36/03/25


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء.
في ما يرتبط بالبحث السابق الذي هو عموم محل النزاع للواجبات وعدم اختصاصه بالمحرّمات ذكر السيد الخوئي(قدّس سرّه) كما في الدراسات تبعاً لأستاذه المحقق النائيني(قدّس سرّه) بأنّ الميزان في صحّة التكليف إنّما هو إمكان داعوية التكليف للمكلّف، أو زاجريته، لا فعلية ذلك، لا يعتبر أن يكون التكليف بالفعل داعياً، وإنّما إمكان الداعوية، فكل تكليفٍ يمكن أن يكون داعياً للمكلّف ومحرّكاً وزاجراً له يكون تكليفاً صحيحاً وكل فعلٍ أو تركٍ يستند إلى اختيار المكلّف يصح تعلّق التكليف به، ولو كان حاصلاً عادةً، حتّى لو كان حاصلاً عادةً يصح التكليف به، هذا هو الميزان في صحّة التكليف بالشيء.[1]
هذا الميزان الذي ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه) ووافقه عليه السيد الخوئي(قدّس سرّه) طبّقه المحقق النائيني(قدّس سرّه) على الفعل في الواجبات دون الترك في المحرّمات، وذكر في مقام بيان الفرق بينهما [2] أنّ متعلّق التكليف الوجوبي هو الفعل، ويقول أنّ تحقق الفعل في الخارج يستند إلى اختيار المكلّف، حتّى لو فرضنا أنّه كان مفروض الحصول والتحقق عادة، لكن بالنتيجة تحقق الفعل في الخارج يحتاج إلى توسّط اختيار المكلّف وإرادته، وإلاّ مجرّد فرض أنّ هذا الفعل مفروض التحقق خارجاً عادةً لا يستوجب تحقق الفعل في الخارج ما لم يتوسّط اختيار المكلّف وإرادته، فإذا صدر في الخارج بتوسّط إرادة المكلّف واختياره أمكن اسناد الفعل إلى اختيار المكلّف وإرادته، فيستند إلى اختيار المكلّف وإرادته؛ ويمكن حينئذٍ أن يكون التكليف داعياً إلى ذلك الفعل، إمكان الداعوية يكون ثابتاً، والاستناد إلى اختيار المكلّف أيضاً يكون ثابتاً، فينطبق عليه الميزان؛ وحينئذٍ يصح تعلّق التكليف به، وهذا بخلاف التكليف التحريمي؛ لأنّ متعلّق التكليف التحريمي هو الترك لا الفعل، باعتبار أنّ المطلوب بالنهي هو الترك وإبقاء العدم على حاله وعدم نقض العدم بالوجود، والغرض أيضاً من النهي ليس هو إلاّ عدم حصول ما اشتمل عليه الفعل من المفسدة، فإذا فرضنا أنّ عدم حصول المفسدة كان حاصلاً بالفعل عادةً ولا يحتاج حصوله إلى توسّط الإرادة والأختيار، ففي هذه الحالة لا يصحّ تعلّق التكليف به، والمقصود هو التكليف التحريمي؛ لأنّ حصول الترك حينئذٍ لا يستند إلى اختيار المكلّف؛ بل هو حاصل بنفسه والتكليف بما يكون منتركاً عادةً كالتكليف بما يكون منتركاً عقلاً، كل منهما يعتبر لغواً ومستهجناً، كما أنّ التكليف بما كان منتركاً عقلاً يكون لغواً ومستهجناً؛ لأنّ الغرض من النهي هو الترك وعدم نقض العدم بالوجود وعدم تحقق المفسدة التي يشتمل عليها الوجود، هذه الأمور كلّها متحققة، فكأنّ الفعل منترك عادةً، التكليف بما كان منتركاً عادة كالتكليف بما كان منتركاً عقلاً، كل منهما لغو ومستهجن. وبهذا يصل إلى هذه النتيجة وهي التفريق بين الواجبات والمحرّمات، فالدخول في محل الابتلاء يعتبر شرطاً في التكليف التحريمي، وأمّا في التكليف الوجوبي، فلا يعتبر الدخول في محل الابتلاء شرطاً، ويصح التكليف الوجوبي بما كان خارجاً عن محل الابتلاء لهذه النكتة التي ذكرها وهي اختلاف متعلّق كلٍ منهما.
السيد الخوئي(قدّس سرّه) طبّق هذا الميزان على كلٍ منهما، وانتهى إلى نتيجة أنّ الدخول في محل الابتلاء ليس شرطاً في كلٍ من التكليفين، فكما يصح التكليف الوجوبي بما هو خارج عن محل الابتلاء كما اعترف به المحقق النائيني(قدّس سرّه)، يقول كذلك يصح التكليف التحريمي بما كان خارجاً عن محل الابتلاء؛ لأنّ الميزان في صحة التكليف ينطبق على كلٍ منهما ولا يختص بالواجبات دون المحرّمات على ما ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه). واستدلّ بهذا الدليل: إذا كان التكليف الوجوبي بما هو خارج عن محل الابتلاء يصحّ كما اعترف به المحقق النائيني(قدّس سرّه)، قال لا مانع من التكليف بما هو خارج عن محل الابتلاء لازمه أن يصح التكليف التحريمي بما هو خارج عن محل الابتلاء تطبيقاً للميزان الذي ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه)، فمقتضى الميزان أن لا نفرّق بينهما، وذلك لأنّ صحّة التكليف الوجوبي بما هو خارج عن محل الابتلاء يستلزم أن يكون هذا الخارج عن محل الابتلاء مقدوراً للمكلّف؛ إذ لا يُعقل التكليف بغير المقدور، فصحّة تعلّق الوجوب بما هو خارج عن محل الابتلاء لازمه أن يكون ذلك الخارج عن محل الابتلاء الذي تعلّق به الوجوب مقدوراً للمكلّف، وإذا كان الفعل مقدوراً للمكلّف لابدّ أن يكون تركه أيضاً مقدوراً، باعتبار أنّ الفعل الممكن إذا كان وجوده مقدوراً، فعدمه أيضاً مقدور، القدرة على الوجود تلازم القدرة على الترك، وإلاّ لا تكون قدرةً على الوجود، كما أنّ القدرة على الترك تلازم القدرة على الوجود، لابدّ من افتراض أنّ المكلّف كما هو قادر على الفعل الخارج عن محل الابتلاء؛ ولذا صحّ تعلّق الوجوب به، لابدّ أن يكون قادراً أيضاً على الترك، ومعنى أنّه قادر على الترك يعني أنّ الترك اختياري له وليس ضرورياً عليه، إذن: الترك يكون اختيارياً؛ لأنّ هذا هو معنى مقدور، يعني أنّه حينما يتحقق يتحقق من المكلّف باختياره، فينطبق عليه الميزان السابق؛ لأنّه قال يعتبر في صحّة التكليف أن يستند الفعل أو الترك إلى اختيار المكلّف، وكما صحّ تعلّق الوجوب بالفعل الخارج عن محل الابتلاء وكان اختيارياً لابدّ أن يكون الترك أيضاً اختيارياً يصح تعلّق التكليف التحريمي به؛ لأنّ الترك اختياري ويستند إلى المكلّف، وكما أنّ الفعل يستند في حال حصوله إلى المكلّف، الترك أيضاً يستند في حال حصوله إلى المكلّف، يقول هذا لابدّ من فرضه؛ لأنّ معنى أنّ المكلّف قادر على الفعل يعني أنّه قادر على الترك، وكما أنّ الفعل اختياري للمكلّف لابدّ أن يكون الترك اختيارياً للمكلّف، ومعنى أنّه اختياري يعني أنّه يستند إلى اختياره وإرادته، فمقتضى الميزان السابق هو أنّه يصح تعلّق النهي به كما يصح تعلّق الوجوب به، وانتهى إلى هذه النتيجة، يعني رأيه الذي سنستعرضه قريباً وهو أنّ الدخول في محل الابتلاء ليس شرطاً في التكليف أصلاً. هنا لا يهمنا التعرّض لرأيه(قدّس سرّه)، وإنّما سيأتي استعراضه، وإنّما نركز على مسألة التفريق بين المحرّمات وبين الواجبات، وهذه هو المقصود في المقام.
الذي يمكن أن يقال في مقام التعليق على هذه الكلمات: تقدّم أنّ الصحيح هو عدم الفرق بين الواجبات وبين المحرّمات، وليس المقصود من عدم الفرق أنّ صحّة التكليف في الواجبات ثابتة في المحرّمات كما ذكر السيد الخوئي(قدّس سرّه)، وإنّما المقصود بعدم الفرق هو أنّه لا فرق بينهما في الدخول في محل النزاع، كما أنّ النزاع يمكن أن يجري في المحرّمات يمكن أن يجري في الواجبات، وليس أنّ القضية واضحة أنّ الواجبات خارجة عن محل النزاع، ولا إشكال في صحّة التكليف فيها، وإنّما الكلام ينصب على المحرّمات. كلا، المسألة ليست هكذا. كما أنّ حيثيات النزاع تجري في المحرّمات هي تجري أيضاً في الواجبات، فلا فرق بينهما من هذه الجهة. وما ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه) من نكتةٍ وهي أنّ المطلوب في النهي هو الترك وعدم حصول المفسدة التي يشتمل عليها الفعل، وأنّ هذا حاصل بنفسه عادة ـــــــــــ بحسب الفرض ـــــــــــ لأنّ المفروض أنّ الفعل خارج عن محل الابتلاء، يعني أنّ تركه مضمون التحقق، هذا الذي ذكره من أنّ الترك حاصل بنفسه، فلا يصح تعلّق التكليف التحريمي به، هذا غير واضح؛ لأنّ مجرّد أنّ الترك مفروض التحقق والحصول بنفسه عادةً لا يعني ولا يستلزم سلب القدرة عن المكلّف إطلاقاً. صحيح أنّ الترك مضمون التحقق عادة، كما لو كان الشيء موجوداً في أقصى بقاع الأرض، وهذا عادة لا يصدر من المكلّف الذي يعيش هنا، لكن هذا لا يعني سلب القدرة على الفعل، ولا يعني أنّ المكلّف غير قادرٍ على الفعل؛ بل يبقى للمكلّف قدرةً عقلية على الفعل، فالقدرة العقلية على الفعل تبقى محفوظة، ومعنى ذلك أنّه قادر على نقض العدم بالوجود وقادر على قطع استمرار هذا العدم الحاصل، فإذا كان قادراً على هذا؛ حينئذٍ يستند الترك إلى اختياره، يعني إبقاء الترك مستمراً وعدم نقضه يستند إلى اختيار المكلّف، هو الذي اختار إبقاء الترك مستمراً حينما لم يفعل ولم يُقدم على الفعل، وهذا يعني أنّه هو الذي اختار إبقاء العدم مستمراً، فيكون إبقاء العدم مستمراً مستنداً إلى اختيار المكلّف؛ لأنّ المكلّف قادر على الفعل ونقض العدم وتبديله بالوجود، فإذا لم يفعل ذلك، يعني لم يفعل نقض العدم، وهذا معناه أنّه باختياره أبقى العدم مستمراً، فيمكن أن يُسند هذا إلى المكلّف، المكلّف بإرادته واختياره أبقى العدم مستمراً ولم ينقض الوجود، فلا فرق بينهما من هذه الجهة، الفعل والترك، كل منهما يمكن أن يستند إلى إرادة المكلّف واختياره، ومجرّد أنّ الترك مضمون التحقق لا يعني أن الاختيار والإرادة لا تتوسّط في إبقاء هذا العدم الذي هو المطلوب في باب النهي، المطلوب في باب النهي في الحقيقة هو إبقاء العدم مستمراً، فهو نهي عن الفعل الذي ينقض العدم، في النهي عن شرب الخمر يعني إبقاء عدم شرب الخمر مستمراً؛ لأنّ شرب الخمر ينقض عدم شرب الخمر ويبدله بالوجود، فيُنهى عن شرب الخمر، فالمطلوب في باب النهي هو عدم نقض العدم بالوجود، وهذا مقدور للمكلّف، ومجرّد أنّ الترك مضمون الحصول والتحقق لا يسلب القدرة، فالمكلّف قادر على الفعل الذي يُنقض به العدم، فإذا لم يفعل يكون هذا مستنداً إلى إرادته واختياره، فلا فرق بين المحرّمات وبين الواجبات من هذه الجهة.
بعد ذلك بيّنّا أنّ ما يظهر من كلماتهم هو عدم النزاع في حالة الاضطرار العقلي إلى الترك، والمقصود بالاضطرار العقلي إلى الترك هو العجز العقلي عن الفعل، فالمكلّف إذا كان عاجزاً عن الفعل، فهو مضطر عقلاً إلى الترك؛ لأنّه عاجز عن الفعل عقلاً، فدائماً الاضطرار العقلي إلى ترك الحرام هو بعبارة أخرى العجز العقلي عن الفعل. ظاهرهم الاتفاق على أنّ التكليف يسقط في حالة العجز العقلي عن الفعل، باعتبار أنّ التكليف مشروط بالقدرة العقلية، فمع العجز العقلي يكون التكليف ساقطاً، وإنّما النزاع في إلحاق الاضطرار العرفي لترك الحرام بالاضطرار العقلي لترك الحرام.
وبعبارةٍ أخرى: إلحاق العجز العرفي عن الفعل بالعجز العقلي عن الفعل، هل يُلحق به ؟ وبالتالي يكون العجز العرفي عن الفعل مسقطاً للتكليف كما أنّ العجز العقلي عن الفعل مسقطاً للتكليف، أو أنّه لا يُلحق به ؟
هذا المقدار في الجملة ممّا لا إشكال فيه، أساس النزاع هو أنّه هل الدخول في محل الابتلاء يعتبر شرطاً في التكليف كما أنّ القدرة العقلية تعتبر شرطاً في التكليف ؟ هل القدرة العرفية أيضاً شرط في التكليف، أو لا ؟ إذا قلنا أنّ القدرة العرفية الذي نعبّر عنها بالدخول في محل الابتلاء، شرط في التكليف، فلابدّ من الالتزام بسقوط التكليف عند خروج المتعلّق عن محل الابتلاء؛ لأنّ القدرة العرفية شرط في ثبوت التكليف. هذا إذا ألحقنا القدرة العرفية بالقدرة العقلية، كلٌ منهما شرط في التكليف، فيسقط التكليف عند انتفاء القدرة العرفية، يعني عند العجز العرفي، يعني عند خروج المتعلّق عن محل الابتلاء. وإذا قلنا أنّ القدرة العرفية لا تُلحقبالقدرة العقلية، فلا داعي لسقوط التكليف بمجرّد خروج متعلّقه عن محل الابتلاء؛ بل يبقى بالرغم من العجز العرفي عن الفعل. هذا هو عمدة النزاع في المقام.
ذهب المشهور إلى الإلحاق، المشهور يرى أنّه كما يُشترط في التكليف القدرة العقلية كذلك يُشترط فيه القدرة العرفية، فلا يتعلّق التكليف بما هو خارج عن القدرة العقلية، يعني في حالة العجز العقلي يسقط التكليف، كذلك في حالة العجز العرفي يسقط التكليف؛ لأنّ التكليف مشروط بالدخول في محل الابتلاء، يعني مشروط بالقدرة العرفية. السيد الخوئي(قدّس سرّه) أنكر هذا الاشتراط كما ذكرنا النتيجة التي انتهى إليها قبل قليل، وذكر بأنّ التكليف ليس مشروطاً بالدخول في محل الابتلاء، يعني ليس مشروطاً بالقدرة العرفية. نعم، هو مشروط بالقدرة العقلية، لكنّه ليس مشروطاً بالقدرة العرفية، فيصحّ أن يتعلّق التكليف بما هو خارج عن محل الابتلاء، وبهذا خالف المشهور.
قبل الدخول في محل النزاع لابدّ من الإشارة إلى شيء، وهو أنّ اتفاق القوم، كما يظهر من كلماتهم، على سقوط التكليف في حالة العجز العقلي عن ارتكابه، يعني الاضطرار العقلي إلى ترك الشيء، وبالتالي يترتب على سقوط التكليف في حالة العجز العقلي سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية وانحلاله في ما لو كان أحد أطرافه غير مقدور عقلاً وكان متقدّماً على العلم الإجمالي، الكلام يقع في أنّ هذا الانحلال في العجز العقلي، يعني في الاضطرار إلى الترك عقلاً، هل هو انحلال حقيقي أو هو انحلال حكمي. في مورد الاتفاق وليس في خروج الطرف عن محل الابتلاء، الكلام ليس في العجز العرفي، وإنّما في العجز العقلي الذي اتفقوا على أنّه يُسقِط التكليف، وأنّ التكليف مشروط بعدم العجز العقلي، يعني بعدم القدرة العقلية، فلو كان أحد الطرفين غير مقدور عقلاً، ثمّ علم إجمالاً بنجاسته، أو نجاسة الطرف الآخر الموجود فعلاً المقدور، هنا لا إشكال عندهم في سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز؛ لأنّه لا يوجد علم بتكليفٍ فعليٍ على كل تقدير. الكلام في أنّ هذا الانحلال وسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز هل هو نتيجة الانحلال الحقيقي، أو نتيجة الانحلال الحكمي.
بعبارةٍ أخرى: أنّ اتفاقهم على سقوط التكليف في حالة العجز العقلي، واتفاقهم على سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز إذا كان أحد أطرافه غير مقدور عقلاً، هذا هل يستلزم أن يكون الانحلال والسقوط عن المنجّزية بسبب الانحلال الحقيقي، أو لا ؟ قد يقال: أنّه لا يستلزم ذلك، بمعنى أنّ الانحلال في موارد العجز العقلي ليس انحلالاً حقيقياً، وإنّما هو انحلال حكمي، ومن هنا قد يُفرّق بين حالة العجز العقلي التي نتحدّث عنها الآن، يعني حالة الاضطرار إلى الترك عقلاً، وبين حالة الاضطرار التي تقدّم بحثها في المسألة السابقة في المقام الأوّل، في كلٍ منهما يوجد اضطرار وفي كلٍ منهما الاضطرار عقلي، في المسألة السابقة قلنا أنّ أحد ما يتحقق به الاضطرار هو مسألة العجز العقلي، حيث قلنا أنّ العجز تارةً يكون عقلياً، وتارةً يكون عجزاً شرعياً، وتارةً يكون عجزاً بمرتبة الحرج والضرر، فإذن: العجز العقلي داخل في المسألة السابقة، وهو أيضاً داخل في مسألتنا، الفرق بينهما هو أننّا هناك كنّا نفترض الاضطرار العقلي إلى الفعل، هو مضطر إلى أن يشرب هذا الحرام اضطراراً عقلياً وليس اضطراراً شرعياً، ولا اضطراراً بمرتبة الحرج والضرر، وإنّما هو اضطرار عقلي، وقلنا أنّ هذا يدخل في ذاك الكلام، لكن كنّا نفترض الاضطرار إلى الفعل كما في هذا المثال: اضطر إلى شرب ما في هذا الإناء اضطراراً عقلياً، ثمّ علم إجمالاً إمّا أنّ هذا الإناء نجس، أو إناء آخر نجس، هنا يسقط التكليف، ويسقط العلم الإجمالي عن التنجيز بلا إشكال، وتقدّم أنّ الانحلال هو انحلال حقيقي، باعتبار أنّ الاضطرار يرفع التكليف حقيقة، وهذا معناه أنّ الانحلال حقيقي، يعني تبدّل العلم الإجمالي إلى علم بعدم ثبوت التكليف في هذا الطرف المضطر إليه، واحتمال ثبوته في الطرف الآخر، يعني تبدّل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشكٍ بدوي، وهذا هو معنى الانحلال الحقيقي، فتبدّل إلى علم بعدم الحرمة في طرفٍ وشكِ بدوي في طرفٍ آخر، وهذا معناه الانحلال الحقيقي. الكلام في أنّ الاضطرار في المقام هل يوجب الانحلال الحقيقي، هو يوجب سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز، لكن هل يوجب الانحلال الحقيقي على غرار الاضطرار إلى الفعل في المسألة السابقة ؟ في المقام نحن نتكلّم عن الاضطرار إلى الترك وليس الاضطرار إلى الفعل، فالاضطرار إلى الفعل كان في المسألة السابقة، وهو يوجب الانحلال الحقيقي على ما بيّنّا، الاضطرار إلى الترك، عندما يكون المكلّف مضطراً إلى ترك الحرام، بمعنى أنّه عاجز عقلاً عن الفعل، أصلاً هو عقلاً غير قادر على ارتكاب الحرام، فهو مضطر إلى تركه اضطراراً عقلياً، هذا الاضطرار العقلي إلى الترك يوجب سقوط التكليف وسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز لو كان أحد أطرافه من هذا القبيل، لكن الكلام في أنّ الانحلال هنا هل هو انحلال حقيقي، أو انحلال حكمي ؟