35/02/24


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ البراءة/ تنبيهات البراءة/ قاعدة التسامح في أدلّة السنن
كان الكلام في الاستدلال على الاحتمال الثاني وهو أنّ المستفاد من هذه الأخبار هو الاستحباب النفسي للعمل الذي بلغ عليه الثواب، والدليل كان هو دعوى الملازمة بين ترتب الثواب وبين الاستحباب، وحيث أنّ الثواب هنا ترتّب على العمل، فبالملازمة يثبت استحباب العمل.
اعترض على هذا الدليل:
الاعتراض الأوّل: اعتراض الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه)،[1]وحاصل الاعتراض: أنّ الثواب لم يُرتّب على ذات العمل حتّى نستفيد استحباب العمل بالملازمة، وإنّما الثواب في الأخبار رُتّب على الإتيان بالعمل برجاء الثواب، وعبّرنا عنه بالحصّة الانقيادية من العمل، يعني رُتّب الثواب على الإتيان بالعمل برجاء الثواب، فيكون الثواب مرتّب على الحصّة الانقيادية، ومثل هذا لا يكشف عن الاستحباب؛ إذ لا إشكال في أنّ الانقياد يترتّب عليه الثواب بقطع النظر عن الاستحباب، وبقطع النظر عن الأمر، فلا يمكن أنْ نستكشف من ترتّب الثواب على الانقياد أو الاحتياط وأمثال هذه العناوين استحباب ذلك العمل، وإنّما يمكن استفادة الاستحباب عندما يكون الثواب مترتّباً على ذات العمل. الاعتراض يقول: أنّ الثواب لم يترتّب على ذات العمل، وإنّما ترتّب على الإتيان بالعمل برجاء الثواب، وهذه الحصة انقيادية لا يمكن أنْ نستكشف الاستحباب النفسي من ترتّب الثواب عليها. ويُدّعى في نفس الاعتراض أنّ كل الأخبار تدلّ على ترتّب الثواب على الحصّة الانقيادية، أمّا ما كان من قبيل(فعمله التماس ذلك الثواب) فواضح، وأمّا ما كان من المطلقات(بلغه ثواب على عمل فعمله، كان له ذلك)، هذا أيضاً بقرينة التفريع أيضاً يكون ظاهراً في أنّ العمل أُتي به برجاء الثواب الذي بلغه؛ لأنْ بالنتيجة كل الأخبار المطلقات والمقيّدات تدلّ على ترتّب الثواب على الحصّة الانقيادية من العمل حتّى ما كان من قبيل(فعمله) من دون التماس ذلك الثواب، هذا أيضاً ظاهر في أنّ العمل أُتي به برجاء ذلك الثواب، يعني كان بلوغ الثواب هو الداعي له إلى العمل. إذن: الأخبار كلّها تدلّ على ترتّب الثواب على الحصّة الانقياديّة من العمل وفي مثل ذلك لا يمكن أنْ نستكشف الاستحباب النفسي لذات العمل كما هو المطلوب.
قلنا: أنّ هذا الاعتراض أجيب عنه بجوابين:
الجواب الأوّل: للمحققّ الخراساني(قدّس سرّه) وقد تقدّم سابقاً.
الجواب الثاني: وهو للمحقق الأصفهاني(قدّس سرّه) ذكره في حاشيته على الكفاية،[2] وحاصل ما ذكره: هو أنّ فاء التفريع كما يمكن أنْ تكون من باب تفريع الشيء على علّته الغائية وعلى داعيه، كذلك يمكن أنْ تكون لمجرّد الترتيب بين شيئين من دون أنْ يكون أحد الشيئين علّة غائية للمفرّع عليه وليس داعياً للعمل وإنّما مجرّد أنّه يوجد بينهما ترتيب من دون فرض العلّة الغائية والداعي، فاء التفريع ليس فيها دلالة على الأوّل؛ بل يحتمل أنْ تكون فاء التفريع في محل الكلام من قبيل الثاني. أصل الاعتراض بالنسبة إلى الروايات المطلقة كان مبنيّاً على أنّ فاء التفريع هي من باب تفريع الشيء على داعيه وعلّته الغائية، وهذا هو الذي يستوجب اختصاص الثواب بخصوص الحصّة الانقيادية؛ لأنّ العمل تفرّع على ما يكون داعياً له، فنفهم أنّ العمل الذي ترتّب عليه الثواب ليس هو ذات العمل، وإنّما العمل المأتي به برجاء الثواب؛ لأنّ التفريع هو القرينة على ذلك، تفريع الشيء على ما يكون داعياً له. إذن: بلوغ الثواب هو الداعي للعمل، فهو يعمل لأنّه بلغه الثواب على العمل، فهو يأتي بالعمل برجاء الثواب بعد أن بلغه. المحقق الأصفهاني(قدّس سرّه) يقول: أنّ فاء التفريع كما يمكن أنْ تكون كذلك، يمكن أنْ تكون لمجرّد الترتيب بين شيئين من دون أنْ يكون الأوّل هو الداعي للإتيان بالثاني، وإنّما هناك ترتيب بينهما لسببٍ من أسباب الترتيب، ويُمثّل لذلك بما إذا قيل(سمع الأذان فبادر إلى المسجد) هنا يقول لا داعي لأنْ نقول أنّ سماع الأذان هو الداعي للإتيان بالصلاة في المسجد، ليس هو الداعي، وإنّما الداعي هو الأمر المتعلّق بالصلاة، فهو الذي يدعو المكلّف للإتيان بالصلاة في المسجد، سماع الأذان ليس داعياً وليس علّة غائية للعمل، مع ذلك صحّ فيه الترتيب(سمع الأذان فبادر إلى المسجد) فاء التفريع جاءت هنا وليس فيها دلالة على أنّ سماع الأذان هو الداعي للإتيان بالصلاة، لكن هناك ترتيب بينهما لكن من دون أنْ يكون سماع الأذان هو علّة غائية للعمل، أو يكون داعياً للعمل، وإنّما هناك ترتيب بينهما، يقول: في ما نحن فيه فاء التفريع في(فعمله) في المطلقات(من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له ذلك) ليست ظاهرة في ترتّب الشيء على داعيه حتّى يختص الثواب المترتّب على العمل بخصوص الحصّة الانقيادية من العمل، وإنمّا لعلّ هناك ترتّب بينهما ناشئ من طبيعة القضية، باعتبار أنّ العمل الذي بلغه عليه الثواب متقوّم ببلوغ الثواب، فالتفرّع تفرّع طبيعي بين العمل الذي بلغه عليه الثواب وبين بلوغ الثواب؛ ولذا فُرّع العمل في الرواية على بلوغ الثواب، باعتبار أنّ المراد بالعمل هو العمل الذي بلغه عليه الثواب، والعمل الذي بلغه عليه الثواب متقوّم ببلوغ الثواب، فهناك ترتيب بينهما، فرُتّب العمل على بلوغ الثواب، لكن من دون أنْ يكون بلوغ الثواب هو الداعي للإتيان بالعمل حتّى يقال بأنّ الثواب يختص بحسب هذه الروايات بخصوص الحصّة الانقيادية من العمل؛ بل هذا ممكن وهذا ممكن، ليس في مجرّد التفريع قرينة على الأوّل، والنكتة هي أنّ العمل الذي بلغه عليه الثواب متقوّم ببلوغ الثواب، هذا الشيء هو الذي يصحح هذا التفريع والترتيب بينهما؛ وحينئذٍ لا يُستكشف من ذلك أنّ بلوغ الثواب هو الداعي للعمل حتّى يقال بأنّ الثواب الذي يُعطى لهذا الشخص إنّما أُعطي له لأنّه جاء بالعمل بداعي الثواب، فيختص بالحصّة الانقيادية. فليكن ما نحن فيه من قبيل(سمع الأذان فبادر إلى المسجد) لا نستكشف من هذا أنّه صلّى في المسجد بداعي سماع الأذان. في المقام أيضاً نقول: أنّ العمل الذي صدر من المكلّف الذي بلغه ثواب عليه، لا نفهم من الروايات المطلقة أنّه جاء بالعمل برجاء ذلك الثواب بحيث يكون الداعي له إلى العمل هو بلوغ الثواب، وعليه: لا يمكن أنْ نقول أنّ كل الروايات ناظرة إلى الحصّة الانقيادية كما ادعى الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) في الاعتراض على الاستدلال، وإنّما الروايات على قسمين: قسم منها مقيّد بالتماس ذلك الثواب، وهذا واضح في أنّه يرتّب الثواب على الحصّة الانقيادية، لكن هناك قسماً آخراً من الروايات لا يرتّب الثواب على خصوص الحصّة الانقياديّة؛ وحينئذٍ يمكن التمسّك بهذه الروايات بناءً على تمامية الملازمة بين ترتّب الثواب وبين الأمر لإثبات الاستحباب النفسي والأمر النفسي المتعلّق بذات العمل، وهذا هو الاحتمال الثاني. هذا ما يمكن أنْ يُبيّن به جواب المحقق الأصفهاني(قدّس سرّه).
لكن الذي يُلاحظ عليه: أنّ التفريع وإنْ كان كما ذكر يمكن أنْ يكون هكذا ويمكن أنْ يكون هكذا، يمكن أنْ لا يدلّ إلاّ على الترتيب بين شيئين من دون أنْ يكون المتقدّم منهما داعياً وعلّة غائية للثاني، لكنّ الظاهر في محل الكلام أنّ الترتيب هو من باب ترتيب الشيء على داعيه وعلى علّته الغائية، وليس مجرّد ترتيب عادي بينهما، والسر في هذا هو لعلّ ترتب الشيء على ما يصلح أنْ يكون داعياً له ظهور عرفي في أنّ هذا الشيء هو الداعي للإتيان بذلك الشيء، ومن هنا ظهر الفرق بين ما ذكره وبين ما نحن فيه، ففي ما نحن فيه بلوغ الثواب يصلح أنْ يكون داعياً للإتيان بالعمل، فالعمل رُتّب على بلوغ الثواب، وبلوغ الثواب يصلح أنْ يكون داعياً للإتيان بالعمل، هذا له ظهور عرفي في أنّ العمل أُتي به بداعي الثواب، وبين المثال الذي ذكره، فسماع الأذان لا يصلح أنْ يكون داعياً مباشرة للعمل، وإنّما الداعي للعمل هو الأمر والتكليف المتعلّق بالصلاة، سماع الأذان لا يصلح أنْ يكون داعياً للعمل بخلاف ما نحن فيه، فأنّ بلوغ الثواب يصحّ أنْ يكون داعياً للعمل، وهذا يكون له ظهوراً عرفياً في أنّ العمل جيء به بداعي بلوغ ذلك الثواب، كما لو قال:(أمرني بكذا ففعلته)، أو(نهاني عن كذا فتركته)، هذا له ظهور عرفي في أنّ الفعل(فعلته) بداعي الأمر الذي أمرني به، يعني أتيت به امتثالاً لهذا الأمر، ونهاني عن كذا فتركته، يعني تركت هذا امتثالاً للنهي، عندما يكون الذي رُتّب عليه العمل صالحاً لأنْ يكون داعياً، يكون الترتيب ظاهراً عرفاً في الداعوية وفي الحصّة الانقيادية. صحيح أنّ فاء التفريع أعمّ من هذا، لكن في المقام الظاهر أنّ له ظهوراً عرفي في الداعوية وفي أنّ العمل قد جيء به برجاء إدراك ذلك الثواب الذي بلغه.
على كل حال، الذي يمكن أنْ يُدّعى في المقام هو أنّ الذي يُفهم عرفاً من هذا التعبير(من بلغه ثواب على عمل فعمله) أنّه جاء بالعمل برجاء إدراك ذلك الثواب، لا أنّه جاء بالعمل من دون هذا القيد، وإنّما الذي يُفهم بحسب ما نفهم من الأدلّة هو أنّ من يأتي بالعمل إنّما يأتي به برجاء إدراك ذلك الثواب، فيختص بخصوص الحصّة الانقيادية، وبذلك يصحّ كلام الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) من أنّ الأدلّة كلّها، المطلقات والمقيّدات هي ناظرة إلى الحصّة الانقيادية من العمل لا ترتّب الثواب على ذات العمل حتّى يصحّ الدليل الذي ذُكر لإفادة الاستحباب النفسي، وإنّما هي ترتّب الثواب على خصوص الحصّة الانقياديّة من العمل، وهذا الأمر واضح في المقيّدات، وكذلك المطلقات بهذا البيان، ومنه يظهر أنّ هذا الجواب أيضاً ليس تامّاً عن اعتراض الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه)، كما أنّ جواب المحقق الخراساني(قدّس سرّه) تبيّن سابقاً لا يتم لدفع ما ذكره الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه). ومن هنا يظهر أنّ هذا الاعتراض الثاني على أصل الاستدلال على الاحتمال الثاني، الظاهر أنّه تام.
الاعتراض الثاني: ما قيل من أنّ استكشاف الأمر والاستحباب النفسي في موارد ترتّب الثواب على عمل ليس قائماً على أساس ملازمة عقلية صرفة بين ترتب الثواب وبين الاستحباب والأمر يستحيل فيها التخلّف، وإنّما قد نفترض وجود الأمر ومع ذلك لا يترتّب الثواب، قد يكون هناك أمر حقيقي ثابتاً في الواقع، لكن لا يترتب عليه الثواب، وقد نفترض عدم وجود أمر، لكن نفترض ترتب الثواب، فهذه القضية مرتبطة بما يظنّه المكلّف نفسه، قد يكون هناك أمر والمكلّف لا يعلم به، أو يعتقد عدمه، فلا يترتب الثواب مع وجود الأمر، وبالعكس قد لا يكون هناك أمر، لكنّ المكلّف يتخيّل وجود أمر، فيأتي بالفعل امتثالاً لهذا الأمر الذي يتخيّله، فيترتّب الثواب مع أنّه ليس هناك أمر في الواقع، فلا توجد ملازمة بين ثبوت الأمر واقعاً وبين ترتب الثواب، وإنّما الاستكشاف قائم على أساس أحدى نكتتين:
النكتة الأولى: أنْ يكون العمل الذي بلغه عليه الثواب ليس له اقتضاء الثواب في حدّ نفسه. في مثل هذه الحالة عندما يكون العمل الذي دلّ الدليل على ترتب الثواب عليه ليس له اقتضاء الثواب في حدّ نفسه؛ حينئذٍ يُستكشف استكشافاً عرفياً تعلّق الأمر به؛ لأنّ العمل في حدّ نفسه ــــــ بحسب الفرض ــــــ ليس فيه اقتضاء الثواب. إذن: كيف ترتّب الثواب عليه مع أنّه ليس فيه اقتضاء الثواب ؟ حينئذٍ يُستكشف أنّه لابدّ أنْ يكون ترتّب الثواب عليه باعتبار تعلّق الأمر به وتعلّق الاستحباب به، فيُستكشف حينئذٍ الاستحباب والأمر النفسي. وأمّا إذا فرضنا أنّ العمل الذي بلغه عليه الثواب هو في حدّ نفسه فيه اقتضاء الثواب، وجاء دليل يدلّ على ترتب الثواب على هذا العمل الذي فيه اقتضاء الثواب، في هذه الحالة لا يمكن أنْ نستكشف تعلّق الأمر به؛ لأنّه من الممكن؛ بل من المقبول جدّاً أنْ يكون الثواب هو الثواب الذي يترتب عليه في حدّ نفسه، أنّ العمل ــــــ بحسب الفرض ــــــ يترتّب عليه الثواب في حدّ نفسه، له اقتضاء الثواب، فلعلّ الأخبار عندما ترتّب الثواب هي ناظرة إلى هذا الثواب الذي يقتضيه ذات العمل، فلا يمكن أنْ نستكشف من ترتّب الثواب عليه في الأخبار أنّه تعلّق به الأمر والاستحباب.
هذه النكتة متحققّة في قولهم ـــــ مثلاً ـــــ من سرّح لحيته فله كذا، تسريح اللّحية في حدّ نفسه ليس فيه اقتضاء الثواب، فعندما يأتي دليل ويرتّب الثواب على فعلٍ من هذا القبيل يُستكشف تعلّق الأمر به، ويُستكشف استحبابه. وأمّا عندما نفترض أنّ العمل الذي ترتّب عليه الثواب هو من قبيل عنوان(الطاعة)، و(الانقياد)، و(الاحتياط)، هذه عناوين هي في حدّ نفسها لها اقتضاء الثواب، فالانقياد هو يقتضي الثواب بقطع النظر عن الأمر. إذن: لا يمكن أنْ نستكشف من الدليل الدال على ترتب الثواب على الانقياد والاحتياط أنّ هناك أمراً نفسيّاً استحبابياً متعلّقاً بالعمل؛ إذ لعلّ الثواب الذي ورد في هذه الروايات هو إشارة إلى الثواب الذي يقتضيه طبع الفعل وذات العمل، وأنّه بقطع النظر عن تعلّق الأمر به هو يقتضي الثواب؛ لأنّه انقياد للمولى، والانقياد هو من العناوين التي تقتضي الثواب، فلعلّ الروايات تشير إلى هذا الثواب الثابت له في حدّ نفسه لا الثابت له باعتبار تعلّق الأمر به.
النكتة الثانية: أنْ نفترض أنّ الدليل الدال على ترتب الثواب على العمل له ظهور في أنّه في مقام الترغيب والحثّ على العمل، إذا كان الدليل الذي يرتّب الثواب على العمل ظاهراً في أنّه في مقام الترغيب والحثّ على العمل؛ عندئذٍ نقول هذا يكفي لإثبات الطلب والاستحباب، واستكشاف الأمر؛ لأنّ الدليل ظاهر في أنّه في مقام الترغيب والحث على العمل، فإذا كان في مقام الترغيب في العمل، فهذا يعني أنّ المولى يطلب هذا العمل ويريده، فيُستكشف الأمر.
هاتان نكتتان لاستكشاف الأمر ممّا كان من قبيل ما نحن فيه، يعني من الدليل الدال على ترتّب الثواب على العمل، ويقول المعترض بالاعتراض الثالث: أنّ كلتا النكتتين غير تامّة في محل الكلام:
أمّا النكتة الأولى: فباعتبار أنّ العمل في محل الكلام هو العمل المأتي به برجاء الثواب، والعمل المأتي به برجاء الثواب يتعنون بعنوان الانقياد والاحتياط، فإذن: تختّل النكتة الأولى؛ لأنّ النكتة الأولى تقول أنّ الاستكشاف إنّما يتم عندما يكون العمل ليس فيه اقتضاء الثواب، فالدليل الذي يأتي ويرتّب الثواب على العمل الذي ليس فيه اقتضاء الثواب يُستكشف منه الأمر؛ لأنّ الثواب لا يكون جزافاً، أمّا عندما يكون العمل الذي رتّب الدليل الثواب عليه متعنوناً بعنوان الانقياد والاحتياط؛ حينئذٍ لا يمكن أنْ نستكشف من ترتّب الثواب عليه في الدليل تعلّق الأمر النفسي والاستحباب النفسي به لاختلال النكتة الأولى.
وأمّا النكتة الثانية: فهي أيضاً غير تامّة؛ لأنّها مبنية على افتراض أنّ الدليل الدال على ترتّب الثواب ظاهر في أنّه في مقام الترغيب والحثّ على العمل، وهي غير متحققّة في محل الكلام؛ لأنّ الأخبار ليس لها ظهور في أنّها في مقام الترغيب والحثّ على العمل إطلاقاً، وإنّما هي في مقام التفضّل المولوي، الولائي ـــــ تقدّم هذا المعنى سابقاً ـــــ حتّى لا يخيّب المولى أمل من رجاه لبيان عظمة المولى(سبحانه وتعالى)، ما دام هذا العبد جاء المولى برجاء شيءٍ، اللّه(سبحانه وتعالى) لا يُخيّب ظنّه؛ بل يعطيه ما أمّله. إذن: النكتة الثانية أيضاً غير متحققّة؛ لأنّها مبنيّة على أنّ الأخبار في مقام الترغيب والحثّ على العمل، بينما الروايات ليست في هذا المقام، وإنّما هي في مقام التفضّل المولوي على العبد عندما يرجو العبد شيئاً من المولى، ولو كان هذا الشيء غير موجود في الواقع. وقد بيّنا سابقاً لماذا لا تكون في مقام الحثّ إذا كانت من باب التفضّل، أنّ المقصود بالتفضّل في كلماتهم هو أنّه مجرّد أنّ هذا اعتقد أنّ المولى يعطي الثواب، فجاء بالعمل برجاء الثواب، الله(سبحانه وتعالى) يعطيه ذلك الثواب حتّى لا يخيّب أمله، ولا علاقة له بالحثّ على العمل، ومثّلنا لذلك سابقاً، وهذا المثال موجود في كلماتهم أنّه من قال( من بلغه أنّ في بيتي طعام وجاءني برجاء ذلك الطعام اعطيته ذلك الطعام) هذا لا يُفهم منه أنّه في مقام الحثّ على المجيء إلى بيته وأكل الطعام، هو لا يريد أنْ يطلب من ذاك أنْ يأتي إلى بيته، وإنّما هو في مقام التفضّل، وأنّه لا يخيّب رجاء ذلك الشخص الذي دخل بيته بأمل أنْ يعطيه الطعام، الروايات في المقام هي من هذا القبيل(من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له ذلك الثواب) هذا ليس فيه دلالة على الترغيب والحثّ على العمل، وإنمّا هو تفضل محض ليس فيه طلب ولا أمر بالعمل الذي ذكرته الروايات.
وعليه: فالنكتة الثانية أيضاً لا تكون تامّة؛ وحينئذٍ يكون استكشاف الطلب والأمر والاستحباب على أساس الملازمة غير تام؛ لأنّ الملازمة إنّما تتم بإحدى هاتين النكتتين، إمّا النكتة الأولى، وإمّا النكتة الثانية، وكلتا النكتتين في محل الكلام غير تامّة، فلا توجد ملازمة في محل الكلام بين ترتّب الثواب وبين الأمر بالاستحباب




[2] نهاية الدراية في شرح الكفاية، الشيخ الأصفهاني، ج 2، ص 534.