36/05/11


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ ملاقي أحد أطراف العلم الإجمالي.
انتهى الكلام إلى الوجه الرابع المستفاد من كلمات السيد الخوئي(قدّس سرّه) في خصوص مصباح الأصول. واضح أنّ هذا الوجه الرابع الذي ذكرناه في الدرس السابق يعتمد على دعوى سقوط الأصل في الطرف المشترك في زمانٍ سابق بالمعارضة مع الأصل في الملاقى، وحينما يحصل العلم الإجمالي الثاني يكون الأًصل في الملاقي بلا معارض، فيجري ويسقط العلم الإجمالي عن التنجيز.
يُلاحظ على هذه الدعوى: أن سقوط الأصل في الطرف الآخر كما ذكر هو إنّما هو للمعارضة مع الأصل في الملاقى، الكلام في أنّ تعارض الأصول وتساقطها الذي هو فرع تنجّز المخالفة القطعية، وتنجّز المخالفة القطعية ناشئ من العلم الإجمالي، لدينا علم إجمالي ينجّز المخالفة القطعية، فتتعارض الأصول وتتساقط، تعارض الأصول وتساقطها الذي هو فرع تنجّز المخالفة القطعية الذي ينشأ من وجود العلم الإجمالي، الكلام في أنّ هذا التعارض والتساقط في كل آنٍ هو تابع لتنجّز المخالفة القطعية لوجود العلم الإجمالي في ذلك الآن لا أن يكون هذا التعارض والتساقط ثابتاً في آنٍ آخر لمجرّد وجود العلم الإجمالي في آنٍ سابقٍ، العلم الإجمالي ينجّز حرمة المخالفة القطعية وبالتالي يترتب على ذلك تعارض الأصول وتساقطها، ينجّز ذلك في كل آنٍ حينما يكون ذلك العلم موجوداً، فالعلم الإجمالي في كل آنٍ ينجّز حرمة المخالفة القطعية الموجب لتعارض الأصول وتساقطها، لا أن يكون العلم الإجمالي في زمانٍ سابقٍ ينجّز حرمة المخالفة القطعية وبالتالي تعارض الأصول وتساقطها في زمانٍ لاحقٍ.
بعبارةٍ أخرى: أنّ العلم الإجمالي بوجوده الحدوثي ينجّز حرمة المخالفة القطعية ويوجب تعارض الأصول وتساقطها في آن حدوثه، لكنّه لا ينجّز ذلك في زمانٍ لاحقٍ إلاّ بوجوده البقائي، يعني حينما يُفترض وجود العلم وبقاؤه واستمراره حينئذٍ يكون بوجوده البقائي منجّزاً لحرمة المخالفة القطعية وتعارض الأصول وتساقطها لا أنّ العلم الإجمالي بمجرّد وجوده الحدوثي يكون منجّزاً لحرمة المخالفة القطعية، وموجباً لتعارض الأصول وتساقطها في الآن اللاحق من دون افتراض وجودٍ بقائي له، وإلاّ وقعنا في مشكلةٍ، هذا يؤدي إلى أن لا يكون هناك انحلال لأي علمٍ إجمالي؛ لأنّ العلم الإجمالي بوجوده الحدوثي نجّز حرمة المخالفة القطعية وأوجب تعارض الأصول وتساقطها في جميع الآنات، ولو لم يبقَ ذلك العلم الإجمالي، حتّى إذا زال العلم الإجمالي وجوده الحدوثي نجّز حرمة المخالفة القطعية وأوجب تعارض الأصول وتساقطها؛ حينئذٍ لا يكون العلم الإجمالي منحلاً، بأيّ شيءٍ ينحل العلم الإجمالي ؟ حتى بالعلم التفصيلي لا ينحل؛ لأنّه بوجوده الحدوثي نجّز هذا وأوجب تعارض الأصول وتساقطها، هذا يؤدي إلى لوازم باطلة لا يمكن الالتزام بها، فإذن: لابدّ أن نقول أنّ العلم الإجمالي في كل آنٍ هو ينجّز ويوجب تعارض الأصول وتساقطها في ذلك الآن، إذا كان له وجود حدوثي فقط وليس له وجود بقائي، فهو ينجّز حرمة المخالفة القطعية وما يترتب على ذلك في آن الحدوث، أمّا إذا كان له وجود بقائي، فوجوده البقائي هو الذي يكون منجّزاً لحرمة المخالفة القطعية في الزمان اللاحق، وموجباً لتعارض الأصول وتساقطها، وهذا معناه بالنتيجة أنّه في زمان حدوث العلم الإجمالي الثاني، العلم الإجمالي الأوّل بوجوده البقائي ينجّز كلا طرفيه الذي أحدهما هو الطرف المشترك، الطرف الآخر يتلقّى التنجيز من العلم الإجمالي الأوّل بعد حدوث العلم الإجمالي الثاني لكن يتلقّاه منه بوجوده البقائي كما يتلقّى التنجيز من العلم الإجمالي الثاني، لكن بوجوده الحدوثي، فهو يتلقّى التنجيز من كلٍ من العلمين، ولا يمكن أن نقول أنّ العلم الإجمالي الأوّل بوجوده الحدوثي نجّز الطرف الآخر بعد حدوث العلم الإجمالي بوجوده الحدوثي، وإنّما هو ينجّزه بوجوده البقائي، هذا معناه أنّه بعد حدوث العلم الإجمالي الثاني يجتمع سببان للتنجيز على الطرف الآخر، العلم الإجمالي الأوّل بوجوده البقائي، والعلم الإجمالي الثاني بوجوده الحدوثي، فيدخل في مسألة اجتماع سببين مستقلّين على مسببٍ واحدٍ، وهذا يؤدّي إلى أن يكون التنجيز لكلٍ منهما، وأن يكون كلاً منهما منجّزاً، مجموعهما يكون هو المنجّز وهو الموجب لحرمة المخالفة القطعية، وبالتالي تعارض الأصول وتساقطها. اساس الفكرة مبنية على افتراض أنّ العلم الإجمالي الأوّل ينجّز الطرف الآخر على طول الخط بوجوده الحدوثي، هو بوجوده الحدوثي نجّز حرمة المخالفة القطعية وأوجب تعارض الأصول وتساقطها، فالأصل سقط بالمعارضة مع الأصل في الملاقى، وعندما يسقط الأصل يقال بأنّه يكون هناك الأصل الجاري في الملاقي بلا معارضٍ، لكنّ هذا ليس صحيحاً، وإنّما الصحيح هو أنّ العلم الإجمالي الأوّل كما ينجّز كلا الطرفين بوجوده الحدوثي ينجّز كلا طرفيه أيضاً بوجوده البقائي، العلم الإجمالي لازال باقياً، لازلت أنا أعلم بأنّه إمّا الطرف الآخر نجس، أو الملاقى نجس، فأنا أعلم بنجاسة أحدهما، أنظم إلى هذا العلم علم آخر، وهناك طرف مشترك بين العلمين وهو عبارة عن الإناء المشترك، فيتلقّى هذا الإناء المشترك التنجيز من كلٍ منهما، فإذن: لا معنى لأن نقول بأنّ الأصل في الطرف المشترك بعد حدوث العلم الإجمالي لا وجود له؛ لأنّه سقط في زمانٍ سابقٍ، الموجب لسقوطه هو العلم الإجمالي الأوّل بوجوده البقائي وهو معنى التنجيز، العلم الإجمالي الأوّل بوجوده البقائي ينجّز كلا الطرفين، العلم الإجمالي الثاني بوجوده الحدوثي ينجّز كلا الطرفين في آنٍ واحدٍ؛ وحينئذٍ لا يوجد تقدّم وتأخّر حتى يقال أنّ الأصل جرى فيه وسقط في زمانٍ سابقٍ، التنجيز يثبت في كلٍ منهما في آنٍ واحدٍ ويتلقّى الطرف المشترك التنجيز من كلٍ منهما في آنٍ واحدٍ ولا يصح لنا أن نقول أنّ هذا الطرف المشترك جرى فيه الأصل وسقط في زمانٍ سابقٍ، الأصل فعلاً يجري في هذا الطرف ويُعارَض بالأصل في الملاقي، وهو معنى التنجيز، فتتعارض الأصول وتتساقط، فالطرف المشترك يتلّقى التنجيز من كلٍ منهما ولا موجب لترجيح أحدهما على الآخر في تأثيره في التنجيز، وإنّما تتعارض الأصول كلها وتتساقط. هذا من جهة.
من جهةٍ أخرى: وإكمالاً لما تقدّم أنّ الأصل في الطرف المشترك قبل حدوث العلم الإجمالي الثاني له معارض واحد وهو الأصل في الملاقى، بعد حدوث العلم الإجمالي الثاني الأصل في الطرف المشترك يكون له معارضان بناءً على ما تقدّم، وهما عبارة عن الأصل في الملاقى والأصل في الملاقي، التعارض والتساقط في كل آنٍ تابع لوجود العلم الإجمالي وإيجابه لتنجيز المخالفة القطعية في ذلك الآن، في آنٍ ما بعد حدوث العلم الإجمالي، العلم الإجمالي الأوّل بوجوده البقائي ينجّز كلا الطرفين، الثاني أيضاً ينجّز كلا الطرفين، وهذا معناه أنّ الأصل في الطرف المشترك يكون له معارضان، الأصل في الملاقي والأصل في الملاقى؛ لأنّ سبب التعارض هو أنّ العلم الإجمالي ينجّز حرمة المخالفة القطعية، فيقع التعارض بين الطرفين، كما أنّ العلم الإجمالي الثاني بوجوده الحدوثي ينجّز كلا الطرفين ويمنع من جريان الأصلين فيهما، كذلك العلم الإجمالي الأوّل بوجوده البقائي ينجّز كلا الطرفين ويمنع من جريان الأصل في كلٍ منهما، وهذا معناه أنّ الأصول كلّها تتعارض، الأصل في الطرف المشترك والأصل في الملاقي والأصل في الملاقى، فتتعارض وتتساقط، ويتنجّز العلم الإجمالي ويجب الاجتناب عن الملاقي.
عدم صلاحية العلم الإجمالي الثاني للتنجيز في هذا الوجه الرابع الذي نقلناه عن السيد الخوئي(قدّس سرّه) عُلل بما قلناه من أنّ الأصل في الطرف المشترك سقط في زمانٍ سابقٍ بالمعارضة مع الأصل في الملاقى، فعندما يحدث العلم الإجمالي الثاني، لا يكون للأصل في الملاقي معارض؛ لأنّ معارضه سقط. هذا التعليل ينسجم مع مبني السيد الخوئي(قدّس سرّه) القائل بمسلك الاقتضاء، لكن توجد في بعض كلمات السيد الخوئي(قدّس سرّه) ما قد يُفهم منها تعليل عدم صلاحية العلم الإجمالي الثاني للتنجيز لا بسقوط الأصل في الطرف المشترك في زمانٍ سابقٍ بالمعارضة مع الأصل في الملاقى، وإنّما يعللّه بما ذكره المحقق العراقي(قدّس سرّه) بأنّ المتنجّز لا يتنجّز، الطرف المشترك تلقّى التنجيز في زمان سابق، فتنجّز بالعلم الإجمالي الأوّل، والمتنجّز لا يتنجّز، إذن: العلم الإجمالي الثاني لا يكون منجزاً؛ لأن أحد طرفيه لا يقبل التنجيز؛ ولذا يفقد العلم الإجمالي الثاني صلاحيته للتنجيز؛ لأنّه يعتبر في العلم الإجمالي المنجّز أن يكون منجّزاً للتكليف على كل تقدير، وهذا العلم الإجمالي الثاني ليس كذلك؛ لأنّه على أحد التقديرين هو ليس قابلاً لأن ينجّز التكليف فيه؛ لأنّ المتنجّز لا يتنجّز. هذا التعليل الموجود في كلمات السيد الخوئي(قدّس سرّه) لا يناسب مسلك الاقتضاء، وإنّما يناسب مسلك العلّية، والذي يناسب مسلك الاقتضاء هو التعليل بما تقدّم بأن يقال أنّ الأصل في الطرف المشترك سقط في زمانٍ سابقٍ بالمعارضة مع الأصل في الملاقى، بعد حدوث العلم الإجمالي الأصل في الملاقي ليس له معارض، فيجري الأصل في الملاقي بلا معارض، وهذا هو الذي يكون موجباً لسقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية؛ لأنّ ملاك المنجّزية على مسلك الاقتضاء هو تعارض الأصول في الأطراف وتساقطها، فإذا جرى الأصل في أحد الطرفين بلا معارض لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً. أمّا تعليل فقدان صلاحية التنجيز للعلم الإجمالي الثاني بأنّ المتنجّز لا يتنجّز، فهو ينسجم مع مسلك العلّية الذي يقول به المحقق العراقي(قدّس سرّه).
على كل حال، لو فرضنا أنّ السيد الخوئي(قدّس سرّه) أيضاً يعللّ عدم صلاحية العلم الإجمالي الثاني للتنجيز بهذا التعليل، فيرِد عليه الجواب الثاني المتقدّم على الوجه الثالث الذي تقدّم الكلام فيه؛ لأنّ المحقق العراقي(قدّس سرّه) استدلّ على سقوط العلم الإجمالي الثاني عن التنجيز بالرغم من أنّه يقول بأنّ العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية..... استدلّ عليه بهذا الاستدلال الذي هو في روحه يرجع إلى دعوى قصورٍ في متعلّق العلم لا في نفس العلم الإجمالي، العلم الإجمالي لا قصور فيه، وإنّما القصور في متعلّقه، المعلوم بالعلم الإجمالي في حدّ نفسه ليس قابلاً للتنجيز على كل تقدير، وإنّما يكون قابلاً للتنجيز على تقديرٍ دون تقديرٍ آخر، لو كان معلومه قابلاً للتنجيز على كل تقدير، ليس هناك قصور في العلم الإجمالي، وسوف ينجّزه، لكن المعلوم نفسه فيه قصور وغير قابل للتنجيز على كل تقدير؛ لأنّه على أحد تقديريه ترِد مسألة أنّ المتنجّز لا يتنجّز، فيسقط العلم الإجمالي عن التأثير ويفقد صلاحيته للتنجيز، لو فرضنا أنّ السيد الخوئي(قدّس سرّه) يقول بهذه المقالة؛ فحينئذٍ يرِد عليه ما تقدّم سابقاً من الملاحظتين المتقدّمتين، والتي كانت الملاحظة الأولى هي أنّ التنجيز ليس من الأمور التكوينية والظواهر الطبيعية حتى يقال فيها أنّ المتنجّز لا يتنجّز على غرار أنّ الموجود لا يوجد وأمثال هذه العبارات، وإنّما هو حكم عقلي، هو عبارة عن إدراك العقل لمسألة حق الطاعة والعقاب على المخالفة، وقلنا أنّه لابدّ أن نرجع إلى العقل لنرى أنّه هل يحكم في مثل المقام بالتنجيز، أو يحكم بالبراءة ؟ وأيضاً يرد عليه الإيراد الثاني المتقدّم ولا داعي للتكرار.
الملاحظة الثانية على الوجه الرابع الذي ذكره السيد الخوئي(قدّس سرّه) هي الملاحظة التي ذكرها السيد الشهيد(قدّس سرّه)،[1] وحاصل هذه الملاحظة هو أنّه يقول: أنّ التعارض بالتحليل هو من شئون عالم الجعل وليس من شئون مرحلة المجعول، وذلك باعتبار أنّ الخطابات الشرعية مجعولة عادةً على نهج القضية الحقيقية التي تكون ثابتة على الموضوعات المقدّرة الوجود، ومن الواضح أنّ هذه الخطابات المجعولة على نهج القضية الحقيقية هي ناظرة إلى عالم الجعل وليست ناظرة إلى عالم المجعول، فعلية المجعول تابعة إلى فعلية موضوعه في الخارج، إذا تحقق الموضوع في الخارج يكون الموضوع فعلياً، الجعل ليس ناظراً إلى الخارج وليس ناظراً إلى فعلية الموضوع، سواء وجد موضوع، أو لم يوجد موضوع، هو يجعل الحكم على الموضوع المقدّر الوجود، فالخطابات الشرعية المجعولة على نهج القضايا الحقيقية ناظرة إلى مرحلة الجعل ولا علاقة لها بعالم المجعول وفعلية المجعول، وهذا معناه أنّ الخطابات الشرعية تنظر إلى أفراد الموضوع المقدّر الوجود في عرضٍ واحدٍ، التقدّم والتأخّر في الزمان لا يؤثّر فيها هي تنظر إلى أفراد الموضوع في عرضٍ واحد وبنظرةٍ واحدةٍ، دائماً الخطابات الشرعية التي هي ناظرة إلى مرحلة الجعل لا تميّز بين أن يكون بعض أفراد الموضوع متقدّماً زماناً على البعض الآخر، أو غير متقدّم زماناً، لا يؤثّر فيها هذا، الحكم يثبت لجميع أفراد الموضوع في عرضٍ واحدٍ؛ لأنّ الموضوع فيها مقدّر الوجود، وليس الموضوع فيها هو الموضوع الخارجي حتّى يقال أنّ الموضوع يختلف باختلاف أفراده فقد تتقدّم بعض أفراده على الأفراد الأخرى بلحاظ الزمان، فإذا تحقق هذا الموضوع؛ فحينئذٍ يكون الجعل ثابتاً له، الجعل لا علاقة له بفعلية الموضوع، المجعول يكون فعلياً بفعلية موضوعه، لكن مفاد الخطاب ليس هو المجعول، وإنّما مفاد الخطاب هو الجعل ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[2]، هذا الجعل لا يتوقف على افتراض وجود مستطيعٍ في الخارج، وإنّما هو يفترض موضوعاً ويجعل عليه الحكم. هذه القضية الحقيقية.
إذن: الجعل عندما ينصبّ على الموضوع المفترض الوجود يكون ناظراً إلى أفراد ذلك الموضوع في عرضٍ واحدٍ، إذا قال ــــــــ مثلاً ـــــــــ (أكرم كل عالم) واضح بأنّ الحكم يتعلّق بأفراد العالم في عرضٍ واحدٍ، ولا يوجد تقدّمٌ في مرتبة الجعل لبعض الأفراد على الأفراد الأخرى؛ لأنّها متقدّمة زماناً على الأفراد الأخرى، هذا يشمل العالِم الموجود الآن والعالِم الذي سيوجد في المستقبل، يشملهما في عرضٍ واحدٍ كجعلٍ وليس كمجعول، المجعول واضح أنّه يختلف باختلاف الموضوع المتحقق في الخارج، فإذا تحقق موضوعٌ يثبت له المجعول، وإذا تحقق موضوعٌ آخر يثبت له المجعول، المجعول الثاني يكون متأخّراً عن الأوّل، لكن كلامنا هو في الخطاب الشرعي الذي يتكفّل مرحلة الجعل، ويكون ناظراً إلى مرحلة الجعل، هذا الجعل لا يُفرّق بين أفراد الموضوع لمجرّد أنّها تتقدّم زماناً وتتأخّر زماناً، هو ينظر إليها في عرضٍ واحدٍ، هذه قضية واضحة.
الأمر الآخر: هو أنّ التعارض معناه التنافي بين الدليلين بلحاظ دلالتهما، أو في بعض الأحيان يكون هناك تنافٍ في الدليل الواحد ويسمّى بالتعارض الداخلي بلحاظ شموله لهذا الفرد وشموله للفرد الآخر، فيقع التعارض في الدلالة، وحيث أنّ المفروض أنّ الخطابات الشرعية تتكفّل عالم الجعل؛ حينئذٍ يكون التعارض الحاصل في مفاد دليلٍ بلحاظ أفراد موضوعه، لا محالة يكون هذا التعارض تعارضاً بلحاظ عالم الجعل؛ لأنّ الخطاب الشرعي يتكفّل عالم الجعل، والتعارض هو عبارة عن التنافي في الدلالة، يعني في دلالة الخطاب، حتماً هذا التعارض يكون موجوداً في عالم الجعل، بمعنى أنّه في عالم الجعل هذا الخطاب لا يمكن أن يشمل هذا الفرد وفي نفس الوقت يشمل هذا الفرد، شموله لكلا الفردين يكون بينهما تنافٍ، شموله لهذا الفرد ينافي شموله ذلك الفرد كما في محل الكلام، في محل الكلام لدينا أصل عملي نريد أن نتمسّك بإطلاق خطابه لإثبات شموله لهذا الفرد وإثبات شموله لهذا الفرد، فإذا كان شموله لكلا الفردين غير ممكن، فقهراً يقع التنافي بين إطلاق الخطاب لهذا الفرد وبين إطلاق الخطاب لذلك الفرد الآخر، قهراً يقع التنافي بينهما. هذا كلّه في عالم الجعل، يقع التنافي بين الإطلاقين، في الخطاب الواحد يكون إطلاق خطاب دليل الأصل لهذا الطرف معارضاً بإطلاق هذا الخطاب للطرف الآخر، يقع بينهما تعارض وتنافٍ؛ إذ لا يمكن أن يكون دليل الأصل شاملاً لكلا الطرفين، هذا التنافي بلحاظ عالم الجعل.
حينئذٍ نأتي إلى محل الكلام: كأنّ الفكرة التي طُرحت في الوجه الرابع مبنية على افتراض أن المعارضة بين الأصول تكون بلحاظ زمان الفعلية، أي زمان المجعول وليس بلحاظ زمان الجعل ومرحلة الجعل؛ فحينئذٍ يقال بأنّ الأصلين في الطرفين، يعني في الملاقى وفي الطرف الآخر، لمّا كانا فعليين يتعارضان ويتساقطان؛ لأنّه لا يمكن شمول الدليل لكلٍ منهما، بعد حدوث العلم الإجمالي الثاني الذي هو زمان فعلية الأصل في الملاقي، يقال بأنّه لا معارض لهذا الأصل؛ لأنّ الأصل في الطرف الآخر سقط بالمعارضة مع الأصل في الملاقى في زمانٍ سابقٍ، فكأنّ التعارض هو بلحاظ زمان فعلية الأصل، متّى يكون الأصل فعلياً وتتوفّر شروطه؛ حينئذٍ يكون فعلياً، وإذا كان فعلياً تقع المعارضة بينهما. أمّا الأصل في الملاقي قبل حدوث العلم الإجمالي الثاني لا يدخل طرفاً في المعارضة؛ لأنّه لا يكون فعلياً، بعد أن يتساقط الأصلان ويحدث العلم الإجمالي الثاني، فالأصل في الملاقي حينئذٍ يكون فعلياً ولا معارض له، فيجري، فهو مبني على افتراض أنّ التعارض إنّما هو بلحاظ مرحلة الفعلية، والفعلية تختلف باختلاف الزمان، فتتقدّم فعلية على فعليةٍ أخرى بلحاظ الزمان؛ لأنّ الفعلية تابعة لفعلية الموضوع، فإن تحقق الموضوع يكون فعلياً، وإذا تحقق موضوع آخر يكون فعلياً .....وهكذا، بينما بناءً على هذا الذي ذُكر يقال بأنّ التعارض هو بلحاظ مرحلة الجعل لا بلحاظ مرحلة الفعلية، أي مرحلة المجعول، أولاً: لأنّ الخطابات تتكفل مرحلة الجعل وتجعل الحكم على الموضوعات المقدّرة الوجود، وفي عالم الجعل الخطاب ينظر إلى أفراد موضوعه بنظرة واحدة في عرضٍ واحدٍ، وإن تقدّم بعضها على البعض الآخر في الزمان، لكنّه ينظر إليها في عرضٍ واحدٍ؛ لأنّه افترض الموضوع وصبّ عليه الحكم؛ فحينئذٍ هذا الحكم يتعلّق بكل فردٍ من أفراد موضوعه في عرضٍ واحدٍ بلا تقدّم ولا تأخّر. هذا من جهة.
ومن جهة ثانية: قلنا أنّ الفعلية ليس لها علاقة بأصل الموضوع، وأنّ التعارض يقع في دليل الأصل بلحاظ فردين، فردان أحدهما متقدّم على الآخر زماناً، لكن هذا بلحاظ الجعل لا أثر لهذا التقدّم والتأخّر الزماني في شمول دليل الجعل والخطاب الشرعي لكلٍ منهما في عرضٍ واحدٍ، في مرحلة الجعل الدليل يشملهما معاً في عرضٍ واحدٍ، لا يشملهما بلحاظ التقدّم والتأخّر الزماني؛ بل يشملهما في عرضٍ واحدٍ؛ وحينئذٍ يقال بأنّه يقع التعارض بينهما حتّى إذا كان أحدهما متقدّماً والآخر متأخّراً، ليكن شمول الأصل لهذا الطرف في زمانٍ متقدّماً عليه، والطرف الآخر متأخّراً عنه زماناً، لكن شمول الجعل لكلٍ منهما يكون في عرضٍ واحدٍ في مرحلة الجعل، فيقع التعارض حينئذٍ والتساقط، وننتهي إلى نفس النتيجة وهي أنّ الطرف المشترك يتلقّى التنجيز من كلٍ منهما وتتساقط الأصول جميعاً.