32/10/18


تحمیل

وأما القرينة الثانية:- فقد ذكر الشيخ الخراساني (قده) في ردها أن الداعي لا يكون قيداً وعنواناً في الفعل لأن رتبته مختلفة عن رتبة الفعل.

وفي رده نقول:-

أولاً:- النقض عليه بمثل ضرب اليتيم بداعي التأديب فانه حسن بينما ضربه لا بهذا الداعي قبيح ، وهذا شيء وجداني - أي ثبوت الحسن في الحالة الاولى وثبوت القبح في الحالة الثانية - لا يمكن التشكيك فيه ، ومن أين جاء الحسن في الحالة الاولى والقبح في الحالة الثانية ؟ ان الداعي إذا لم يعنون الفعل والعمل فكيف ثبت الحسن والقبح ؟! انه لا يمكن اختلاف ضرب اليتيم بالحسن والقبح في الحالتين إلا إذا افترضنا أن الداعي يعنون الفعل فيقال هكذا ( ضرب اليتيم المعنون بكونه لأجل التأديب حسن ، بينما المعنون لا لذلك - كما لو كان لأجل التشفي مثلاً - فانه قبيح ) . هذا نقضاً

وثانياً:- يمكن أن نجيب حلَّاً وذلك بأن نقول صحيح أن الداعي تختلف رتبته عن رتبة الفعل فهذا شيء مسلم ولكن بلحاظ شيء ثالث - وهو الاستحباب مثلاً أو الحسن والقبح - ليس بينهما تقدم وتأخر في الرتبة ، فبلحاظ الاستحباب هما معاً وهذه نكتة ظريفة جدا ينبغي الالتفات إليها في رتبة واحدة لا تقدم للداعي ولا تأخر للفعل - وأأكد بلحاظ الشيء الثالث - وعليه فلا محذور في أخذهما بنحو القيد والمقيد بلحاظ ذلك الشيء الثالث بعدما فرض أنهما بلحاظه لا اختلاف بينهما في الرتبة.

 إذن ما ذكره الشيخ الخراساني(قده) مخالف للوجدان فانه قاضٍ بالخلاف كما أوضحنا.

 وحل الشبهة التي ربما علقت في ذهنه المبارك يمكن دفعها بما أشرنا إليه من أنهما بلحاظ الشيء الثالث لا اختلاف بينهما في الرتبة.

وأما ما ذكره الشيخ الأصفهاني(قده) :- أي أن التفريع يمكن أن يكون من باب تفرع المتأخر وجوداً.

فجوابه:- انه قد توجد بعض القرائن في روايات من بلغ تدفع الاحتمال المذكور من قبيل ما جاء في رواية محمد بن مروان حيث ورد فيها ( من بلغه ثواب على عمل فعمله طلب قول النبي كان له ذلك الثواب ) انه ذكر قيد ( طلب قول النبي ) وهذا واضح في أن طلب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان هو الداعي وهو الذي له المدخلية في ثبوت الثواب ، ومن قبيل أن الروايات قالت ( كان له ذلك الثواب وان لم يكن الأمر كذلك ) وكيف يثبت الثواب رغم أن البلوغ كان على خلاف الواقع ؟ فلابد وأن يكون للبلوغ دور بحيث أنه هو الذي صار سبباً للثواب وإلا فمجرد التقدم والتأخر الوجودي من دون إدخال داعي البلوغ في الحساب لا يمكن أن يفسر منح الثواب بتلك الدرجة التي بلغت المكلف وحتى في مخالفة البلوغ للواقع ، ان تفسير ذلك لا يمكن إذا جعلنا الفاء من باب التقدم والتأخر الوجودي بخلاف ما إذا جعلت من باب الإشارة الى داعي البلوغ.

 والخلاصة من كل هذا:- ان الاحتمال المذكور أي الثالث ضعيف لما ذكرناه في مناقشته.

توجيه الاحتمال الرابع ومناقشته:- وأما الاحتمال الرابع ، أعني أن الثواب هو من باب الانقياد والحث هو من باب الإرشاد الى حكم العقل بحسن الانقياد واستحقاق المنقاد للثواب وهو الذي بنى عليه الشيخ الأنصاري والسيد الخوئي.

 وتوجيهه واضح حيث ان العقل يحكم بكون المنقاد مستحقاً للثواب ، وهذه الروايات ان لم تكن ظاهرة في الإرشاد الى هذا الحكم العقلي فلا أقل هي محتملة لذلك - يعني يحتمل انها ناظرة الى حيثية الإرشاد وتأكيد حكم العقل - ومع وجود هذا الاحتمال وصيرورة أخبار من بلغ مرددة بين أكثر من احتمال فسوف لا يستفيد منها الفقيه الاستحباب الشرعي للفعل الذي بلغ عليه الثواب بلوغاً ضعيفاً لاحتمال أن المقصود منها تأكيد حكم العقل كما أوضحنا ، يعني تصير أخبار من بلغ مجملة فهي أما ظاهرة في الإرشاد الى حكم العقل باستحقاق المنقاد للثواب أو لا أقل هي محتملة لذلك ، بمعنى أنها تصير مرددة بين هذا الاحتمال وغيرة فلا يمكن استفادة الاستحباب الشرعي . هذا ما أفاده العلمان.

وجوابه:- صحيح أن العقل يحكم باستحقاق المنقاد للثواب ولكنه يحكم باستحقاقه لأصل الثواب لا انه يستحق الثواب بمقدار ما بلغ ، وعليه فالمستدل بأخبار من بلغ إذا كان يتمسك بهذه الحيثية - أعني حيثية إثبات الثواب بمقدار ما بلغ - واستفادة الاستحباب الشرعي منها فلا يمكن للعلمين أن يردا ذلك ويقولا بأن ذلك من المحتمل أن يكون من باب الإرشاد الى حكم العقل باستحقاق الثواب ، ان هذا لا معنى له فان العقل يحكم باستحقاق المنقاد للثواب في الجملة لا بمقدار ما بلغ ، وهو شيء ظريف.

توجيه الاحتمال الخامس ومناقشته:- وأما ما ذكر في الاحتمال الخامس - الذي لم تثبت نسبته لقائل معين - والذي يرجع الى أن الثواب المذكور لعله من باب التفضل والوعد الجميل من قبل الله عز وجل فانه أكرم الأكرمين ومن الوجيه أن يعطي الثواب بمقدار ما بلغ تفضلاً منه ، ومع وجود هذا الاحتمال كيف نستفيد الاستحباب الشرعي .

وفيه:- ان ما ذكر من إبراز جنبة التفضل شيء جميل فانا نسلم ان منح الثواب بمقدار ما بلغ رغم عدم موافقة البلوغ للواقع ليس إلا تفضلاً من الله عز وجل ، ولكن نقول ان أخبار من بلغ يستفاد منها - كما تقدم سابقا - الحث على الفعل بالدلالة الالتزامية العرفية ، وقلنا سابقاً لا تسألني وتقول من أي لفظٍ استفدت الحث على الفعل الذي بلغ عليه الثواب فانه لا يوجد لفظ يستفاد منه الحث على الفعل ؟ فاني أجيبك بأن العرف أحياناً يستفيد من مجموع الكلام معنىً معين من دون وجود لفظ بخصوصه يدل عليه ، ومقامنا من هذا القبيل فان العرف حينما يسمع مضمون الأحاديث المذكورة - أي مضمون أحاديث من بلغه ثواب عل عمل يفهم أن الشرع يريد أن يقول افعل أيها المكلف ، وليس هذا الحث حثاً عقلياً فقط وإنما هو مستفاد من الخطاب ، وعليه فإذا استفيد الحث من الخطاب المذكور فلازم ذلك أخذ هذه النكتة بعين الاعتبار أيضاً ، فالمسألة ليست مسالة تفضل محض من دون أن يستفاد منه زيادة ، كلا ، بل هناك تفضل مع زيادة وإضافة وهي الحث ، فيمكن للقائل بالاستحباب الشرعي أن يقول هذا الحث هو بنفسه يدل على استحباب الفعل وان كنا نحن نرفض ذلك ونقول هذا الحث لا يلازم الاستحباب الشرعي بل لعله من باب التحفظ على المستحبات الواقعية ، فالمسالة إذن ليست مسالة تفضل محض من دون استفادة زيادة ، فنحن نوافق صاحب هذا الاحتمال من هذه الزاوية ولكن هناك إضافة وهي أنا نستفيد الحث ، وهذا الحث قد يفسره القائلون بالاستحباب - يعني أصحاب الاحتمال الثاني - بالاستحباب الشرعي وانه نستفيد منه الاستحباب الشرعي ، ولكن نحن نقول لهم سوف يأتي فيما بعد أنا نسلم الحث ولكن كما يحتمل أنه لأجل الاستحباب الشرعي يحتمل أنه لأجل التحفظ على المستحبات الواقعية.