1439/10/17


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/10/17

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مبحث حجية الظواهر.

القضية الرابعة:- إنَّ الفقيه أحياناً قد يستعين في اثبات الظهور ببعض تعابير الرواية ، من قبيل إنَّ الوارد في الرواية هو الفاء دون الواو ، فيستعين بهذه النكات الدقيقة ، فهل الاعتماد على الظهور الناشئ من هذه التعابير الدقيقة مقبول أو هو شيء مرفوض ؟ وهنا في الحقيقة قد لا توجد دقة في التعبير ولكن يفترض أنه يستعان بالتعبير أنه فاء وليس واواً فهل هذا شيء مقبول أو هو مرفوض ؟

والجواب:- الذي نراه أنه شيء مرفوض ولا أقل نحن من المتوقفين فيه ، فإنَّ الروايات تنقل بالمعنى عادةً أو في أكثر الأحيان وناقل الشيء بالمعنى يتسامح في قضية الفاء والواو ، وأنت جرّب ذلك بنفسك فأنه لو أتى الشخص المتكلم بالفاء فأنت قد تأتي بالواو أو بالعكس ، ففي باب النقل بالمعنى يتسامح بهذه المساحة فلا معنى لاقتناص الظهور على أساس التعبير بالفاء أو بالواو أما كيف نثبت أنَّ النقل يجوز بالمعنى ؟

ذلك لوجهين:-

الأول:- بعض الروايات التي أجاز فيها الامام النقل بالمعنى من قبيل صحيحة محمد بن مسلم ( قلت لأبي عبد الله عليه السلام اسمع الحديث منك فأزيد وانقص ، قال:- إن كنت تريد معانيه فلا بأس )[1] ، وغيرها من الروايات الذكورة في نفس الباب فإذن الامام جوز النقل بالمعنى وقد قلنا إنَّ الناقل بالمعنى قد يتسامح بهذا المقدار.

الثاني:- السيرة العقلائية فإنها منعقدة على النقل بالمعنى - يعني بلا حاجة إلى صحيحة محمد بن مسلم - والعرب ببابك ، فأنت إذا سمعت كلاماً وأردت أن تنقله فأنك سوف تغيّر بعض الكلمات على مستوى الواو والفاء أو ما شاكل ذلك ، فأنت قد تستسهلها وتحذفها وقد تبدلها ، فإذن النقل بالمعنى قضية عقلائية جائزة بالسيرة العقلائية ، وحيث لم يرد ردع عنها فهي ممضاة ، ومادام النقل هو بالمعنى فحينئذٍ قد يحصل تسامح بالفاء والواو فلا معنى للفقيه أن يدقق إلى هذا الحد.

نعم نستدرك ونقول:- إنَّ هذا وجيه في القرآن الكريم فإنَّ ألفاظه محسوبة ، أما بالنسبة إلى السنَّة فالمفروض أنَّ مسألة النقل بالمعنى موجودة وفي باب النقل بالمعنى يتسامح بهذا المقدار ، ومقصودي هو أنه لا تدقق في الألفاظ أكثر من طاقتها ، يعني تذهب على اللفظ بالدقة فإنَّ هذا صحيح في الكثير من الأحيان ولكن في بعض الأحيان لا يكون محبّباً ، والموارد تختلف ولعلّ بعض الموارد استنادك إلى الفاء أو الواو جيد ولكن في بعض الموارد الأخرى الاستناد إليها ليس بصحيح ، فعليك أن تلاحظ هذه القضية فلا تصير مدققاً بالدرجة العالية فإنَّ هذا ليس بصحيح ، بل ابقَ إنساناً عرفياً ، فهذه الكبرى قد اتفقنا عليها ولكن الصغرى قد نختلف فيها.

هذه قضايا أربع فرغنا منها وكانت استدركاً يذكر في موضعه المناسب الذي عيّناه.

نعو إلى التفاصيل في حجية الظهور:- وقد ذكرنا التفصيل الأول بين ما إذا حصل الظن بالخلاف وبين ما إذا لم يحصل وقد قلنا قد يقال إذا حصل الظن بالخلاف فلا يكون الظهور حجة وإلا فيكون حجة وقد تلكمنا عنه.

التفصيل الثاني:- بين ما إذا كان الشخص الناقل للكلام مضطرباً في تعابيره وبين ما إذا لم يكن كذلك ، فإذا لم يكن مضطرباً في تعابيره فنأخذ بظهوره ويكون حجة وإما إذا كان مضطرباً ففي ذلك كلام كما سنوضح ، وهذا التفصيل لم نرَه في كلمات الأعلام ولكن نحن نريد أن نقول إنه لو فصّل شخص هكذا فهو وجيه ، ولكن لا ادّعي أنَّ به قائلاً ، وإنما أريد أن أقول إنه إذا أراد شخص أن يفصّل هكذا فيوجد مجال لذلك ، فمثلاً زرارة مضبوط في تعابيره ، فلو قرات صحيحات زرارة الواردة في باب الاستصحاب - الأولى أو الثانية أو الثالثة - تجد التعابير فيها متناسقة وهذا هو القدر المتيقن من حجية الظهور ، وقد يكون في تعابير البعض شيء من الاضطراب من قبيل موثقة عبد الله بن بكير الواردة في الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات فإنه لا يجوز ، فهو يريد أن يبيّن هذا المطلب ولكن لاحظ تعابيره فهو يقول:- ( سأل زرارة أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر فأخرج كتاباً زعم أنه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:- إنَّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرامٍ أكلُه فالصلاة في وبره شعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحلّ الله أكله ، ثم قال:- يا زرارة هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله فأحفظ ذلك يا زرارة ، فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه والبانه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عنه أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسد ذكّاه الذبح أو لم يذكه )[2] .

وقبل أن نبيّن الاضطراب في الرواية نقول:- إنه ورد في الرواية ( فأخرج كتاباً زعم أنه .. ) ، فتعبير ( زعم ) ليس من المناسب التعبير به ، لأنَّ كلمة ( زعم ) تستعمل عادةً في الدعوى ، فإنه توجد رواية تذكر أنَّ الامام عليه السلام كان يتكلّم مع شخص فالشخص قال للإمام ( أنت زعمت هكذا قضية ) فقال له الامام عليه السلام ( كلا لم أعزم ذلك ) ، فقال له سيدي قبل قليل أنت زعمت ذلك فالإمام قال له أنا لم أزعم ذلك فأخذ يصرّ على الامام والامام ينفي ، ثم قال للإمام سيدي أنت قلت هذا الشيء قبل قليل ، فهنا قال الامام عليه السلام ( نعم قلت ذلك ) ، فلاحظ هذا فإنَّ لفظ ( زعم ) لا تستعمل في القرآن الكريم للصالحين وإنما تستعمل للكافرين مثلاً ( زعم الذين كفروا ) فليس من المناسب ذكرها ، وهذا ليس بيان مثلبة لعبد الله بن بكير وإنما هو بيان قضية واقعية نستفيد منها.

وتعال لنرى هل توجد ركاكة في التعبير فإنه قال ( زعم أنه املاء رسول الله ...... إنَّ الصلاة في وبر كلّ شيءٍ حرامٍ أكله فالصلاة في وبره وشعره ) فهذا التعبير ركيك ، فإنَّ ( الصلاة ) لابد أن يكون خبرها ( فاسدة ) ، لا أن يكون ( عن الصلاة في الوبر ) خبره ( فالصلاة في وبره ) ، فجزماً الامام لا يعبّر هكذا فإذن هذا التعبير واضح الركاكة ، وكذلك تعبير ( وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عنه ) فإنَّ هذه الجملة تكرار لما قبلها ، فإذن يوجد واضطراب في التعبير ، ولعل البعض يقول هذه الرواية لا يوجد فيها اضطراب ، ولكن هذا اختلاف في المصداق والصغرى ولكن المهم هو وصول الفكرة.

وقد وقع الكلام بين الفقهاء في أنَّ الثابت في الرواية هو المانعية أو الشرطية ، يعني هل حلّية الحيوان والجلد شرط في صحة الصلاة أو الحرمة تكون مانعاً ؟ يوجد قال وقيل في ذلك ، وتظهر الثمرة أنه إذا كان شرطاً فلابد من الاحراز فيلزم أن تحرز أن هذا الحيوان حلال الأكل وإلا فلا يصح وأما إذا كان مانعية فنشك في تحقق أنَّ هذا مانع أو لا محرّم أو ليس بمحرّم فحينئذٍ لا مجرز لحرمته فحينئذٍ تجوز الصلاة فيه لأنَّ المانع ليس محرزاً ، بخلاف الشرط فإنه يلزم احرازه فإذا لم تحرز الحلّية تكون الصلاة باطلة ، أما المانع يكفيك أنه لا تحرز وجوده ، فمن هذه الرواية قال أهل الشرطية إنَّ الرواية قالت ( فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه ،البانه وكل شيء منه جائز ) فعبَّر بأنَّ الحلّية شرط ، أما أهل المانعية فقالوا إنه عبّر في صدر الرواية وقال ( إنَّ الصلاة في كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده روثة وكل شيء منه فاسد لا تقبل ) ، فكل قسم نظر إلى شيء من الرواية وحاولوا أن يفقوا بني الأوّل الثاني بين يرفع التنافي بينهما ، والذي يمكن أن يقال إنَّ كلام الرجل مضطرب وليس منضبط في كلامه فلا يمكن أن نستفيد المانعية في مقابل الشرطية أو الشرطية في مقابل المانعية من تعابير هذا الرجل ، ولكن رغم ذلك لا نطرح الرواية رأساً بل المقدار المستفاد منها الواضح فيه بحيث لا يحتاج إلى دقة في التعبير نأخذ به وهو أنَّ الصلاة في أجزاء محرّم الأكل لا تجوز ، وهذا قدر متيقّن ، أما بنحو المانعية أو بنحو الشرطة فتلك قضية ثانية ، فالذي نستفيده من الرواية أنه إذا كان من الحيوانات محرّمة الأكل فالصلاة في أجزائه باطلة ، أما أنه بنحو المانعية أو بحو الشرطية فلا.

فإذن من المناسب أن نفصّل في كلام أمثال هؤلاء الرواة لا أن نطرح كلامهم تماماً ولا أنه نأخذ به تماماً وإنما المورد الذي يكون استفادته من الرواية واضحاً بلا حاجة إلى تدقيق فسوف نأخذ به ، وأما الذي يكون مبتنياً على التدقيق فنتركه مثل المانعية في مقابل الشرطية أو الشرطية في مقابل المانعية.

فإنه ينبغي أن يفصّل هكذا رغم أنه لم يذكر في كلمات الفقهاء والأصوليين ، ولكن علينا أن نتخذ ازاءه موقفاً ، والمناسب أن يكون هكذا.