام الواقعي.
 إذن مدّ اليد على أحد الإناءين لا يرفع الحرمة الواقعية لو كان هذا الإناء هو الحرام الواقعي لفرض أنك لست بمضطرٍ إلى المخالفة وارتكاب هذا الإناء ، نعم تكون معذوراً لجهلك ، وهذا بخلافة في حالة الاضطرار إلى المعين فان الإناء الاول ما دمنا قد فرضنا الاضطرار إليه بخصوصه فحرمته ترتفع لو كانت ثابتة واقعاً وحديث ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ) يشمله فترتفع الحرمة الواقعية ويأتي مجال آنذاك لدعوى أن المورد بالنسبة إلى الطرف الثاني يكون من الشك في أصل التكليف ، وهذا بخلاف الاضطرار إلى غير المعين فان الإناء الاول الذي مُدَّت اليد إليه لو كان هو الحرام واقعاً فحرمته الواقعية لا ترتفع بحديث ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ) لفرض عدم الاضطرار إلى ارتكابه . نعم يكون المكلف معذوراً لأجل جهله ولكن عذر لا يرفع الحرمة الواقعية ، ومعه فيبقى العلم الإجمالي على حاله فيلزم ترك الإناء الثاني وفاءاً لحق العلم الإجمالي.
 ومن خلال هذا البيان يتضح أنه لا نفرق في هذه الحالة بين ما إذا كان الاضطرار قبل العلم الإجمالي أو كان بعده خلافاً للحالة الأولى فانه قد ذكرنا فيها هذا التفصيل وأما هنا فلا نذكر هذا التفصيل ، والوجه في ذلك:- أنه حتى لو كان الاضطرار قبل العلم الإجمالي فسوف يبقى المكلف عالماً بالإجمال بثبوت الحرمة في أحد الطرفين ولا ترتفع الحرمة باضطراره لفرض أن الاضطرار يمكن رفعه بالطرف الثاني الذي لا يكون حراماً واقعاً.
 ولكن القضية الأساسية في هذا البيان والتي يدور عليها محوره والتي ان تمت تم هذا البيان وإلا فلا يتم - هي أن مدَّ اليد إلى أحد الإناءين وانتخابه من بين الإناءين هل يرفع الحرمة الواقعية من جذورها لو كان هو الحرام الواقعي أو أنه يثبت الحلية ظاهراً من دون رفع الحرمة واقعاً ؟ فان بنينا على أنه يرفع الحرمة واقعاً فالحق مع الشيخ الخراساني(قده) إذ بالتالي يمكن تطبيق حديث ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ) وحديث الاضطرار يرفع الحرمة واقعاً ، وأما إذا اخترنا الآخر - يعني أن الحرمة الواقعية باقية على حالها غايته يكون المكلف معذور ظاهراً وبالتالي نتمسك بفقرة ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) التي يكون الرفع بلحاظها رفعاً ظاهرياً لا واقعياً ولا نتمسك بفقرة ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ) لأني لست بمضطر حتى يكون الرفع واقعياً فيكون الحق مع الشيخ الأعظم(قده).
 وقد يقال:- المناسب أن يكون الرفع ظاهرياً لا واقعياً وذلك لبيانين:-
 البيان الاول:- ما اتضح من خلال ثنايا حديثنا السابق حيث يقال:- ان المكلف ليس مضطراً إلى ارتكاب الحرام الواقعي حتى نطبِّق فقرة ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ) بل الحرام الواقعي باقٍ على حاله لإمكان دفع الاضطرار من خلال الإناء الآخر ومع بقاء الحرام الواقعي على حرمته يلزم أن يكون الترخيص الثابت في الإناء الذي اختاره المكلف أن يكون ترخيصاً ظاهرياً لا واقعياً أي تكون الحرمة مرتفعة بفقرة ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) وليس بفقرة ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ).
 والبيان الثاني:- لو كانت الحرمة الواقعية مرتفعة بسبب مدّ المكلف يده إلى الإناء فانه يلزم من ذلك أن تكون الأحكام الشرعية تابعة لإرادة المكلف واختياره والحال أن الأمر بالعكس فالله سبحانه وتعالى شرَّع التكاليف لتكون موجهة لاختيار المكلف ولتقول له اختر الحلال ولا تختر الحرام كشرب الخمر والنجس والمغصوب وما شاكل ذلك ، فالتكاليف الإلهية جاءت لتصحح اختيار المكلف ولتحدد اختياره بينما يلزم العكس لو فرضنا في مقامنا ارتفاع الحرمة الواقعية فان الإناء الاول لو كان هو الحرام واقعاً وبمدِّ اليد واختياره ترتفع الحرمة الواقعية لصار اختيار المكلف رافعاً للحرمة الواقعية وبالتالي يصير اختيار المكلف هو المحدد للأحكام الشرعية لا أنها هي التي تحدد اختياره.


[1] كما جاء في فوائد الأصول 4 -98 وأجود التقريرات 2 268 .