35/11/28


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ انحلال العلم الإجمالي
كان الكلام في انحلال العلم الإجمالي انحلالاً حكمياً بالإمارات والأصول: وقد ذكرنا أنّه في ما يقع الكلام فيه تجري كل الوجوه التي ذُكرت لانحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي انحلالاً حكميّاً، هذه الوجوه المتقدّمة لإثبات الانحلال الحكمي هناك إذا تمّت، فهي تجري في محل الكلام أيضاً، وبعضها تامّ هناك على ما تقدّم في إثبات الانحلال الحكمي بناءً على ما هو الصحيح كما تقدّم من أنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع، فأنّ أحد الوجوه المتقدّمة لإثبات الانحلال هو أنّ الأصل لا يجري في مورد العلم التفصيلي؛ لارتفاع موضوعه؛ لأنّ موضوعه الشكّ، ولا شكّ مع العلم التفصيلي، فيجري الأصل في الطرف الآخر بلا معارض، هذا بنفسه يجري في محل الكلام؛ لأنّ مورد الإمارة أيضاً لا يجري فيه الأصل المؤمّن، مورد الأصل المثبت للتكليف كالاستصحاب أيضاً لا يجري فيه الأصل المؤمّن، الأصل المنجّز للتكليف أيضاً لا يجري فيه الأصل المؤمّن، فبالنتيجة يجري الأصل في الطرف الآخر بلا معارضٍ. فالانحلال الحكمي في محل الكلام واضح.
بعد ذلك نقول: أنّ الانحلال الحكمي في محل الكلام يُشترط فيه نفس ما اشترط في الانحلال الحكمي بالعلم التفصيلي، حيث ذكرنا سابقاً أنّ الانحلال الحكمي بالعلم التفصيلي يُشترط فيه عدم تأخّر العلم التفصيلي عن العلم الإجمالي، فإذا لم يتأخّر يثبت الانحلال الحكمي، وأمّا إذا فرضنا أنّ زمان العلم التفصيلي كان متأخّراً عن زمان العلم الإجمالي، قلنا لا انحلال؛ لأنّه قبل زمان العلم التفصيلي، لا منجّز للطرف الذي تعلّق به العلم التفصيلي؛ لأنّه في فترة ما قبل حصول العلم التفصيلي، الذي ينجّز التكليف في هذا الطرف هو العلم التفصيلي، أمّا قبل العلم التفصيلي، فلا منجّز للتكليف في هذا الطرف، فيجري فيه الأصل المؤمّن بلحاظ فترة ما قبل حصول العلم التفصيلي، ويُعارض هذا الأصل المؤمّن بالأصل المؤمّن في الطرف الآخر، وهذا يوجب تنجيز العلم الإجمالي، وعدم انحلاله انحلالاً حكميّاً؛ لأنّ الأصل في الطرف الآخر له معارض، فلا يتحقق الانحلال الحكمي إلاّ إذا كان العلم التفصيلي معاصراً للعلم الإجمالي. هذا الشرط بنفسه يجري في محل الكلام، غاية الأمر نُبدّل العلم التفصيلي بالإمارة، أو الأصل المثبت للتكليف، هنا أيضاً نقول يُشترط في الانحلال الحكمي أن لا يتأخّر هذا المثبت للتكليف كالإمارة، أو الأصل، عن العلم الإجمالي زماناً، وإلاّ إذا تأخّر المثبت للتكليف كالإمارة في أحد الطرفين بعينه، أو المنجّز للتكليف بعينه، إذا تأخّر زماناً عن العلم التفصيلي، فلا انحلال حكماً لنفس السبب السابق، وهو أنّه قبل قيام الإمارة، وقبل قيام الأصل المثبت للتكليف، لا منجّز لهذا الطرف، احتمال التكليف فيه لم يتنجّز بمنجّز في تلك الفترة، فإذا لم يتنجّز بمنجّز في تلك الفترة، فيمكن أن يكون مورداً للأصل المؤمّن، فيُعارَض هذا الأصل المؤمّن بالأصل المؤمّن في الطرف الآخر، فالأصل المؤمّن في الطرف الآخر له معارض، وهذا معنى عدم الانحلال الحكمي بنفس السبب السابق، فإذن: يُشترط في محل الكلام أيضاً عدم تأخّر زمان الإمارة، أو الأصل المثبت للتكليف، أنّ لا يتأخّر عن العلم التفصيلي. هذا شرط أساسي في محل الكلام وفي كل انحلالٍ حكميٍ.
هذا الشرط الذي لا إشكال في الانحلال الحكمي معه، قد يثار عليه إشكال، وحاصله: أنّ الغرض الأساسي من بحث انحلال العلم الإجمالي بالإمارات والأصول المثبتة للتكليف في بعض الأطراف بعينه، الغرض الأساسي هو الرد على علمائنا الأخباريين إلى وجوب الاحتياط في الشبهات باعتبار وجود علمٍ إجمالي بثبوت جملةٍ من التكاليف في الشريعة المقدّسة، يوجد علم إجمالي بثبوت تكاليفٍ إلزاميةٍ في الشريعة المقدّسة، قالوا أنّ مقتضى هذا العلم الإجمالي هو وجوب الاحتياط في كل شيءٍ إلى أن يدلّ دليل على عدم وجوب الاحتياط، لكن مقتضى العلم الإجمالي، كما هو الحال في كلّ علمٍ إجمالي، أنّه ينجّز وجوب الاحتياط وينجّز وجوب الموافقة القطعية، فلابدّ من الاحتياط، فكل شبهةٍ تعرض لك ولا تجد عليها دليلاً يجب عليك الاحتياط، في الشبهات الوجوبية بأن تأتي بها، وفي التحريمية بأن تتركها، ودليلهم على ذلك هو العلم الإجمالي بوجود تكاليفٍ إلزاميةٍ في الشريعة المقدّسة، وكل شبهةٍ آخذها هي طرف من أطراف هذا العلم الإجمالي، فيجب فيه الاحتياط، لاحتمال أن يكون التكليف المعلوم بالإجمال موجوداً في هذه الشبهة، فيُحتمل انطباق المعلوم بالإجمال على هذه الشبهة، فيجب فيها الاحتياط؛ لأنّها طرف من أطراف العلم الإجمالي بالنتيجة.
وقع الكلام في مقام الردّ عليهم، أنّ هذا العلم الإجمالي هل هو منحل، أو غير منحل ؟ فذُكر هذا الكلام للرد على هذه الشبهة، فقالوا: أنّ هذا العلم الإجمالي بوجود تكاليفٍ إلزاميةٍ في الشريعة المقدّسة ينحلّ بعد الفحص والعثور على جملة من الإمارات تثبت تكاليفاً في بعض الشبهات المُعيّنة، فينحلّ العلم الإجمالي بالإمارات، وهذا هو محل كلامنا، يوجد علم إجمالي بأنّه إمّا هذا نجس، أو هذا نجس، قامت إمارة على أنّ هذا الطرف نجس، فينحلّ العلم الإجمالي انحلالاً حكميّاً بهذه الإمارة، في هذا العلم الإجمالي الذي إدّعاه الأخباريون أُجيب عنه بأنّ هذا العلم الإجمالي ينحلّ بعد قيام الإمارات المعتبرة على إثبات جملةٍ من التكاليف في جملةٍ من الشبهات لا تقلّ عن عدد المعلوم بالإجمال ـــــــــــــ وهذا الشرط الآخر للسيد سيأتي الحديث فيه ـــــــــــ فينحلّ العلم الإجمالي، فلا يجب الاحتياط في ما عدا ما قامت عليه الإمارات المعتبرة من تكاليف؛ لأنّ العلم الإجمالي أنحلّ انحلالاً حكميّاً، فلا مانع من إجراء الأصل المؤمّن في الشبهات الأخرى غير مورد الإمارات المعتبرة؛ لانحلال العلم الإجمالي انحلالاً حكميّاً، فإذا وردت إلينا شبهة ليس فيها إمارة معتبرة تثبت التكليف فيها، لا مانع من الرجوع إلى اصالة البراءة، لانحلال العلم الإجمالي انحلالاً حكميّاً، هكذا أجابوا.
الإشكال يقول: أنّ هذا الجواب غير صحيحٍ؛ لأنّكم تشترطون في انحلال العلم الإجمالي أن لا تتأخّر الإمارة زماناً عن العلم الإجمالي، هذا الذي يثبت التكليف في بعض الأطراف بعينه يجب أن لا يتأخّر عن العلم الإجمالي زماناً، وإلاّ إذا تأخّر عن العلم الإجمالي زماناً، فلا انحلال حكمي حينئذٍ بالبيان السابق الذي تقدّم؛ لأنّ مورد الإمارة قبل قيام الإمارة لا منجّز له، فيكون مورداً للأصل المؤمّن، ويُعارَض بالأصل المؤمّن في الطرف الآخر، فلا انحلال حكمي.
إذن: شرط الانحلال الحكمي أن لا يتأخّر زمان العلم التفصيلي في موارد العلم التفصيلي، زمان الإمارة، أو الأصل المثبت للتكليف، لا يتأخّر عن زمان العلم الإجمالي. هذا الشرط غير متحقق في فرض الأخباريين؛ لأنّ الإمارة تحصل عند المكلّف بعد الفحص، تدريجياً تحصل له الإمارات المعتبرة الدالة على ثبوت التكليف في جملةٍ من الشبهات، يعني تحصل بعد زمان العلم الإجمالي، كلّ مكلّف عندما يبلغ يحصل عنده علم إجمالي بثبوت تكاليفٍ إلزاميةٍ في الشريعة المقدّسة، بلا إشكال، لكن تقوم عنده الإمارات في زمانٍ متأخّرٍ، فهو يفحص وحينئذٍ يعثر على جملةٍ من الإمارات تثبت تكاليفاً في شبهاتٍ معيّنةٍ، فمعناه أنّ زمان الإمارة متأخّر عن زمان العلم الإجمالي، والمفروض أنّ هذا لا يحقق الانحلال الحكمي؛ لأنّ شرط الانحلال الحكمي عدم تأخّر زمان قيام الإمارة عن زمان العلم الإجمالي، وهنا تأخّر، فلا انحلال، فيبقى العلم الإجمالي على حاله يُنجّز ويمنع من الرجوع إلى الأصل المؤمّن في سائر الشبهات؛ حينئذٍ لا يتحقق الغرض من هذا البحث؛ لأنّ الغرض من هذا البحث هو ردّ شبهة الأخباريين والجواب عن هذا الإشكال، بينما إذا اشترطنا في الانحلال عدم التأخّر، هذا سوف لن يكون جواباً عن الإشكال.
من هنا تصدّى جملة من المحققين، وذكر هذا السيد الخوئي(قدّس سرّه) في تقريراته،[1] إلى الجواب عن هذا الإشكال، وحاصل ما ذكروه هو: أنّ تنجيز الإمارة لمؤدّاها غير منوطٍ وغير مرتبط بالوصول، كون الإمارة منجّزة لمؤدّاها، هذا الشيء يتحقق قبل وصولها إلى المكلّف، يكفي في منجّزية الإمارة لمتعلّقها كونها في معرض الوصول إلى المكلّف بحيث لو فحص المكلّف عنها لوجدها، ولو لم تصل إليه، ما دام هي في معرض الوصول، ما دام الإمارة لو فحص عنها المكلّف لوصل إليها هي تكون منجّزة لمؤدّاها، ويثبت لها التنجيز. إذا آمنا بهذه الفكرة؛ حينئذٍ، قالوا في مقام الجواب بأنّه ليكن قيام الإمارة عند المكلّف متأخّراً عن زمان العلم الإجمالي، لكن الإمارة بوجودها الواقعي وليس بوجودها الواصل، الإمارة بوجودها الواقعي هي منجّزة لمؤدّاها بشرط أن تكون في معرض الوصول، بشرط أن تكون لو فحص عنها المكلّف لوصل إليها، فهي بوجودها الواقعي تكون منجّزة.
إذن: المنجّز للتكليف ليس هو الإمارة بوجودها الواصل حتّى يقال أنّ الإمارة بوجودها الواصل متأخّر عن زمان العلم الإجمالي، فلا يتحقق شرط الانحلال الحكمي، وإنّما المنجّز هو الإمارة بوجودها الواقعي، إذا كانت في معرض الوصول، وهذا المنجّز معاصر لزمان العلم الإجمالي، المكلّف الذي يعيش في هذه الأزمنة، أو في الأزمنة الأخرى عندما يعلم إجمالاً بوجود تكاليف في الشريعة ويحتمل وجود إمارات تدلّ على جملةٍ من هذه التكاليف، وهذه الإمارات لو فحص عنها لعثر عليها. إذن: الإمارات المثبتة للتكليف هي في معرض الوصول، فتكون مقارنة للعلم الإجمالي، وبذلك يتحقق شرط الانحلال الحكمي. دفعوا الإشكال بهذا الشكل.
من الواضح أنّ هذا الجواب عن الإشكال الذي ذكروه يتوقف على الإيمان بالفكرة التي طرحوها، وهي أنّ منجّزية الإمارة لمؤدّاها لا تتوقف على وصول الإمارة، غير منوطة، أو مشروطة بالوصول؛ بل الإمارة بوجودها الواقعي تكون منجّزة لمؤدّاها إذا كانت في معرض الوصول، وإن لم تصل فعلاً. وأمّا إذا أنكرنا هذا كما أنكره صاحب الكفاية(قدّس سرّه) وقال أنّ التنجيز في الإمارة منوط بالوصول الفعلي، قبل ذلك لا تكون الإمارة منجّزة بشيء، إذا آمنا بما يقوله صاحب الكفاية(قدّس سرّه) حينئذٍ لا يتم هذا الجواب.
من جهةٍ أخرى أنّ هذا الجواب، الظاهر أنّه لا يتم في موارد العلم التفصيلي؛ لأنّه في بعض الأحيان قد نفترض أنّ المكلّف يعلم ببعض الأحكام الشرعية علماً تفصيلياً، وليس باعتبار قيام الإمارة، وإنّما يحصل عنده علم وجداني ببعض التكاليف الإلزامية، مثل وجوب الصلاة ووجوب الحج، أمور ثابتة بالعلم الوجداني التفصيلي، هذا الجواب لا يتم في ما لو كان المثبت للتكليف في بعض الشبهات علماً تفصيلياً؛ لأنّه العلم التفصيلي لا يردفيه هذا الحديث، المنجّز لهذا الطرف الذي قام عليه العلم التفصيلي هو العلم التفصيلي، قبل ذلك ليس هناك منجّز له، وليس مثل الإمارة، الإمارة موجودة في معرض الوصول، قد يقال أنّ كون الإمارة في معرض الوصول تنجّز هذا الطرف، وإن لم تصل إلى المكلّف، العلم التفصيلي ليس هكذا، إذا وجد العلم التفصيلي فأنّه ينجّز معلومه، وإذا لم يوجد العلم فلا منجّز لهذا المعلوم، وليس هناك شيء قبل العلم التفصيلي حتّى نشير إليه ونقول أنّ هذا الشيء هو الذي ينجّز المعلوم، بعكس الإمارة، فهذا الكلام قد يتم في الإمارة، لكّنه لا يتم في جميع الموارد، لا يتمّ في العلم التفصيلي إذا كان المثبت للتكليف في بعض الشبهات هو العلم التفصيلي، ومن هنا قد يكون ما ذكره السيد الشهيد(قدّس سرّه) هو الجواب الأصح في المقام عن الإشكال، وحاصل هذا الجواب هو أن نقول: أنّ هذا الإشكال اساساً لا موضوع له بناءً على ما هو الصحيح في تفسير الأحكام الظاهرية. نعم، هذا الإشكال يتوجّه بناءً على التفسير الآخر للأحكام الظاهرية.[2]
توضيح المطلب: تارة تُفسّر الأحكام الظاهرية على أنّها أحكام ناشئة من ملاكٍ في نفس جعلها وإنشائها، لا في المتعلّق، وهناك مبنى يلتزم بهذا، ويترتّب على هذا الرأي عدم وجود تضاد بين حكمين ظاهريين، ولا يوجد تنافٍ بين حكمين ظاهرين؛ لأنّ ملاك هذا الحكم قائم في نفس جعله، وملاك ذاك الحكم قائم في نفس جعله، والجعل متعدد، وأيّ ضيرٍ في أن يكون ملاك هذا الحكم في هذا الجعل، وملاك ذاك الحكم في ذاك الجعل ؟ لا مشكلة في هذا، الملاك ليس في المتعلّق، لا مانع من أن يكون شيء واحد محكوماً عليه بالاحتياط كحكم ظاهري، ومحكوماً عليه بالبراءة، ليس هناك تضاد، لو كان ملاك البراءة موجوداً في متعلّقه، في الفعل، وملاك الاحتياط في الفعل يلزم التضاد؛ لأنّ الفعل الواحد لا يمكن أن يكون فيه ملاك الاحتياط وملاك البراءة، لكن على هذا المبنى يقول أنّ ملاك الحكم الظاهري قائم في نفس جعله وإنشائه لا في المتعلّق، جعل هذا الحكم غير جعل هذا الحكم، فملاك الاحتياط قائم في جعل هذا، وملاك البراءة قائم في جعل البراءة، والجعل متعدد، فلا منافاة ولا تضاد بين الحكمين الظاهريين.
الرأي الآخر هو الذي تقدّم ذكره سابقاً، والذي يلتزم به السيد الشهيد(قدّس سرّه)، أنّ الأحكام الظاهرية هي عبارة عن إبراز الاهتمام بالأحكام الواقعية، أو إبراز عدم الاهتمام بالأحكام الواقعية، الاحتياط يعني إبراز الاهتمام بالأحكام الواقعية الإلزامية، والبراءة يعني إبراز عدم الاهتمام بالأحكام الواقعية الإلزامية عندما يحصل اختلاط في ما بينها في مقام الحفظ، فالشارع يجعل البراءة؛ لأنّه لا يهتم بالأحكام الالزامية الواقعية، فحتّى لو فاتت الأحكام الواقعية الالزامية، مصلحة إطلاق العنان عنده أهم، إذا جعل الاحتياط معناه أنّه يهتم بملاكات الأحكام الواقعية المتزاحمة تزاحماً حفظياً، فيُلزمه بالاحتياط، وإن فاتته مصلحة إطلاق العنان، فالأحكام الظاهرية هي عبارة عن إبراز الاهتمام بالأحكام الواقعية وملاكاتها، أو إبراز عدم الاهتمام بها. يترتب على هذا الرأي أنّ الأحكام الظاهرية متضادّة بأنفسها كما هو الحال في الأحكام الواقعية، فكما أنّ الأحكام الواقعية متضادّة، ولا يمكن أن يكون الشيء الواحد واجباً وحراماً في آنٍ واحدٍ، الأحكام الظاهرية أيضاً متضادّة؛ لأنّ هذا الحكم يُعبّر عن شدّة اهتمام المولى بالإحكام الواقعية الإلزامية، بينما البراءة يُعبّر عن عدم اهتمامه بملاكات الأحكام الالزامية الواقعية، فلا يمكن الجمع بينهما؛ لأنّهما متضادان، أو متناقضان، لا يمكن أن يكون بلحاظ الشيء الواحد الشارع يهتمّ به اهتماماً شديداً، وفي نفس الوقت لا يهتم، فلا يجتمع(يهتم)، و(لا يهتم)، يُبرز اهتمامه، ويبرز عدم اهتمامه لا يمكن الجمع بينهما، ومن هنا يحصل التضاد بين الأحكام الظاهرية في أنفسها، بقطع النظر عن عالم المحرّكية؛ لأنّه على الرأي الأوّل، القول بعدم وجود تضاد بين الأحكام الظاهرية في حدّ أنفسها، لكن هذا لا يمنع أن نقول بينها تضاد في عالم المحرّكية، حتّى على الرأي الأوّل، بالنتيجة الاحتياط يمنع المكلّف من الإقدام في عالم المحرّكية، والبراءة تطلق له العنان، وهذان متنافيان، لكن كلامنا ليس في عالم المحرّكية، الأحكام الظاهرية بلا إشكال بعد وصولها تكون متضادّة ومتنافية، كلامنا بلحاظ أنفسها، هذا حكم ظاهري بالاحتياط، وهذا براءة، هل بينهما تنافٍ، أو لا ؟ على الرأي الأوّل ليس بينها تنافٍ، وعلى الرأي الثاني يثبت التنافي في ما بينها.
إذا أصبحت هذه المقدّمة واضحة؛ حينئذٍ نأتي إلى الجواب، يقال في مقام الجواب: عندما يكون هناك تضاد واقعي حقيقي بين الأحكام الظاهرية؛ حينئذٍ بقيام الإمارة المثبتة للتكليف في بعض الشبهات، نستكشف عدم ثبوت البراءة من أوّل الأمر؛ لأنّهما متضادان، والدليل الذي يدلّ على أحد المتضادّين نكشف منه عدم ثبوت الآخر من البداية، ليس عدم ثبوت البراءة من الآن، وإنّما عدم ثبوت البراءة من أوّل الأمر، إذا كانت هناك إمارة مثبتة للتكليف، وهذه الإمارة حجّة ومعتبرة تمثل حكماً ظاهرياً اعتبارها، وهي إمارة أيضاً، هذا يكشف عن عدم ثبوت البراءة من أوّل الأمر، وإذا كشف عن عدم ثبوت البراءة من أوّل الأمر لا مانع من إجراء البراءة في الطرف الآخر بلا معارضٍ، فينحلّ العلم الإجمالي انحلالاً حكميّاً، بخلاف ما إذا قلنا بالمبنى الأوّل؛ لأنّه لا يوجد تضاد بينهما، فقيام الإمارة على إثبات التكليف، وكون الإمارة حجّة لا يكشف إطلاقاً عن عدم ثبوت البراءة من أوّل الأمر، فتثبت البراءة في مورد قيام الإمارة، وتُعارض هذه البراءة بالبراءة في الطرف الآخر، وبهذا لا ينحل العلم الإجمالي حكماً، فتثبت الشبهة، فجواب الشبهة مبني على هذا.