35/05/17


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ منجّزية العلم الإجمالي
كان الكلام في دوران الأمر بين المتباينين وذكرنا في الدرس السابق أنّ الكلام عن منجزية العلم الإجمالي كما تعارف البحث عنه في هذا المقام لا حاجة إليه بناءً على مسلك حقّ الطاعة ومنجّزية الاحتمال، وإنّما نحتاج إلى هذا البحث بناءً المسلك المشهور والمعروف وهو قبح العقاب بلا بيان؛ لأنّ قبح العقاب بلا بيان يعني أنّ الاحتمال ليس منجزاً للتكليف؛ فحينئذٍ لابدّ أن نبحث عن منجّزٍ للتكليف في محل الكلام غير الاحتمال وليس هو إلاّ العلم الإجمالي، فلابدّ أن نستأنف بحثاً في العلم الإجمالي وحقيقته ومنجزيته؛ لأنّه في المقام لا يوجد إلاّ الاحتمال الموجود في الطرفين والعلم الإجمالي، فإذا قلنا بمسلك قبح العقاب بلا بيان، فصِرف الاحتمال في هذا الطرف وفي ذاك الطرف ليس هو المنجز؛ لأنّ الاحتمال ليس منجزاً بناءً على هذه القاعدة، فلابدّ من البحث عن أنّ الاحتمال المقرون بالعلم الإجمالي هل يكون منجزاً، أو لا يكون منجزاً ؟ فنحتاج إلى هذا البحث.
وأمّا بناءً على مسلك حق الطاعة الذي يؤمن بمنجزية الاحتمال، فليست هناك حاجة للبحث عن العلم الإجمالي ومنجزيته للتكليف في محل الكلام بعد أن كان احتمال التكليف منجزاً له، لكن قلنا بأنّ السيد الخوئي(قدّس سرّه) في الدراسات[1] والمصباح [2] ذكر بأننا لا نحتاج إلى البحث عن منجزية العلم الإجمالي مع أنّه يبني على مسلك قبح العقاب بلا بيان الذي يعني كما قلنا عدم منجزية الاحتمال، مع ذلك يقول نحن لا نحتاج إلى البحث عن منجزية العلم الإجمالي؛ لماذا لا نحتاج إلى البحث عن منجزية العلم الإجمالي ؟ وما هو المنجّز في المقام إذا لم نبحث عن منجزية العلم الإجمالي ولم نثبت أنّ العلم الإجمالي هو المنجز ؟ يقول: أنّ المنجز في المقام هو احتمال التكليف، باعتبار أنّ احتمال التكليف يلازم قهراً احتمال العقاب على المخالفة واحتمال العقاب على المخالفة هو الذي يكون منجزاً؛ لأنّ العقل يستقل حينئذٍ بلزوم التحرّز عنه ولزوم اجتنابه وهذا هو معنى التنجيز، فيكون احتمال التكليف منجّزاً باعتبار أنّه يستلزم احتمال العقاب على المخالفة وعندما يكون العقاب محتملاً يستقل العقل بلزوم الفرار عنه ولزوم تجنّبه ولا داعي للبحث عن أنّ العلم الإجمالي ينجز، أو لا، هو نفس احتمال التكليف ينجّز التكليف باعتبار أنّه يستلزم احتمال العقاب على المخالفة، والعقل يستقل بلزوم دفع احتمال العقاب ولزوم تجنّبه.
نعم، لا نرفع اليد عن هذا التنجيز إلاّ بمؤمّنٍ من ناحية العقاب المحتمل، سواء كان المؤمّن عقلياً، أو شرعياً، المؤمّن العقلي هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي تؤمّن من ناحية العقاب وتقول يقبح العقاب من المولى عند عدم البيان، يعني عند عدم العلم، أو ما يقوم مقامه يقبح العقاب، أمّا المؤمّن الشرعي فهو كأدلّة البراءة الشرعية المستفادة من حديث الرفع وأمثاله؛ فعندئذٍ تُرفع اليد عن التنجيز ولا يستقل العقل بلزوم تجنّب العقاب المحتمل لوجود المؤمّن العقلي، أو الشرعي. نعم، عند عدم وجود مؤمّنٍ يستقل العقل بالمنجّزية ولزوم مراعاة التكليف المحتمل باعتبار أنّه يكون سبباً لاحتمال العقاب على المخالفة. ومن هنا يقول بأنّ الكلام في المقام ينحصر في البحث عن وجود المانع عن المنجزية؛ لأننا فرغنا عن ثبوت المقتضي للمنجزية الذي هو عبارة عن احتمال العقاب الذي يقتضي التنجيز، وإنّما علينا أن نبحث عن وجود ما يمنع من هذا التنجيز، يعني ينحصر البحث في المقام عن جريان الأصول المؤمّنة في الأطراف وعدم جريانها، هل تجري الأصول المؤمّنة في الأطراف، أو لا ؟ إذا جرت فأنّها تكون مانعة من تأثير ذلك المقتضي في التنجيز، وإذا لم تجري؛ فحينئذٍ يثبت التنجيز، فالكلام في المقام ينصب فقط في جريان الأصول في الأطراف، أو عدم جريانها لا عن منجزية العلم الإجمالي وحقيقته، فأنّ هذا بحثٌ لا نحتاجه؛ لأنّ احتمال التكليف المستلزم لاحتمال العقاب على المخالفة هو الذي يكون منجزاً للتكليف. هذا ما يُفهم من كلام السيّد الخوئي(قدّس سرّه).
هذا الكلام لا يخلو من غرابة، يعني هذا الجمع بين مسلك قبح العقاب بلا بيان كما هو مبناه بلا إشكال، وبين منجّزية احتمال التكليف لا يخلو من غرابة. قاعدة منجزية الاحتمال بالبيان الذي ذكره هي محكومة دائماً ــــــــــ بحسب وجهة نظره ــــــــــ بقاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنّه(قدّس سرّه) يؤمن بقاعدة قبح العقاب بلا بيان بناءً على كلامه، هو قال بأنّ منجزية الاحتمال إنّما تثبت عندما لا يكون هناك مؤمّن عقلي أو شرعي، وهو يؤمن بوجود المؤمّن العقلي؛ لذا فهي دائماً محكومة بقاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ وحينئذٍ أيّ فائدةٍ في أن يحكم العقل بمنجزية الاحتمال ؟ ونجعل هذا هو الأساس ـــــــــــ كما في كلامه ـــــــــــ ونفرغ عن وجود المقتضي للتنجيز ونقول بأننا نتكلّم عن وجود المانع عن هذا المقتضي، مع أنّ هذا المقتضي للتنجيز الذي فرضه محكوم بقاعدة قبح العقاب بلا بيان التي يؤمن بها هو(قدّس سرّه)، بحيث لا يمكننا أن نتصوّر مورداً تثبت فيه قاعدة منجزية الاحتمال وتثبت التنجيز ولا تجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنّ موضوعهما واحدٌ وهو احتمال التكليف، القاعدة الأولى هي منجزية الاحتمال، والقاعدة الثانية هي عدم منجّزية الاحتمال، قبح العقاب من دون علم، أنّه مع الاحتمال يقبح العقاب، فهي تؤمّن من ناحية العقاب، فتكون حاكمة على قاعدة منجّزية الاحتمال، هذان الحكمان العقليان اللّذان يُفهمان من كلامه، الحكم الأوّل هو أنّ العقل يحكم بمنجّزية الاحتمال؛ لأنّه يستلزم احتمال العقاب على المخالفة، والحكم الثاني هو حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، هذان الحكمان بينهما تنافٍ؛ لأنّ الأوّل يعني أنّ احتمال التكليف منجّز، بينما الثاني يعني أنّ احتمال التكليف ليس منجزاً؛ حينئذٍ كيف يمكن فرض أنّ العقل يحكم بحكمين متنافيين بينهما تمام التنافي، أحدهما يقول أنّ احتمال التكليف منجّز، والثاني يقول أنّ احتمال التكليف ليس منجّزاً ؟ كيف يمكن فرض حكم العقل بهذين الحكمين المتنافيين ؟ والطولية التي ذكرها لا تنفع شيئاً، يعني ما ذكره من أنّ حكم العقل بمنجّزية الاحتمال موقوف على عدم وجود مؤمّنٍ عقلي، أو شرعي، فمع وجود المؤمّن العقلي يرتفع موضوع قاعدة منجّزية الاحتمال؛ لأنّ هذه القاعدة أُخذ فيها عدم وجود المؤمّن ولو كان هذا المؤمّن شرعياً، هذا أيضاً لا يرفع المحذور؛ لأنّ المفروض أنّه يؤمن بالمؤمّن، والمؤمّن موجود دائماً وفي جميع الموارد بحيث لا يمكننا فرض التخلّف، فأيّ فائدةٍ في أن يحكم العقل حكماً بمنجّزية الاحتمال ويكون هذا الحكم معلّقاً على عدم المؤمّن ويُفترض أنّ العقل يحكم بذلك المؤمّن حكماً قطعياً وثابتاً في جميع الموارد، فما معنى أن يحكم العقل بمنجّزية الاحتمال ويجعله معلّقاً حتّى نتلافى محذور حكم العقل بحكمين متنافيين، حتّى نتلافى ذلك ولا نقع في هذا المحذور نقول أنّ أحدهما معلّق على عدم الآخر، هذا لا يحل المشكلة؛ لأنّ الآخر فُرض وجوده وحكم به العقل، فأيّ فائدةٍ في أن يحكم العقل بمنجّزية الاحتمال ؟ والحال أنّ هذا لا يتحقق في موردٍ إطلاقاً؛ لأنّه دائماً هناك حكم عقلي بقبح العقاب بلا بيان وفي وجود المؤمّن من ناحية العقاب والعقل يُدرك ذلك، حيث أنّ العقل يقول أنّ احتمال التكليف ليس منجّزاً ويقبح العقاب على مخالفته. هذا الكلام لا يخلو من غرابة؛ بل منع، وإلاّ لأمكننا في كل حكمين عقليين متنافيين أن نحل التنافي بهذه الطريقة، أي بأن نجعل أحدهما موقوفاً على عدم الآخر، هذا لا يحل التنافي. لو فرضنا حكم العقل بقبح شيء وحكم العقل بحُسن شيء، هذان أمران متنافيان بلا إشكال، شيء واحد يحكم العقل بحُسنه ويحكم بقبحه، أمران متنافيان يستحيل الجمع بينهما، هل يحل هذه المشكلة أن نقول أنّ حكم العقل بأحدهما موقوف على عدم الآخر مع افتراض أنّ الآخر ثابت وموجود ؟ أنّ العقل يحكم بُحسن هذا، لكن حكمه بالحُسن موقوف على عدم حكمه بقبحه مع أننا نؤمن بأنّ العقل يحكم بقبحه، هذا هل يرفع الإشكال ؟ بحيث يكون بإمكاننا أن نتصوّر حكمين عقليين من هذا القبيل، ما نحن فيه من هذا القبيل، العقل يستقل بمنجزية الاحتمال باعتبار أنّه يستلزم احتمال العقاب على المخالفة، لكن في نفس الوقت العقل يستقل بعدم منجزية الاحتمال، يستقل بقبح العقاب بلا بيان وأنّه من دون بيان ومن دون علم يستحيل العقاب، بمعنى أنّ هذا التكليف ليس بمنجّز؛ ولذا يقبح العقاب عليه، هذان أمران متنافيان بينهما تمام المنافاة، مجرّد أنّ الحكم العقلي الأوّل معلّق على عدم الثاني مع افتراض أننا نؤمن بالثاني والثاني ثابت على كل حال، هذا لا يحل الإشكال بحسب الظاهر.
هذا مضافاً إلى أنّ كلامنا في منجزية الاحتمال، بمعنى أنّ الاحتمال منجّز أو غير منجز ؟ والمقصود بالتنجيز في المقام هو التنجيز العقلي، أنّ احتمال التكليف هل ينجّز التكليف عقلاً ؟ كلامنا في التنجيز العقلي لاحتمال التكليف، هذا الذي نقول أننا إن آمنا به لا داعي للبحث عن منجزية الاحتمال، وإن لم نؤمن به، فلابدّ من استئناف البحث عن منجزية الاحتمال، وعن ما هو الذي ينجز يكون الاحتمال في محل كلامنا، في دوران الأمر بين المتباينين ؟ هل احتمال التكليف هو الذي ينجّزه ؟ أو أنّ العلم الإجمالي هو الذي ينجّزه ؟ كلامنا في التنجيز العقلي، والتنجيز العقلي يعني حكم العقل بدخول التكليف في دائرة حق الطاعة، العقل يدرك بأنّ المولى له حقّ الطاعة في هذا التكليف، في باب العلم بالتكليف، قيام الحجّة على التكليف، أو احتمال التكليف، بناءً على أنّ احتمال التكليف منجز، التنجيز المقصود في المقام هو أنّ التكليف المعلوم يدخل في دائرة حق الطاعة والمولى مولىً بلحاظه، التكليف الثابت بالحجّة منجز بحكم العقل، بمعنى أنّ العقل يدرك دخوله في دائرة المولوية ودائرة حقّ الطاعة، احتمال التكليف بناءً على مسلك حق الطاعة أيضاً هذا المقصود بالتنجيز فيه، المقصود أنّ احتمال التكليف يُدخل التكليف المحتمل في دائرة حقّ الطاعة، البحث عن التنجيز العقلي لاحتمال التكليف، هذا التنجيز العقلي لاحتمال التكليف على القول به الذي يعني دحول التكليف المحتمل في دائرة حقّ الطاعة وأنّ المولى سبحانه وتعالى له حقّ الطاعة في هذا التكليف المحتمل يترتب عليه احتمال العقاب على المخالفة، لا نقول القطع بالمخالفة كما ذكر هو لإمكان العفو والمغفرة والشفاعة، يترتب عليه احتمال العقاب على المخالفة، لكن احتمال العقاب على المخالفة مترتّب على التنجيز، هو في طول التنجيز العقلي وليس سبباً للتنجيز العقلي كما يُفهم من كلامه؛ لأنّ كلامه صريح في أنّ احتمال العقاب على المخالفة هو الذي يكون سبباً في التنجيز، صرّح بأنّ المنجزية ناشئة من احتمال العقاب على المخالفة، فكأنّه فرض أنّ المنجّزية في رتبة متأخرة عن احتمال العقاب على المخالفة، إذن، في البداية يثبت احتمال العقاب على المخالفة ويترتب عليه التنجيز، ويكون التنجيز ناشئاً من احتمال العقاب على المخالفة، فيثبت التنجيز، بينما بناءً على ما ذكرناه يكون الأمر بالعكس، ليس احتمال العقاب على المخالفة متقدّماً على التنجيز؛ بل هو في طول التنجيز العقلي الذي نتكلّم عنه، التنجيز العقلي معناه كما قلنا دخول التكليف المنجّز في دائرة حقّ الطاعة، سواء كان المنجز له هو العلم أو الحجّة المعتبرة أو الاحتمال بناءً على مسلك حق الطاعة، احتمال العقاب يتوّلد من كون التكليف قد تنجّز في مرحلة سابقة، وإلاّ لو لم يكن التكليف منجزاً لا يوجد احتمال العقاب، إذا لم يكن التكليف بحكم العقل داخلاً في دائرة حقّ الطاعة، وإذا لم يكن المولى مولىً بلحاظ ذلك التكليف لماذا نحتمل العقاب ؟ لماذا يستحق هذا العبد العقاب مع أنّ المولى ليس مولىً بلحاظه، ليس للمولى حقّ الطاعة بالنسبة إلى هذا التكليف إذا لم يكن منجزاً، عندما يكون منجزاً بحكم العقل وداخلاً في دائرة حقّ الطاعة ويثبت للمولى بلحاظه حقّ الطاعة على العبد؛ عندئذٍ يقال أنّ العبد إذا تخلّف وإذا خالف يوجد هناك استحقاق العقاب، أو يترتب احتمال العقاب، فاحتمال العقاب على المخالفة هو فرع التنجيز لا أنّ التنجيز يكون ناشئاً منه ويكون سبباً للتنجيز، هو فرع التنجيز وفي طوله. إذن: لابدّ أن نتكلّم في المرتبة السابقة على مرتبة المخالفة، أساساً يجب أن نتكلّم في أنّه إذا لم يثبت إلاّ احتمال التكليف، احتمال التكليف هل ينجّز التكليف، أو لا ؟ يجب أن نبحث هذه المسألة لا أن نستدل باحتمال العقاب على المخالفة على المنجزية، والحال أنّ احتمال العقاب على المخالفة هو في طول المنجزية، فيجب أن نبحث عن المنجزية بقطع النظر عنه لا أن نستدل به على المنجزية، طبع المسألة يقتضي أنّ العقل هل يدرك ثبوت حق الطاعة في التكليف المحتمل، أو لا ؟ هل يدخل التكليف المحتمل في دائرة حقّ الطاعة، وفي دائرة المولوية، أو لا ؟ إن أقرّ العقل بذلك، فهذا معنى المنجزية والتنجيز العقلي، يترتب عليه قهراً احتمال العقاب على المخالفة، أمّا في مرتبة الحديث عن التنجيز العقلي نستدل عليه باحتمال العقاب على المخالفة كما يظهر من كلامه، هذا غير صحيح؛ لأنّ احتمال العقاب على المخالفة هو فرع التنجيز وفي طوله، فلا معنى لأن نستدل به على التنجيز العقلي كما يظهر من كلامه(قدّس سرّه)؛ ولذا هذا الكلام يصح حتّى مع فرض القطع بعدم العقاب، هذا كلام مستقل ليس له علاقة بالعقاب واحتمال العقاب، لو فرضنا أننا قطعنا بعدم العقاب، قطعنا بعفو الله سبحانه وتعالى ومغفرته ولطفه، أو فرضنا أنّ المولى كان لا يتمكّن من العقاب، يصح هذا الكلام أن نوقع هذا البحث أنّ التكليف المحتمل هل يتنجز، أو لا ؟ يعني هل يدرك العقل دخوله في دائرة حقّ الطاعة، فيحكم فيه بلزوم الإطاعة، أو لا ؟ مع أنّ المفروض في هذا المثال هو القطع بعدم ترتّب العقاب لخصوصيةٍ في ذاك المورد، نحكم على المنجزية العقلية، أنّ احتمال التكليف هل يدخله في دائرة حقّ الطاعة بنظر العقل، أو لا ؟ لا مانع من طرح هذا البحث حتّى مع القطع بعدم العقاب، وإن كان الصحيح في هذه المسألة أنّ الملازمة في الحقيقة بين التكليف وبين استحقاق العقاب، بمعنى أنّ العقاب لو صدر لكان في محله ولا يكون قبيحاً بنظر العقل، هذا معنى استحقاق العقاب، التكليف إن كان معلوماً يلازم استحقاق العقاب بمعنى أنّه لو عاقبه لكان عقاباً صادراً من أهله في محله وليس قبيحاً في نظر العقل، قيام الحجّة على التكليف تستلزم استحقاق العقاب، الكلام في أنّ احتمال التكليف يستلزم استحقاق العقاب أو لا ؟ استحقاق العقاب هو فرع التنجيز، هذا كيف يستحق العقاب إذا لم يكن التكليف منجزاً في مرحلة سابقة، استحقاق العقاب في طول التنجيز، يتنجز التكليف فيستحق العبد العقاب على مخالفته، نقول يستحق ولا نقول يُعاقب، ومن الواضح أنّ هذا في طول التنجيز، فكيف نستدل على التنجيز باستحقاق العقاب ؟ بمعنى أننا في البداية نثبت استحقاق العقاب، أنّ هذا المكلّف إذا احتمل التكليف يستحق العقاب عليه؛ ولأنّه يستحق العقاب عليه يكون التكليف منجزاً عليه نستدل باستحقاق العقاب على المنجزية، بينما طبع القضية ليس هكذا وإنّما العكس تماماً، بمعنى أنّ استحقاق العقاب هو في طول وفي مرحلة متأخّرة عن المنجزية؛ لأنّ المقصود بالمنجزية في محل الكلام هي المنجزية العقلية والتنجيز العقلي، هذا هو محل البحث وهذا كما قلنا لا معنى لأن يقال بأنّه هو الدليل على المنجزية؛ لأنّه في طولها ومتفرّع عليها؛ فلابدّ أن يقع البحث في أصل المنجزية العقلية بقطع النظر عن استحقاق العقاب، إذا أثبتنا المنجزية العقلية عندئذٍ يترتب عليها احتمال العقاب على المخالفة كما ذكر، أو استحقاق العقاب.
نعم، هناك تنجيز بمعنى آخر لا ضير في أن نقول هذا هو في طول احتمال العقاب على المخالفة، هناك تنجيز آخر غير التنجيز المبحوث عنه في المقام، تنجيز آخر هو في طول احتمال العقاب وهذا التنجيز هو ما يُعبّر عنه بالفرار من العقاب المحتمل؛ لأنّ الإنسان بحسب طبعه وبحسب الجِبلّة التي جُبِل عليها يفر من الضرر والعقاب حتّى لو كان محتملاً، التنجيز بمعنى الفرار من العقاب المحتمل، بمعنى تجنّب هذا الشيء الذي فيه احتمال العقاب، هذا صحيح وبلا إشكال يكون متفرّعاً عن احتمال العقاب، هذا في طول احتمال العقاب، لكن ليس هذا هو التنجيز المبحوث عنه، هذه قضية طبعية جِبلّية تنشأ من حبّ الإنسان لذاته وحبّه للمحافظة على ذاته ومنع ما يضر هذه الذات، تنشأ من هذا وليست قضية عقلية، وليست حكماً عقلياً، وإنّما أمر جِبلّي فُطر الإنسان عليه أن يفر من الضرر المحتمل، عندما يحتمل الضرر يفرّ منه، هذا تنجيز ــــــــــــ إذا أسميناه تنجيزاً ــــــــــــ في طول احتمال العقاب، فيمكن أن نستدل عليه باحتمال العقاب كما ذكر، لكن ليس هو المبحوث عنه في المقام، نحن لا نبحث عن مسألة الفرار من العقاب، وإنّما نبحث عن الحكم العقلي، أنّ العقل ماذا يحكم وماذا يدرك في المقام ؟ هل يدرك أنّ التكليف المحتمل داخل في دائرة حقّ الطاعة والمولوية أو لا ؟ هذا هو محل الكلام.