35/04/22


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ أصالة التخيير
كان الكلام في المقام الثاني في ما إذا فرضنا أنّ أحد المحتملين كان تعبّدياً ولنفترض أنّه الوجوب، الوجوب المحتمل في المقام كان وجوباً تعبّدياً لا يسقط إلاّ بالإتيان بالفعل على وجه قربي.
الكلام يقع في أنّ العلم الإجمالي في هذه الحالة، لا إشكال في أنّه لا ينجّز وجوب الموافقة القطعية، باعتبار عدم التمكن وعدم القدرة على الموافقة القطعية، لكن هل ينجّز المخالفة القطعية ؟ باعتبار التمكن منها بالإتيان بالفعل بلا قصد القربة، أو أنّه لا ينجّز حرمة المخالفة القطعية ؟ والثمرة تظهر في جواز الإتيان بالطرف الآخر، والمقصود من الطرف الآخر هو الطرف الذي لا يرفع المكلّف اضطراره به، المكلّف يرفع اضطراره بأحد الطرفين، الطرف الآخر الذي لا يرفع المكلّف اضطراره به، الأثر العملي لتنجيز حرمة المخالفة القطعية، أو عدم تنجيزها يظهر في هذا الطرف الآخر، فإذا قلنا أنّ العلم الإجمالي ينجّز حرمة المخالفة القطعية، فلا يجوز ارتكاب الطرف الاخر، وإذا قلنا أنّ العلم الإجمالي لا ينجّز حرمة المخالفة القطعية، فيجوز ارتكاب الطرف الآخر وتجري فيه الأصول المؤمّنة.
الظاهر أنّهم اتفقوا في هذا المقام في محل الكلام على أنّ العلم الإجمالي ينجّز حرمة المخالفة القطعية، صاحب الكفاية(قدّس سرّه) صرّح بذلك،[1] والمحقق النائيني[2] والمحقق العراقي(قدّس سرّهما) [3] أيضاً صرّحا بذلك، وكذلك السيد الخوئي(قدّس سرّه)،[4] كل هؤلاء ذكروا في محل الكلام أنّ العلم الإجمالي ينجّز حرمة المخالفة القطعية. استدلّوا على ذلك بما تقدّم من أنّ مجرّد عدم القدرة على الموافقة القطعية لا يوجب إلاّ عدم منجزية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية، وأمّا حرمة المخالفة القطعية، فباعتبار تمكن المكلّف وقدرته على المخالفة القطعية، فلا موجب لعدم تنجيز العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية، فيكون العلم الإجمالي منجّزاً لحرمة المخالفة القطعية باعتبار قدرة المكلّف عليها، ولا يكون منجّزاً لوجوب الموافقة القطعية باعتبار عدم قدرة المكلّف عليها. قالوا: هذا لا محذور فيه ولا مانع من الالتزام به، باعتبار قدرة المكلّف على المخالفة القطعية، فينجّزها العلم الإجمالي، فالعلم الإجمالي في المقام ينجّز المخالفة القطعية, أو بعبارة أخرى: وجوب الموافقة الاحتمالية، ولكنّه لا ينجّز وجوب الموافقة القطعية، وهذا هو الذي سمّوه بالتوسط في التنجيز، بمعنى أنّ التكليف هو نفس التكليف لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يتبعض، نفس التكليف بلحاظ الحالات، لكن المنجزية تتبعض، النقص يطرأ على التنجيز لا على نفس التكليف، فهو توسّط في التنجيز. في غير مسألتنا، في المسألة التي سيأتي بحثها ــــــــــ مسألة الاضطرار إلى أحد أطراف العلم الإجمالي ـــــــــــ هناك ذكروا أنّ الاضطرار إذا كان إلى أحدهما المعيّن، فلا إشكال في انحلال العلم الإجمالي وسقوطه عن المنجزية لأحدهما المعيّن؛ ولذا جوزوا إجراء الأصول المؤمّنة في الطرف الآخر، يعني الطرف الذي لا يضطر إليه المكلف، فجوزوا إجراء الأصول المؤمّنة في الطرف الآخر؛ لأنّ هذا العلم الإجمالي لا يوجب التنجيز؛ لأنّه ليس علماً بالتكليف على كل تقدير؛ بل هذا المعلوم بالإجمال إن كان متحققاً في مورد الاضطرار، فلا تكليف؛ لمكان الاضطرار، وإنّما يُشكّ في تحققه في الطرف الآخر، فالتكليف ليس معلوم التحقق على كل تقدير، ليس معلوماً على كلا التقديرين؛ بل هو على أحد التقديرين غير متحقق ويُشك في تحققه في الطرف الآخر على التقدير الآخر، فهذا شكّ في التكليف تجري فيه الأصول المؤمّنة. كلامنا ليس في ذلك، وإنّما كلامنا في الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه وهو الذي يشابه محل الكلام، وقلنا سابقاً أنّه أُدرج محل الكلام في مسألة الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، في مسألة الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه هنا ذهبوا إلى منجزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية بنفس الفكرة التي ذكرناها سابقاً، وهي مسألة التوسّط في التنجيز في باب الاضطرار إلى أحد الطرفين لا بعينه، قالوا: هنا المكلّف غير قادر على الموافقة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال؛ لمكان الاضطرار، لكنّه قادر على المخالفة القطعية بأن يترك كلا الطرفين في الشبهة الوجوبية، أو يفعل كلا الطرفين في الشبهة التحريمية، إذن: هو قادر على المخالفة القطعية، هنا أيضاً بعّضوا، فقالوا أنّ هذا العلم الإجمالي لا ينجّز وجوب الموافقة القطعية لعدم قدرة المكلّف عليها؛ لمكان الاضطرار بحسب الفرض، فهو مضطر إلى ارتكاب أحد الطرفين، أو ترك أحد الطرفين حسب الشبهة وجوبية أو تحريمية، لكنّه قادر على المخالفة القطعية بترك كلا الطرفين، أو بفعل كلا الطرفين، فالعلم الإجمالي يكون منجزاً لحرمة المخالفة القطعية؛ إذ لا مانع من ذلك وإن كان غير قادر على الموافقة القطعية، فالعلم الإجمالي ينجّز هذه ولا ينجّز هذه وهو معنى التوسط في التنجيز، طبّقوا نفس الفكرة على باب الاضطرار.
نعم، صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، في تلك المسألة ذهب إلى أنّ العلم الإجمالي لا ينجز حتّى المخالفة القطعية في باب الاضطرار، في محل الكلام ذهب إلى أنّ العلم الإجمالي ينجّز حرمة المخالفة القطعية، لكن في باب الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه ذهب إلى أنّ العلم الإجمالي لا ينجز حرمة المخالفة القطعية؛ بل ذهب إلى أنّ العلم الإجمالي يسقط عن التنجيز رأساً حتّى بلحاظ حرمة المخالفة القطعية.[5]
وبعبارة أخرى: أنّ العلم الإجمالي اضطرار إلى أحد الطرفين لا بعينه عند صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، حكمه حكم الاضطرار إلى أحدهما المعين، إذا اضطر إلى أحدهما المعين يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز رأساً، لا ينجز حتّى حرمة المخالفة القطعية؛ ولذا يجوز إجراء الأصول في الطرف الآخر، الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه أعطاه نفس الحكم، هنا أيضاً التزم بسقوط العلم الإجمالي عن المنجزية رأساً، حتّى بلحاظ حرمة المخالفة القطعية، اختلف كلامه، حيث ذهب في محل الكلام إلى التنجيز بلحاظ حرمة المخالفة القطعية، بينما في باب الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه لم يذهب إلى ذلك؛ بل ذهب إلى سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية مطلقاً ورأساً.
في مسألة التوسط في التنجيز التي قالوا بها ـــــــــــ على الأقل في محل الكلام ـــــــــــ لأنّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه) يبدو منه هذا القول، وهكذا المحقق النائيني، وهكذا المحقق العراقي، وهكذا السيد الخوئي(قدّست أسرارهم)، فكرة التوسط في التنجيز بقطع النظر عن من يقولها، الظاهر أنّها تتوقف على مسلك في العلم الإجمالي وهو مسلك الاقتضاء؛ لأننا نعلم أنّ هناك مسلكين في العلم الإجمالي:
المسلك الأوّل: أنّ العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية كما هو علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية.
المسلك الثاني: أنّ العلم الإجمالي ليس علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، وإنّما هو فقط مقتضي يقتضي وجوب الموافقة القطعية، لكن لا مانع من أن يحتف بهذا المقتضي مانع وهو الترخيص الشرعي في أحد الطرفين، فيكون مانعاً من منجزيّة العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية.
فكرة التوسط في التنجيز والتبعيض في منجّزية العلم الإجمالي وأنّه ينجّز بلحاظ المخالفة القطعية ولا ينجّز بلحاظ الموافقة القطعية، هذه الفكرة تكون معقولة ومقبولة وليس فيها مشكلة بناء على مسلك الاقتضاء، حيث أنّ معنى مسلك الاقتضاء في الحقيقة هو أنّ العلم الإجمالي بنفسه لا يمنع من الترخيص في أحد الطرفين؛ لأنّه ليس علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية حتّى يكون مانعاً من الترخيص في بعض الأطراف، وإنّما العلم الإجمالي بناءً على مسلك الاقتضاء هو فقط فيه اقتضاء وجوب الموافقة القطعية، فلا يكون مانعاً من الترخيص في بعض الأطراف، ولا منافاة أصلاً بين افتراض الترخيص في بعض الأطراف؛ لمكان الاضطرار والعجز التكويني كما في محل الكلام، ليس هناك منافاة بين الترخيص الشرعي في بعض الأطراف وبين بقاء تأثير العلم الإجمالي في حرمة المخالفة القطعية؛ لوضوح أنّ الترخيص في أحد الطرفين لا ينافي حرمة تركهما، في الشبهة التحريمية الشارع يرخّص في ارتكاب الطرف الذي يضطر إليه المكلّف، لكن هذا لا ينافي أن يقول له في نفس الوقت يحرم عليك ارتكاب كلٍ منهما، وفي الشبهة الوجوبية يقول له في نفس الوقت يحرم عليك ترك كلٍ منهما، هو رخّص له في ارتكاب أحدهما، والترخيص في ارتكاب أحدهما لا ينافي تحريم المخالفة القطعية، فإذن: لا تكون هناك منافاة بين الترخيص في أحد الطرفين لمكان الاضطرار، إذ لا إشكال في أنّه في حالة الاضطرار الثابت هو الترخيص، بمعنى أنّ الشارع يرخّص في ارتكاب الطرف عند حصول الاضطرار، لكن الكلام في أنّ هذا الترخيص هل ينافي كون العلم الإجمالي مؤثراً في حرمة المخالفة القطعية، أو لا ينافيه ؟ من الواضح أنّه لا ينافيه؛ إذ لا محذور في الترخيص في بعض الأطراف وبين حرمة المخالفة القطعية، في الشبهة الوجوبية يقول له يجوز لك ترك أحدهما عندما يضطر إلى الترك، لكن لا يجوز لك ترك كلٍ منهما، في الشبهة التحريمية يقول له يجوز لك ارتكاب أحد الطرفين لمكان الاضطرار، لكن لا يجوز لك ارتكاب كلا الطرفين، الجمع بينهما ليس فيه محذور، إذن: الترخيص لا ينافي بقاء تأثير العلم الإجمالي في حرمة المخالفة القطعية، كما أنّه لا ينافي تأثير العلم الإجمالي في وجوب الموافقة القطعية؛ لأنّ المفروض أنّ العلم الإجمالي ليس علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية حتّى يكون الترخيص في بعض الأطراف منافياً له، وإنّما هو مقتضي لوجوب الموافقة القطعية؛ وحينئذٍ لا يكون جعل الترخيص في بعض الأطراف منافياً له؛ لأنّ هذا الترخيص كما قلنا بمثابة المانع الذي يمنع من تأثير العلم الإجمالي في وجوب الموافقة القطعية، فإذن: لا يوجد محذور في الالتزام بانّ العلم الإجمالي في حالة الاضطرار إلى أحد الأطراف لا بعينه، أن يُلتزم بأنّه باقٍ على تنجيزه لحرمة المخالفة القطعية وهذا هو معنى التوسّط في التنجيز، بمعنى أنّ تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية ارتفع؛ لأنّه اقترن بالمانع وهو الترخيص الشرعي في أحد الطرفين لا بعينه، في حين أنّ منجّزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية باقية على حالها؛ إذ لم يحدث شيء ينافي هذا التنجيز وهذه المنجزية؛ لأنّ الاضطرار إلى أحد الطرفين لا بعينه يستلزم ترخيص الشارع في أحد الطرفين، هذا الترخيص الشرعي في أحد الطرفين لا ينافي تنجيز العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية، فيُلتزم بحرمة المخالفة القطعية وتنجيز العلم الإجمالي لها، ولا يُلتزم بوجوب الموافقة القطعية. هذا إذا قلنا بمسلك الاقتضاء.
إذن: فكرة التوسّط في التنجيز تكون مقبولة وليس عليها غبار عندما يقال بمسلك الاقتضاء، ومن هنا يكون القائل بمسلك الاقتضاء في باب العلم الإجمالي كالمحقق النائيني والسيد الخوئي(قدّس سرّهما) وحتّى الشيخ(قدّس سرّه) على ما يُنسب إليه؛ لأنّ كلماته مختلفة يظهر من بعضها أنّه يقول بالاقتضاء والمحقق النائيني(قدّس سرّه) ينسب إليه ذلك، وظاهر بعض كلماته أنّه يقول بالعلّية التامّة. على كل حال، القائل بالاقتضاء التزامه بالتوسّط في التنجيز في مسألتنا وفي مسألة الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه يكون منسجماً مع المبنى الذي يبني عليه وهو مسلك الاقتضاء، الكلام ليس في هذا وإنّما الكلام إذا قلنا بالعلّية التامّة، إذا قلنا بأنّ العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، وهو المسلك الذي بنا عليه المحقق العراقي، وكذلك المحقق الأصفهاني(قدّس سرّهما) التزموا بالعلّية التامّة وأنّ العلم الإجمالي كما هو علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية كذلك هو علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، علّة تامّة بحيث يستحيل حصول انفكاك بين افتراض وجود العلم الإجمالي وبين أن لا يكون منجّزاً لوجوب الموافقة القطعية، بناءً على منجّزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية دون وجوب الموافقة القطعية لا تكون مقبولة بناءً على مسلك العلّية التامّة؛ وذلك باعتبار أنّ الترخيص نفسه في بعض الأطراف، ولو للاضطرار كما هو المفروض في محل كلامنا، ولو لأجل عدم القدرة التكوينية، نفس الترخيص الشرعي في بعض الأطراف يكون منافياً لحكم العقل بمنجزية العلم الإجمالي وتنجيزه لوجوب الموافقة القطعية بنحو العلّية التامّة كما هو المفروض، بناءً على هذا المسلك، العقل يحكم بأنّ العلم الإجمالي منجز لوجوب الموافقة القطعية بنحو العلّية التامّة، ولا إشكال في أنّ جعل الترخيص في بعض الأطراف، ولو لأجل الاضطرار يكون منافياً لهذا الحكم العقلي.
وبعبارة أخرى: أنّ المدّعى بناءً على هذا المسلك أنّ العقل يرى عدم إمكان الترخيص في احد الأطراف، هذا معنى أنّ العقل يرى أنّ العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، يعني يرى أنّ الترخيص في أحد الأطراف هو أمر قبيح وغير مقبول؛ لأنّ العلم الإجمالي بنظر العقل علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، يعني علّة تامّة لعدم الترخيص في أحد الطرفين، فالترخيص في أحد الطرفين حينئذٍ يكون منافياً لذلك، يكون منافيّاً لهذا العلم الإجمالي بناءً على مسلك العلّية التامّة، ويكون منافياً للتكليف المعلوم بالإجمال بناءً على هذا المسلك؛ فحينئذٍ تحصل المنافاة بين العلم الإجمالي والتكليف المعلوم بالإجمال من جهة ــــــــــ بناءً على هذا المسلك ــــــــــ وبين الترخيص في بعض الأطراف، ولو كان الترخيص لأجل الاضطرار، أو لأجل العجز التكويني.
معنى هذا الكلام أننا لا يمكن أن نجمع بين الترخيص الشرعي في أحد الطرفين، ولو لمكان الاضطرار كما هو المفروض في محل كلامنا، أن نجمع بينه وبين بقاء العلم الإجمالي على منجّزيته، يعني من جهةٍ يكون العلم الإجمالي باقياً وهو علّة تامّة للمنجّزية لوجوب الموافقة القطعية، أن نجمع بينه وبين الترخيص من جهة ثانية، هذان أمران لا يمكن الجمع بينهما، فإذا ثبت الترخيص جزماً كما هو المفروض في محل كلامنا؛ إذ لا إشكال في أنّ الاضطرار يوجب الترخيص في أحد الطرفين، فإذا ثبت الترخيص في أحد الأطراف جزماً في محل الكلام؛ لمكان الاضطرار، في هذه الحالة هل نستطيع أن نقول بأنّ العلم الإجمالي يسقط عن التنجيز مع بقائه ؟ مرّة نقول بأنّ العلم الإجمالي يزول مع بقائه، أي مع بقاء العلم الإجمالي، لكن يسقط عن المنجزية، ولا يكون منجزاً لوجوب الموافقة القطعية، هذا غير ممكن بناءً على هذا المسلك؛ لأنّ المفروض أنّه علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، ما دام العلم الإجمالي باقياً كما هو المفروض؛ حينئذٍ يستحيل أن نفكك بينه وبين تنجيزه لوجوب لموافقة القطعية؛ لأنّه علّة تامّة بحسب الفرض وليس مقتضياً، يبقى العلم الإجمالي، ولكنه لا ينجّز وجوب الموافقة القطعية؛ لأنّه علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية كما هو علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية، كما أننا لا نتصوّر وجود علم إجمالي ولا تحرم مخالفته القطعيّة، كذلك لا نتصوّر وجود علمٍ إجمالي ولا تجب موافقته القطعية، التفكيك بينهما غير مقبول، وحيث أنّ العلم الإجمالي باقٍ، والترخيص أيضاً فُرض وجوده لمكان الاضطرار، قالوا: يتعيّن في هذه الحالة التصرّف في التكليف نفسه، ولا نستطيع أن نتصرّف في الترخيص؛ لأنّ الترخيص ثابت في أحد الطرفين بلا إشكال، ولا نستطيع أن نتصرّف ونفكك بين العلم الإجمالي وبين تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية؛ لأنّ المفروض أنّه على نحو العلّية التامّة، ولا نستطيع أن ندعي بأنّ العلم الإجمالي زائل؛ لأنّ العلم الإجمالي لا زال موجوداً، إذن: ما هو الحل ؟ الحل هو أن نتصرّف في نفس التكليف، في متعلّق العلم الإجمالي تصرّفاً بحيث نحفظ هذه الأمور المسلّمة، وهي الترخيص، وعلم إجمالي ينجز وجوب الموافقة القطعية بنحو العلّية التامّة، وبقاء العلم الإجمالي، نحفظ كل هذه الأمور؛ بأن نتصرّف في نفس التكليف؛ وذلك بأن نحوّل التكليف الواقعي من كونه تكليفاً تعيينياً إلى كونه تكليفاً تخييرياً، فيقال بأنّ التكليف الواقعي يثبت في كلا الطرفين، لكن مشروطاً بمخالفة التكليف في الطرف الآخر.
بعبارةٍ أخرى: أنّ التكليف يثبت في كل طرفٍ بشرط أنّ المكلّف يطبّق اضطراره على الطرف الآخر، فإذا طبّق المكلّف اضطراره على هذا الطرف التكليف يثبت في هذا الطرف، وإذا رفع المكلّف اضطراره بهذا الطرف، فالتكليف يثبت في هذا الطرف.
إذن: التكليف يتعلّق بكلا الطرفين، لكن مشروطاً بمخالفته في الطرف الآخر، إذا خالفت التكليف في هذا الطرف لمكان الاضطرار، فالتكليف يتعلّق بهذا الطرف، وهكذا العكس، وهذا في الحقيقة معناه تحويل التكليف الواقعي المفروض كونه تعيينياً إلى كونه تخييرياً، أيّ طرف ترفع به الاضطرار التكليف يتعلّق بالطرف الآخر، فبتحويل التكليف الواقعي من التعيينية إلى التخييرية؛ حينئذٍ يمكن الالتزام بكل هذه الأمور المسلّمة، يمكن الالتزام بالترخيص؛ بل هذا هو معنى الترخيص، أنّ الشارع يرخّص للمكلّف في أن يرتكب أحد الطرفين ليرفع به اضطراره، وأيضاً العلم الإجمالي باقٍ على تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية على نحو العلّية، لكن بعد أن حوّلنا متعلّق هذا العلم الإجمالي من التعيينية إلى التخييرية؛ وحينئذٍ لا مانع من أن يقال بأنّ العلم الإجمالي باقٍ على التنجيز بنحو العلّيّة التامّة، هو ينجّز بنحو العلّية التامّة التكليف التخييري بعد أن يحوّل التكليف التعييني إلى تخييري، فيُلتزم بذلك.
إذن: لم يحصل التصرّف في التنجيز، وإنمّا حصل التصرّف في التكليف، وهذا هو الذي يُعبّر عنه بالتوسط في التكليف لا في التنجيز.