34/06/25


تحمیل
 الموضوع: الأصول العملية/ البراءة الشرعية
 كان الكلام في شمول حديث الرفع للقسم الثالث من الآثار والأحكام التي تثبت بعنوان الاضطرار، والإكراه، والخطأ، والنسيان، يعني تثبت للفعل بواحدٍ من هذه العناوين، هل يشملها حديث الرفع، ويرفعها، أو أنّ حديث الرفع قاصر عن الشمول للقسم الثالث ؟
 قلنا أنّ المعروف والمشهور بينهم هو أنّ حديث الرفع لا يشمل القسم الثالث، وأنّه يختص بخصوص القسم الأوّل، الذي هو عبارة عن الأحكام الثابتة للفعل بعنوانه الأوّلي، وبقطع النظر عن هذه العناوين وجوداً، وعدماً.
 عُللّ الاختصاص وعدم الشمول للقسم الثالث بهذا البيان كما في الكفاية، وحاصله: [1] أنّ الشمول يؤدي إلى محذور، وحاصل المحذور هو أنْ يكون العنوان الواحد مقتضياً لحكمٍ، ورافعاً له في آنٍ واحدٍ، وهذا غير معقول، أنْ يكون العنوان رافعاً لما يقتضيه؛ لأنّه يؤدي إلى أنْ يتّحد المقتضي مع الرافع، بمعنى أنْ يكون المقتضي لوجود الشيء رافعاً له. وبعبارة أخرى: أنْ يكون مقتضياً لعدمه، وهذا غير معقول.
 توضيح هذا المطلب: لا إشكال في أنّ ظاهر الحديث الشريف هو أنّ هذه العناوين هي التي توجب رفع الحكم، فحديث الرفع يرفع الحكم عندما يكون في موارد الاضطرار، على أساس الاضطرار، وهكذا في مورد الإكراه، وفي مورد الخطأ، والنسيان، ويُفهم من الحديث أنّ علّة الرفع هي هذه العناوين. وبهذا يثبت أنّ العنوان علّة لرفع الحكم، أي الاضطرار علّة لرفع الوجوب. هذا من جهة.
 ومن جهة أخرى: أنّ الذي يُفهم من الحديث أيضا أنّ العنوان يقتضي ثبوت الحكم، بمعنى أنّ الحكم يترتّب على العنوان في القسم الثالث. وهذا هو موضوع كلامنا، فنحن نتكلّم عن أنّ حديث الرفع هل يرفع الأحكام المترتبة على هذه العناوين ؟ في القسم الأوّل نقول هل يرفع الأحكام المترتبة على الفعل بعنوانه الأوّلي بقطع النظر عن العناوين، أو لا ؟ وفي القسم الثالث، الذي هو محل كلامنا، أنّ حديث الرفع هل يرفع الآثار والأحكام المترتبة على واحدٍ من هذه العناوين، أو لا ؟ هذا هو محل كلامنا. ومن هنا يكون ظاهر كلماتهم هو الفراغ عن أنّ هذه العناوين تقتضي ثبوت الأثر، وثبوت الحكم، وإلاّ إذا كان العنوان لا يترتّب عليه الحكم؛ فحينئذٍ لا يكون هناك قسم ثالث، فأنّ معنى القسم الثالث هو أنّ هناك أحكام وآثار تترتّب على الفعل المُتَعَنْون بواحدٍ من هذه العناوين. إذن: العنوان هو الذي يقتضي ثبوت هذا الحكم.
 وعليه: إذا جمعنا بين الجهة الأولى، والجهة الثانية؛ فحينئذٍ ينتج المحذور الذي قلناه؛ لأنّ العنوان في الجهة الأولى يقتضي رفع الحكم، وفي الجهة الثانية يقتضي ثبوت الحكم، هذا بناءً على شمول الحديث للقسم الثالث.
 وبعبارة أخرى: أنّ الحديث إذا شمل القسم الثالث، فسوف يكون رافعاً لآثار هذه العناوين، بينما المفروض أنّ هذه العناوين نفسها تقتضي ثبوت تلك الآثار والأحكام. إذن: العنوان نفسه يقتضي ثبوت الآثار والأحكام، وفي نفس الوقت، بمقتضى شمول حديث الرفع لذلك، يقتضي رفعها، فيتّحد المقتضي مع الرافع، أي أنّ العنوان يكون مقتضياً للحكم، ورافعاً له، وهذا محال، أنْ يرفع الشيء الواحد ما يقتضيه بنفسه؛ ولذا يتعيّن أنْ نقول بأنّ حديث الرفع لا يشمل القسم الثالث، ويختص بخصوص القسم الأوّل. هذا هو الوجه الأوّل لإثبات عدم شمول حديث الرفع للقسم الثالث.
 اعتُرض على هذا الوجه باعتراضين:
 الاعتراض الأوّل: هو ما ذُكر في الكفاية، [2] وحاصله: بناءً على هذا الكلام، كيف تمسّكنا بحديث الرفع لإثبات البراءة ؟ حيث أننّا قد فرغنا عن إثبات البراءة بحديث الرفع، ومعنى إثبات البراءة بحديث الرفع هو أنه يرفع التكليف المجهول، والذي لا يعلم به المكلّف في فقرة(ما لا يعلمون)، لكن يرفعه رفعاً ظاهرياً، وليس رفعاً واقعياً، ومعنى الرفع الظاهري للتكليف هو رفع وجوب الاحتياط من ناحيته. إذن: حديث الرفع في فقرة(ما لا يعلمون) يرفع وجوب الاحتياط الذي هو من آثار الجهل، وعدم العلم، فكيف يرفع حديث الرفع أثراً يترتّب على عنوان(الجهل)، وعنوان(ما لا يعلمون) ؟ وهو من قبيل القسم الثالث. بمعنى أنّ حديث الرفع يرفع أثراً للاضطرار، وأثراً للسهو، وأثراً للخطأ، وقالوا أنّ هذا محال؛ لأنّه يلزم منه اتّحاد المقتضي والرافع. ونفس هذا الكلام يقال في باب الاستدلال بفقرة(ما لا يعلمون) لإثبات البراءة؛ لأنّ المقصود به ـــــ كما قلنا ــــ أنّ حديث الرفع يرفع التكليف رفعاً ظاهرياً، يعني يرفع وجوب الاحتياط الذي هو من آثار الجهل، وعدم العلم بالتكليف. إذن: وجوب الاحتياط من آثار الجهل وعنوان(ما لا يعلمون)، ومع ذلك التزمتم بأنّه مرفوع بحديث الرفع؛ لذا لابدّ أنْ تلتزموا في حديث الرفع بأنّ آثار الاضطرار، والإكراه، والخطأ ترتفع بحديث الرفع.
 وأجاب عنه صاحب الكفاية(قدّس سرّه)، بهذا الجواب: [3] نحن ننكر أنْ يكون وجوب الاحتياط من آثار الجهل، وعدم العلم بالتكليف، نظير وجوب سجدتي السهو الذي موضوعه السهو، وهو من آثار السهو، أو نظير وجوب الديّة الذي موضوعه الخطأ في القتل، وإنّما هو من آثار الواقع، وما يشتمل عليه الواقع من ملاك ومصلحة، فأنّ الاهتمام بهذا الواقع، والتحفّظ على عدم فواته على المكلّف يقتضي إيجاب الاحتياط، حتّى لا يفوت هذا الواقع بما له من المصلحة والملاك على المكلّف، فيجب الاحتياط.
 الاعتراض الثاني: وحاصله: أنّ هذا الوجه لا يثبت ما يُقصَد به، فأنّ المقصود به هو إثبات خروج القسم الثالث عن حديث الرفع خروجاً تخصصّيّاً. وبعبارة أخرى: إثبات عدم شمول حديث الرفع للقسم الثالث؛ ولذا قلنا في الدرس السابق بناءً على عدم شمول حديث الرفع للقسم الثالث، إذا دلّ دليلٌ على وجوب سجدتي السهو، فأننّا نأخذ بهذا الدليل، ولا معارض له إطلاقاً؛ لأنّ حديث الرفع لا يشمل القسم الثالث، والقسم الثالث خارج عنه خروجاً تخصصّيّاً موضوعيّاً، فنأخذ بذاك الدليل بلا معارضٍ. المُدّعى هو أنّ حديث الرفع لا يشمل القسم الثالث؛ لأنّ شموله للقسم الثالث يلزم منه محذور عقلي. والاعتراض الثاني يريد أنْ يقول أنّ هذا البرهان الذي ذكرتموه لا يثبت خروج القسم الثالث خروجاً تخصصّيّاً من حديث الرفع، وإنّما على أفضل التقادير هو يخرج منه خروجاً تخصيصيّاً، لا تخصصّيّاً. صحيح، أنّ الشيء الواحد لا يمكن أنْ يكون رافعاً ومقتضياً لشيءٍ واحدٍ، وهذه العناوين لا يمكن أنْ تكون مقتضية لشيءٍ، وفي نفس الوقت تكون رافعة له. لكنّ تطبيقه في محل الكلام لا ينتج أنّ خروج القسم الثالث عن حديث الرفع هو خروج تخصصّيّ؛ لأنّ هذا المطلب المُسلّم غاية ما يثبته هو أنّه يوجب وقوع التعارض بين حديث الرفع ، وبين الدليل الدال على تلك الآثار والأحكام، أي وقوع التعارض بين حديث الرفع من جهة، وبين الدليل الدال على وجوب سجدتي السهو عند السهو من جهةٍ أخرى، فحديث الرفع يدل على أنّ العنوان رافعٌ للحكم، ولو من باب عدم المقتضي، سواء كان الحكم مترتب على شرب المسكر بالعنوان الأوّلي، أو كان مترتّباً عليه بالعنوان الاضطراري، ولا يدل على أكثر من هذا، بينما ذاك الدليل الذي يدلّ على وجوب سجدتي السهو عند السهو، أو النسيان، يدلّ على أنّ النسيان يقتضي ثبوت هذا الحكم، والسهو يقتضي ثبوت الحكم؛ وهذا هو معنى أنّ سجدتي السهو تجب عند السهو، والديّة تجب عند القتل الخطأ؛ إذ يُفهم من ذلك أنّ الخطأ يقتضي ثبوت الديّة، والنسيان، والسهو يقتضي ثبوت سجدتي السهو. إذن: لدينا دليل يدلّ على أنّ العنوان يقتضي ثبوت الحكم، ودليل آخر يدلّ على أنّ العنوان يقتضي عدم الحكم، يعني يرفع الحكم. والأوّل هو الدليل الدال على ذلك الحكم، والثاني هو حديث الرفع، وهذان أمران لا يمكن الجمع بينهما، فيقع التعارض بين الدليلين، فإذا كان أحدهما أخصّ من الآخر يُقدّم الأخصّ، ولا إشكال في أنّ الدليل الدال على وجوب سجدتي السهو أخصّ من حديث الرفع، فيتقدّم عليه بالأخصّيّة، بمعنى أنّه يوجب إخراج مورده عن حديث الرفع. وهذا لا ينتج ما يريدونه، يعني لا ينتج أنّ خروج هذا المورد عن حديث الرفع هو خروج تخصصّي، وأنّ حديث الرفع لا يشمله؛ بل يشمله حديث الرفع، لكنّه خرج منه بالتخصيص بالدليل، وهناك فرق بين عدم شمول الحديث للقسم الثالث بالتخصصّ، والخروج الموضوعي، وبين عدم شموله له لوجود دليلٍ أخصّ منه؛ ولذا نلتزم في هذه الحالة بشمول حديث الرفع للقسم الثالث، لكنّه لا يمكن العمل به، باعتبار وجود دليلٍ أخصّ منه يدل على وجوب سجدتي السهو عند السهو، والنسيان. إذن: لا يثبت مقصودهم من أنّ حديث الرفع قاصرٌ عن الشمول للأحكام والآثار المترتبة على واحدٍ من هذه العناوين، وأنّه يختص بخصوص الأحكام والآثار المترتبة على الفعل بعنوانه الأولي. هذا لا يثبت بهذا البرهان.
 نعم، لو فُرض أننّا استفدنا من حديث الرفع أنّ العنوان يقتضي ثبوت الحكم، فرضاً أننّا أعملنا نكتة الرفع، أنّ التعبير بالرفع يدلّ على وجود المقتضي، أو بأي شكلٍ من الإشكال، إذا استفدنا من حديث الرفع أنّ هذه العناوين تقتضي ثبوت الحكم، هنا يكون المحذور، وينتج قصور حديث الرفع عن الشمول للقسم الثالث، وإلاّ يلزم اتّحاد المقتضي والرافع في هذا الحديث الواحد، بمعنى أنّ هذا الحديث هو بنفسه يدلّ على أنّ العنوان يقتضي ثبوت الحكم، وفي نفس الوقت يدلّ على أنّ العنوان يقتضي رفع الحكم، وهذا غير معقولٍ، فلابدّ أنْ نلتزم بأنّ حديث الرفع لا يشمل القسم الثالث، فيصحّ أنْ يقال أنّ القسم الثالث خارج عن حديث الرفع خروجاً تخصصّيّاً؛ لأنّ حديث الرفع لا يشمل هذه الأحكام والآثار المترتبة على واحدٍ من هذه العناوين.
 إنّ الاعتراض الثاني هو اعتراض فنّي، يعني ليس له أثر عملي، في مقام العمل على كل حالٍ نحن نعمل بالدليل الدال على وجوب سجدتي السهو، سواء كان خروج مورد الدليل عن الحديث خروجاً تخصصّيّاً، أو كان خروجاً تخصيصيّاً، بالنتيجة لا يصحّ لنا أنْ نتمسّك بحديث الرفع لإثبات رفع وجوب سجدتي السهو عند حصول السهو والنسيان؛ لأنّ هذا خارج عنه تخصصّاً، وموضوعاً، أو لأنّه يوجد دليل أقوى منه بالأخصيّة قُدِّم عليه، فأخرج منه هذه الصورة. على كل حالٍ، بالنتيجة لا يمكن التمسّك بحديث الرفع لنفي هذا الأثر، وهكذا الأثر المترتّب على العنوان الآخر، الخطأ، والإكراه، والاضطرار، فمع وجود دليلٍ يدلّ على ثبوت هذا الأثر ـــــ كما هو المفروض، كأنْ يدل على ثبوت الديّة في باب القتل الخطأ، أو يدلّ على وجوب سجدتي السهو في باب السهو والنسيان ـــــ لا تكون هناك ثمرة عمليّة، سواء قلنا بأنّ حديث الرفع يشمل القسم الثالث، أو لا يشمله، فعلى كل حالٍ نحن لا يجوز لنا أنْ نعمل بحديث الرفع لإثبات مفاده في القسم الثالث، وهو رفع هذا الأثر؛ لأنّ مورده إمّا خارج عن الحديث تخصصّاً، وإمّا خارج عنه تخصيصاً. إذا فرضنا عدم وجود دليلٍ على وجوب سجدتي السهو، ومع ذلك شككنا في وجوب سجدتي السهو لأي سببٍ من الأسباب من قبيل وجود روايةٍ ضعيفة، أو قول أحد العلماء ــــ مثلاً ـــــ الذي لا يصلح أنْ يكون دليلاً، هنا أيضاً لا توجد ثمرة، فعلى كلا التقديرين يمكن نفي هذا الوجوب المحتمل، إمّا بالحديث إذا كان الحديث شاملاً للقسم الثالث، وإمّا بالأصل. على كل حالٍ لا توجد ثمرة عمليّة، فإذا كان هناك دليل وجب العمل به، وإذا لم يكن هناك دليل، لا يترتب عليه أي شيء، فالإشكال هو إشكال فنّي، يعني على ما يظهر من الإشكال، وهو صحيح، أنّ الخروج تخصصّي، أي أنّ الخروج مبني على قصور الحديث عن الشمول للقسم الثالث؛ فلذا يختصّ بالقسم الأوّل. هذا الكلام ـــــ القصور، وعدم الشمول، والخروج التخصصّي ـــــ يبتني على افتراض أنّ اقتضاء العنوان للحكم يُفهم من نفس حديث الرفع، يعني أنّ حديث الرفع يدل على أمرين:
 الأمر الأوّل: أنّ عنوان(الاضطرار) يقتضي ثبوت الحكم.
 الأمر الثاني: أنّ عنوان(الاضطرار) يقتضي رفع الحكم. وهذا غير ممكن، وشمول الحديث للقسم الثالث يؤدي إلى ذلك، وهذا يوجب الالتزام بعدم شموله للقسم الثالث. إذا قلنا بهذا؛ فحينئذٍ يكون كلامهم تامّاً.
 وأمّا إذا لم نسلّم بأنّ حديث الرفع يدلّ على اقتضاء العنوان لثبوت الحكم، وفي نفس الوقت يدل على رفعه، فيلزم المحذور. وقلنا بأنّ حديث الرفع لا يدلّ على هذا، وإنّما نفهم اقتضاء العنوان لثبوت الحكم من وجود دليلٍ آخر، كالدليل الذي يدلّ على وجوب سجدتي السهو عند السهو، فنفهم منه أنّ السهو هو المقتضي لثبوت هذا الحكم. في هذه الحالة سوف يقع تعارض وتنافٍ بين دليلين، أحدهما يقول أنّ هذا العنوان يقتضي ثبوت الحكم، والآخر يقول أنّ هذا العنوان يقتضي رفع الحكم، فإذا كانت النسبة بينهما هي عموم وخصوص مطلقاً؛ فحينئذٍ يقدّم ذلك الدليل، لكنّ هذا لا يقتضي عدم الشمول، وأنْ يكون خروج هذا خروجاً تخصصّيّاً، وإنّما يقتضي أنْ يكون خروجه خروجاً تخصيصيّاً. هذا الاعتراض الثاني على الوجه الأوّل.
 الوجه الثاني الذي أستُدلّ به على عدم شمول الحديث للقسم الثالث: أنْ يُدّعى بأنّ العناوين المذكورة في هذا الحديث الشريف هي عناوين مأخوذة على نحو المعرّفيّة، والمُشيريّة إلى نفس الأفعال التي طرأت عليها حالة الاضطرار، أو الخطأ، أو النسيان، أو الإكراه وسائر الفقرات الأخرى، يعني أنّ ما اضطروا إليه هو تعبير آخر عن شرب الخمر عندما يصدر من المكلّف عن اضطرارٍ، أو عن خطأ، أو عن إكراهٍ، يشير إلى الفعل. أي أنّ ما اضطروا إليه عبارة عن نفس الأفعال التي تصدر من المكلّف في الخارج، لكن تصدر في حالات معيّنة، فيُعبَر عن الفعل بأنّه شيء اضطرّ إليه المكلّف، فما اضطروا إليه هو مجرّد معرِّف ومشير إلى ذوات الأفعال، وليس أنّ ما اضطروا إليه له موضوعية. وقد تقدّم سابقاً أنّ المراد بالنسيان هو المنسي، بأنْ يُجعل عنواناً مشيراً إلى نفس الفعل الذي نساه المكلّف، أو الفعل الذي اضطرّ إليه المكلّف.
 إذا بنينا على أنّ هذه العناوين مجرّد مشيرة إلى الأفعال الخارجيّة فالحديث يقول بأنّ هذه العناوين رافعة، ترفع آثار ما تُشير إليه؛ لأنّ المفروض أنّه أُتي بها كمشيرٍ إلى الأفعال الخارجيّة، فعندما يدلّ الحديث على أنّ هذه العناوين تكون رافعة، فأنّها تكون رافعة لآثار وأحكام ذات الفعل، أي أنّها رافعة لآثار وأحكام ما تطرأ عليه هذه العناوين، يعني لم تؤخذ على نحو الموضوعيّة، وإنّما أُحذت على نحو المشيريّة، لا أنّها تكون رافعة لآثار نفسها، وإنّما الظهور العرفي للدليل، إذا أخذنا هذه العناوين على نحو المشيريّة، أنّ هذه العناوين تكون رافعة لآثار وأحكام ما تعرض إليه، وما تطرأ عليه الذي هو عبارة عن نفس الفعل، لا أنّها تكون رافعة لآثار وأحكام نفسها؛ لأنّ هذا معناه أنّها أُخذت على نحو الموضوعيّة، وليس مجرّد مشيريّة إلى الفعل الخارجي الذي تطرأ عليه. فإذا سلّمنا بهذا؛ حينئذ ينتج أنّ حديث الرفع ظاهر في الاختصاص بالقسم الأوّل، ولا يشمل القسم الثالث؛ لأنّ الآثار والأحكام في القسم الثالث هي آثار لهذه العناوين، فحديث الرفع ليس ناظراً إلى أنْ يرفع الآثار الثابتة والمترتبة على هذه العناوين، وإنّما هو يرفع الآثار والأحكام الثابتة لما تُشير إليه تلك العناوين الذي هو عبارة عن الفعل الخارجي، وحديث الرفع يرفع آثار الفعل الخارجي، وهو ناظر إلى رفعها فقط، وليس ناظراً إلى رفع آثار وأحكام نفس هذه العناوين.
 
 


[1] كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ص 341.
[2] كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ص 341.
[3] كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ص 341.