35/06/21


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ منجّزية العلم الإجمالي
قلنا أنّ هناك اعتراضات على النقض الثاني
الاعتراض الأوّل: هو ما يُستفاد من كلمات المحقق النائيني(قدّس سرّه) في تقريريه، ومحصل ما يُستفاد من كلماتههو التعرّض إلى أمرين:[1]
الأمر الأوّل: أنّ التخيير في باب تعارض الأصول وإن كان ممكناً في حدّ نفسه إلاّ أنّه لا دليل عليه.
الأمر الثاني: أنّ الإطلاق محال، وعندما يكون الإطلاق محالاً فالتقييد أيضاً يكون محالاً؛ لأنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق وبالعكس، فإذا كان الإطلاق محالاً فالتقييد أيضاً يكون محالاً.
الأمر الأوّل واضح ما هو المراد به، لا دليل على التخيير في المقام، وسنوضّح كيف يقول لا دليل على التخيير في المقام. وأمّا الثاني فتطبيقه في محل الكلام يكون باعتبار أنّ إطلاق الأصل في كلا الطرفين محال؛ لأنّ إطلاق الأصل في كلا الطرفين يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية والمفروض استحالة الترخيص في المخالفة القطعية، فإذا كان إطلاق الترخيص في كلا الطرفين محالاً؛ حينئذٍ يكون تقييد الترخيص محالاً أيضاً، وتقييد الترخيص هو النتيجة التي يفترضها صاحب النقض ويريد أن يقول بأنّ الأصل يجري في كلا الطرفين لكن مقيداً بعدم ارتكاب الطرف الآخر، يقول بأنّ هذا التقييد محال؛ لأنّ إطلاق الأصل في كلا الطرفين محال، واستحالة الإطلاق تستلزم استحالة التقييد.
بالنسبة إلى الأمر الأوّل الذي ركّز عليه في أحد تقريريه وهو أنّ التخيير في إعمال الأصول في الطرفين أمر ممكن، لكنّه لا دليل عليه، باعتبار أنّ دليل الأصل يقتضي جريانه في كل طرفٍ بعينه وليس مفاده هو إجراء الأصل في أحد الطرفين مخيّراً بينهما، هذا مفاد لا يُستفاد من دليل الأصل.
وبعبارةٍ أخرى : أنّ مفاد الأصل هو الترخيص التعييني لا الترخيص التخييري، وهذا لا يُستفاد من دليل الأصل حتّى نقول أنّ مفاد الأصل هو ذلك، مجرّد أنّه لا يصحّ الجمع بين الترخيصين وبين الأصلين بأن يجريان معاً في الطرفين، هذا لا يوجب الحكم بالتخيير؛ لأنّ التخيير كسائر الأحكام الشرعية يحتاج إلى دليل، ودليل الأصل ليس مفاده التخيير في إعمال الأصل، ليس مفاده الترخيص التخييري، وإنّما مفاده الترخيص التعييني. هذا ذكره في ضمن كلامه. القضية إذا بقيت بهذا الشكل أنّه فقط مجرّد أنّه لا دليل على الترخيص التخييري. [2]
المحقق العراقي(قدّس سرّه) يجيب عن ذلك: يقول: أنّ الدليل قام على الترخيص التخييري والدليل هو عبارة عن التقرير الذي ذكره في أصل النقض، نفس التقرير هو يكون دليلاً على الترخيص التخييري، والتقرير هو أنّ القائل بالاقتضاء يعترف بأنّ الأصل في حدّ نفسه يجري في كلٍ من الطرفين؛ فحينئذٍ نقول أنّ إجراءه في كلا الطرفين مطلقاً محال، بأن يكون الأصل في هذا الطرف مطلق لحالة ارتكاب الآخر وترك الآخر، وهكذا العكس، هذا يؤدي إلى الترخيص في المعصية، وهذا محال، إجراء الأصل في أحد الطرفين غير ممكن؛ فحينئذٍ يدور الأمر كما ذُكر في النقض المتقدّم بين رفع اليد عن شمول دليل الأصل لكلا الطرفين وبين أن نعترف بشمول دليل الأصل لكلا الطرفين ونرفع اليد عن إطلاقهما لحالة ارتكاب الآخر، فإذا دار الأمر بين هما يأتي الحديث السابق أنّه يتعيّن الثاني إمّا بالتقريب الأوّل، أو بالتقريب الثاني المتقدّمين، ويقول هذا هو الدليل على الترخيص التخييري.[3]
بعبارةٍ أخرى: أنّ مقتضى الجمع كما ذكر المحقق العراقي(قدّس سرّه) ذلك، بين الدليل الدال على شمول دليل الأصل العملي الذي هو يشمل كلاً من الطرفين بحدّ نفسه بحسب الفرض، الجمع بين دليل الأصل العملي وبين الحكم العقلي باستحالة الترخيص في كلا الطرفين مطلقاً هو أن نلتزم بشمول دليل الأصل لكلا الطرفين ونقيّد الإطلاق في كلٍ منهما، وهذا ينتج شمول الترخيص لكلا الطرفين، لكن مشروطاً بترك الآخر، وهذا هو معنى التخيير. إذن: مقتضى الأدلّة هو التخيير، ولا يصح أن نقول أنّ التخيير ليس عليه دليل، المحقق العراقي(قدّس سرّه) يقول قام عليه دليل والدليل هو التقريب الذي ذُكر في أصل النقض، لكن المحقق النائيني(قدّس سرّه) لا يكتفي بهذا المقدار، مجرّد أنّه ليس عليه دليل؛ بل حاول إبطال التقريب الذي يبتني عليه النقض، فأنّه ذكر هذا التقريب بعنوان أنّه غاية ما يمكن أن يقال في مقام تقريب التخيير وشبهة التخيير هو : أنّ دليل الأصل يقتضي ثبوت الرخصة في كل واحدٍ من الطرفين، هذا بناءً على الاقتضاء المسلّم أنّ دليل الأصل يقتضي ثبوت الترخيص في كل واحدٍ من الطرفين، مقتضى إطلاق هذا الدليل الذي يشمل كل واحدٍ من الطرفين هو ثبوت الرخصة مطلقاً، يعني ثبوت الرخصة في هذا مطلقاً وثبوت الرخصة في هذا مطلقاً، وحيث أنّ هذا الإطلاق يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية وهو محال، فلابدّ من رفع اليد عن هذا الإطلاق وتكون النتيجة هي جواز ارتكاب كل واحدٍ من الطرفين، لكن مشروطاً بترك الآخر؛ لأنّ الأمر يدور بين خروج كل واحدٍ من الطرفين من دليل الأصل الذي هو يعني التخصيص الأفرادي وبين خروجه عن دليل الأصل في حالة ارتكاب الآخر، هذا يخرج عن دليل الأصل في حالة ارتكاب الآخر، وليس فيه ترخيص، وذاك أيضاً يخرج عن دليل الأصل في حالة ارتكاب الأوّل، يدور الأمر بينهما والمتعيّن هو الثاني. يقول: هذا غاية ما يمكن أن يقال في مقام تقريب الشبهة.[4]
أجاب عن هذا في أجود التقريرات: بأنّ عدم جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي، أو بحسب تعبيره إجراء الأصل في الطرفين جمعاً، يعني في كلا الطرفين، عدم جواز إجراء الأصل في أطراف العلم الإجمالي يمكن تصوّره على نحوين:
النحو الأوّل: أن يكون عدم جواز إجراء الأصل في كلا الطرفين يكون بسبب وجود دليل خاص يخصص عموم دليل الأصل، فكأنّه يوجد عند دليلان، دليل الأصل ودليل آخر يخصص عموم دليل الأصل، وهذا الدليل المخصص لعموم دليل الأصل يدور أمره بين أن يكون تخصيصه له تخصيصاً أفرادياً وبين أن يكون تخصيصه له تخصيصاً أحوالياً، في هذه الحالة التقريب المتقدّم يكون تامّاً وصحيحاً ولا غبار عليه، بمعنى أنه صحيح ما ذُكر في النقض؛ لأنّه يتعيّن الالتزام بالتخصيص الأحوالي ولا نرفع اليد عن عموم دليل الأصل في كونه شاملاً لكلا الطرفين وإنّما يتعيّن أن نرفع اليد عن إطلاق دليل الأصل لكلا الطرفين، نرفع اليد عن إطلاق الأصل في هذا الطرف وعن إطلاق الأصل في ذلك الطرف، يقول هذا هو المتعيّن في هذا النحو الأوّل، ويُمثّل لذلك بهذا المثال الذي يطرحوه، إذا ورد عام(أكرم العلماء) وقام دليل على تخصيص هذا العام بالنسبة إلى زيدٍ وعمرو، خرجا عن العام، لكن دار أمر هذا المخصص بسبب الإجمال، أو لأي سبب آخر دار أمر هذا المخصص بين أن يكون تخصيصه للعام تخصيصاً أفرادياً بأن يخرج من العام زيد وعمرو مطلقاً، أصلاً لا يشملهما العام، وهو التخصيص الأفرادي، وبين أن يكونا خرجا من العام في حالة دون حالة وليس مطلقاً، زيد يخرج من العام في حالة إكرام عمرو، وعمرو يخرج من العام في حالة إكرام زيد، لكن زيد يبقى مشمولاً للعام في حالة عدم إكرام عمرو، وعمرو أيضاً يبقى مشمولاً للعام في حالة عدم إكرام زيد، دار الأمر في أن يكون هذا المخصص هل يخرج الفردين من عموم العام أساساً، أو يخرجهما من عموم العام في حالةٍ دون حالة، يقول: في هذه الحالة يصح ما ذُكر في التقريب ويقال بأنّ القدر المتيقن من تخصيص العام هو الثاني وهو الذي ذكرناه في الدرس السابق من أن خروج زيد عن العام في حالة إكرام عمرو متيقن على كل حال، سواء قلنا بالتخصيص الأفرادي، أو قلنا بالتخصيص الأحوالي، متيقن على كل حال، إذا قلنا بالتخصيص الأفرادي فزيد أساساً خارج عن العام، فهو يسقط بلحاظ كلتا الحالتين ولا يجب إكرامه في كلتا الحالتين، وإذا قلنا بانّه يخرج عن العام في حالة إكرام الطرف الآخر. إذن: إكرامه في حالة إكرام الطرف الآخر هو ساقط على كل حال، رفع اليد عن الإطلاق الأحوالي متيقن في محل الكلام، فإذا كان متيقناً؛ فحينئذٍ يتعيّن الثاني، فكل واحد من الطرفين لا يجب إكرامه عند إكرام الآخر؛ لأنّه عند إكرام الآخر لا يوجد إطلاق في دليل العام يشمل هذه الحالة، على كل حال، سواء قلنا بالتخصيص الأفرادي، أو بالتخصيص الأحوالي.
نعم، إذا لم يكرم الآخر؛ حينئذٍ يمكن التمسّك بالعام لإثبات وجوب إكرامه في حالة عدم إكرام عمرو إذا نأتي إلى زيد ونقول ليس هناك موجب لرفع اليد عن شمول دليل العام له في هذه الحالة؛ لأنّ ما تيقّنا خروجه عن العام هو إكرامه في حالة إكرام الآخر، هذا خرج عن العام، أمّا إكرامه في حالة عدم إكرام الآخر ليس لدينا يقين بخروجه عن العام، فيكون العام حجّة فيه وهذا هو معنى تقديم التخصيص الأحوالي على التخصيص الأفرادي، فيُلتزم بشمول دليل العام لهذا وهذا لكن على نحو مشروط يشمل هذا في حالة عدم إكرام ذاك، فيجب إكرام هذا في حالة عدم إكرام هذا، ويجب إكرام هذا في حالة عدم إكرام الأوّل لهذا الدليل الذي ذكره، ويقول بأنّ هذا هو المتحصّل من ضم الأخذ بالمقدار المتيقن من المخصص إلى العموم المفروض، مقتضى الجمع بين هذه الأدلّة ينتج هذه النتيجة؛ أنّ المكلّف يكون مخيّراً بين أن يكرم زيداً أو يكرم عمرو، إذا ترك إكرام عمرو يجب عليه إكرام زيد، وإذا ترك إكرام زيد يجب عليه إكرام عمرو تمسّكاً بعموم الدليل؛ لأنّه لم يقم ما يوجب سقوط العام عن الشمول لكلا الطرفين، يقول: هذه الفكرة إذا أردنا أن نطبقّها في محل الكلام، نذكر ما تقدّم من أنّه إذا فرضنا أنّه قام دليل على خروج أطراف العلم الإجمالي من دليل الأصل، الدليل يقوم على خروج العلم الإجمالي عن دليل الأصل وتردد هذا الدليل بين أن يكون إخراج أطراف العلم الإجمالي عن دليل الأصل هل هو إخراج أفرادي بأن لا يكون الأصل شاملاً لطرفي العلم الإجمالي اساساً وبين أن يكون خروجه خروجاً أحوالياً ولا يخرج عن شمول دليل الأصل أساساً؛ بل دليل الأصل يشمله، لكنّه لا يشمله في حالةٍ دون حالة، في هذه الحالة يصح ما ذكر من أنّه لابدّ من الاقتصار على القدر المتيقن، والقدر المتيقن هو عدم شمول دليل الأصل لهذا الطرف في حالة، وليس عدم شموله لهذا الطرف مطلقاً ولذاك الطرف مطلقاً، لهذا التخصيص الأفرادي؛ بل عدم شموله لهذا الطرف في حالة وعدم شموله لهذا الطرف في حالة معينة وهو معنى التخصيص الأحوالي.
النحو الثاني: أن نفترض أنّ خروج الطرفين عن دليل الأصل ليس لدليلٍ خاصٍ يقوم على خروجهما من دليل الأصل، وإنّما الموجب والمنشأ لعدم شمول دليل الأصل للطرفين هو محذور عقلي كما هو المفروض في محل الكلام، يوجد محذور عقلي يمنع من شمول دليل الأصل لكلا طرفي العلم الإجمالي، هذا المحذور العقلي هو الذي يكون موجباً لخروج الطرفين عن دليل الأصل. يقول إذا افترضنا هذا وهو المفروض في محل كلامنا، يعني نحن لا نفترض وجود دليلٍ خاصٍ يدلّ على خروج الطرفين من دليل الأصل العملي، وإنّما ليس لدينا سوى المحذور العقلي، هذا المحذور العقلي هو الموجود في محل الكلام، يقول: في هذا النحو لا يصح التقريب السابق، ويمكن أن يُستفاد من كلامه ذكر دليلين على عدم صحّة التقريب السابق في محل الكلام:[5]
الأمر الأول: أننا في محل الكلام باعتبار المحذور العقلي يكون جعل الترخيص وشمول الترخيص لكلا الطرفين محال ثبوتاً؛ لأنّ هناك محذور ثبوتي، محذور عقلي يمنع من شمول الأصل لكلا الطرفين، ومع وجود المحذور العقلي والاستحالة في عالم الثبوت لاتصل النوبة إلى الكلام عن أنّ هذا الأصل في هذا الطرف هل هو مطلق، أو مقيّد ؟ وهذا الأصل في هذا الطرف هل هو مطلق، أو مقيد ؟ حتى نقول لا داعي لرفع اليد عن شمول الأصل أساساً لهذا الطرف، وإنّما يلتزم بتقييده، يقول: هذا لا معنى له بعد فرض استحالة جعل الأصل جعل الترخيص في كلا الطرفين لوجود المحذور الثبوتي، اصلاً لا تنتهي النوبة إلى الكلام عن أنّ الأصل في هذا الطرف هل هو مطلق، أو هو مقيّد ؟ الأصل عندما يشمل هذا الطرف هل يشمله مطلقاً، أو يشمله مقيّداً ؟ نحن نقول يشمله مقيّداً؛ يقول هناك محذور ثبوتي في أصل شمول دليل الأصل لكلا الطرفين وهو المانع العقلي الثبوتي المتقدّم، هذا يمنع من شمول دليل الأصل لكلا الطرفين، فلا تصل النوبة إلى الحديث في عالم الإثبات أنّ الأصل في هذا الطرف هل هو مطلق، أو مقيّد ؟
الأمر الثاني: بعد التنزّل عن الأمر الأوّل، كأنّه يريد أن يقول: لو تنزّلنا وسلّمنا شمول الأصل لكلا الطرفين ودار أمر هذا الأصل بين أن يكون مطلقاً أو يكون مقيّداً، يقول: هنا يمكن إثبات استحالة التقييد باعتبار استحالة الإطلاق؛ لأنّ التقابل بينهما تقابل الملكة والعدم وإذا استحال أحدهما يستحيل الآخر، وحيث أنّه بعد فرض شمول دليل الأصل للطرفين، كون الأصل مطلقاً، يعني يُرخّص في هذا الطرف مطلقاً، يعني سواء ارتكبت الآخر، أو لم ترتكب الآخر، حتّى إذا ارتكبت الآخر يُرخّص لك في ارتكاب هذا، وهكذا بالعكس. هذا الإطلاق محال؛ لأنّه يستلزم الترخيص في المخالفة القطعية، وإذا استحال الإطلاق استحال التقييد، فيستحيل أن نقيّد الترخيص في هذا الطرف بما إذا ترك الطرف الآخر، والترخيص في ذاك الطرف بما إذا ترك الطرف الأوّل، هذا التقييد محال؛ لأنّ الإطلاق محال، هذا الذي يُفهم من كلماته في فوائد الأصول وفي أجود التقريرات، وهذان المحذوران يُفهمان من كلامه بكل وضوح، في فوائد الأصول يُفهم منه الأوّل ولا يُصرح بمسألة استحالة التقييد لأجل استحالة الإطلاق، لكن في أجود التقريرات يُصرّح بذلك، في فوائد الأصول يُفهم منه أنّ جعل الأصل في الطرفين جمعاً ـــــــــ كما يُعبّر ـــــــــــ هذا محال لوجود المحذور الثبوتي، فإذا كان محالاً لا تصل النوبة للحديث عن التقييد الذي هو من شئون عالم الإثبات، أنّ الأصل يجري في هذا مقيّداً بترك الآخر، وفي ذاك مقيّداً بترك الأوّل، يقول: هذا إنّما يمكن الحديث عنه حينما نفرغ عن الإمكان في عالم الثبوت، أمّا إذا كان محالاً، فلا تصل النوبة إلى الحديث عن التقييد في مرحلة الإثبات، في أجود التقريرات يذكر هذا الشيء وهو أنّ استحالة الإطلاق تستلزم استحالة التقييد، فتقييد الترخيص في كلٍ من الطرفين بعدم ارتكاب الآخر محال؛ لأنّ الإطلاق محال. هذا هو الاعتراض الأوّل الذي يُفهم من كلمات المحقق النائيني(قدّس سرّه).
بالنسبة إلى الأمر الأوّل الذي ذكره في اعتراضه وهو مسألة أنّ الإطلاق محال، فيكون التقييد أيضاً محال، هذا قد يجاب عنه بإنكار أصل المبنى كما فعل السيد الخوئي(قدّس سرّه)، حيث ناقش في هذا بأنّه مبني على أن يكون التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل الملكة والعدم، وأنّ تقابل الملكة والعدم يستلزم أن يكون أحدهما مستحيلاً إذا استحال الآخر، هو يرى بأنّ التقابل بينهما تقابل الضدّين وأنّ استحالة أحدهما تستلزم ضرورة الآخر وليس استحالته، أي أن يكون الآخر ضروري الوجود لا أن يكون مستحيلاً. وعنده مناقشة أيضاً أنّه حتّى لو سلّمنا أنّ التقابل تقابل الملكة والعدم، لكن هل يستلزم هذا أن يكون استحالة أحدهما تستلزم استحالة الآخر ؟ هو يقول: كلا، ويُمثّل لذلك بالذات المقدّسة، يقول: يستحيل فيها الجهل، لكن العلم ليس مستحيلاً؛ بل ضرورياً مع أنّ التقابل بين الجهل وبين العلم هو تقابل الملكة والعدم، لكنّه بالرغم من ذلك لا يلزم من استحالة أحدهما استحالة الآخر، فهو:
أولاً: يرى أنّ التقابل بينهما تقابل الضدين، وأنّ استحالة أحدهما تستلزم ضرورة الآخر، فإذا استحال الإطلاق في المقام يكون التقييد ضرورياً. [6]
ثانياً: لو سلّمنا أنّه تقابل الملكة والعدم، فليس من لوازم تقابل الملكة والعدم أن يكون استحالة أحدهما موجبة لاستحالة الآخر.[7]
بعضهم يرى أنّ التقابل بينهما تقابل النقيضين وليس هو تقابل الضدّين بين الإطلاق وبين التقييد، لكن بقطع النظر عن هذه المناقشات المبنائية، يمكن أن يقال في مقام مناقشة ما ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه) بأننا لو سلّمنا ما ذُكر من أن التقابل بينهما تقابل الملكة والعدم، لكنّه في تقابل الملكة والعدم الذي يقال هو أنّ استحالة الملكة تستلزم استحالة العدم، أنّ الملكة إذا استحالت في موردٍ؛ حينئذٍ يكون هذا مستلزماً لاستحالة العدم، البصر الذي هو الملكة في المثال المعروف عندما يستحيل في مورد لا يستلزم استحالة العمى؛ لأنّ العمى ليس هو عدم البصر مطلقاً، وإنّما هو عدم البصر في من شأنه أن يكون بصيراً، فاستحالة البصر مستلزمة لاستحالة العمى، ليس العكس، يعني لا أنّ استحالة العمى تستلزم استحالة البصر؛ بل قد تكون استحالة العمى في موردٍ مستلزمة لضرورة أن يكون الشخص بصيراً لا لاستحالة البصر، إذا كان البصر ذاتياً بالنسبة إلى شخصٍ؛ حينئذٍ لا يكون استحالة العمى مستلزماً لاستحالة البصر، وإنّما يكون البصر ثابتاً وضرورياً له. نعم، من طرف الملكة بناءً على هذا المبنى يكون هذا الكلام تامّاً أنّ استحالة الملكة تكون موجبة لاستحالة العدم، إذا طبقنا هذا في محل الكلام ينتج أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق دون العكس، لا أنّ استحالة الإطلاق تستلزم استحالة التقييد كما هو المذكور في كلمات المحقق النائيني(قدّس سرّه)، المحقق النائيني(قدّس سرّه) يريد أن يقول أنّ تقييد دليل الأصل في كلٍ من الطرفين محالاً؛ لأنّ إطلاقه محال، إطلاق دليل الأصل في هذا الطرف وإطلاق دليل الأصل في هذا الطرف محال؛ لأنّه يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، وهذا محال، وحيث أنّ الإطلاق محال يكون التقييد محال، بينما المفروض هو العكس، أن نستدل على استحالة الإطلاق باستحالة التقييد، إذا استحال التقييد في موردٍ يستحيل الإطلاق كما هو مأنوس في الذهن، استحالة التقييد في باب الأوامر العبادية، استحالة التقييد بقصد القربى يستلزم استحالة الإطلاق، لا أنّ استحالة الإطلاق يكون مستلزماً لاستحالة التقييد، في الملكة والعدم هكذا، استحالة البصر في موردٍ يستلزم استحالة العمى لا أنّ استحالة العمى تكون موجبة لاستحالة البصر، تطبيق هذه الفكرة في محل الكلام لا ينتج استحالة التقييد باعتبار استحالة الإطلاق، وإنّما لو كان التقييد محالاً نستطيع أن نستدل باستحالته على استحالة الإطلاق.