39/02/29


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/02/29

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- تتمة توجيه استنباط غير الأعلم وعمله بفتواه ، حجية القطع - مبحث القطع والأمارات والأصول العملية.

وأما حلاً فيقال:- إنَّ اللازم على الفقيه هو تحصيل القناعة الكافية أما الزائد على ذلك ليس بلازم ، والقناعة الكافية تحصل للفقيه غير الأعلم ، فإنه إذا نظر إلى الأدلة واطّلع على دليل الأعلم وناقشه[1] ورآه ليس بتام فقد تحصل له القناعة الكافية[2] خصوصاً إذا كان ما انتهى إليه غير الأعلم مدعوماً بفتوى الأعلم الآخر من الأموات ، فأنا مثلاً اعترف بأنَّ السيد الخوئي(قده) هو أعلم ولكن حينما أنظر الأدلة المسألة تحصل لي القناعة الكاملة بغير رأيه رأيت أنَّ رأيه قابل للمناقشة فتحصل لي القناعة خصوصاً إذا كان ما انتهيت إليه يوافق رأي الشيخ النائيني والعراقي والأصفهاني ، وإذا فرضنا أننا أردنا أن نعتني للاحتمالات فحينئذٍ هذا الاحتمال يأتي حتى في حقّ الأعلم ، فلو كنت أعلماً فاحتمل أنه إذا ناقشني مجتهد آخر إما مساوياً لي أو أقل لتراجعت.

فإذن هذه الاحتمالات لا يعار لها أهمية مادامت القناعة الكافية قد حصلت وسيرة العقلاء على ذلك ، فالطبيب حينما يراجعه مريض ويحتاج إلى اجراء عملية وحصلت للطبيب القناعة الكافية بأنَّ هذه لعملية الجراحية سوف تنفع المريض فلا يقول إنه يحتمل وجود طبيب آخر ولو أنه مساوٍ لي أو قل علميّة منّي لو جاء وتشاورنا فلعله يغيّر رأيي في العملية ، إنه لا يعتنى لهذا الاحتمال وإلا يلزم التعطيل عن العمل - فكلّ طبيب يلزم أن يتعطّل عن العمل - فسيرة العقلاء جارية بعد حصول القناعة الكافية على عدم الاعتناء للاحتمالات الأخرى كما أوضحنا ، فإذن نفس الشيء يأتي في مقامنا.

وقبل أن نختم الحديث عن هذا الموضوع نلفت النظر إلى قضية:- وهي أنه ما المقصود من الأعلم وغير الأعلم ؟

والجواب:- ليس المقصود من كونه أعلماً أن يكون أقوى اصابةً للواقع فإنَّ الواقع عند الله عزّ وجلّ ولا يمكن تشخيصه ، إنما المقصود من الأعلم من كان أقوى التفاتاً إلى النكات العلمية ، فالذي يلتفت إلى لنكات العلمية في مقام الاستنباط وأنَّ الرواية مثلاً هكذا عبّرت وتلك الرواية هكذا عبّرت وما شاكل ذلك فهذا هو الأعلم ، فالذي يلتفت إلى النكات العلمية أكثر هو الذي يعبّر عنه بالأعلم وهو المقصود من الأعلم ، وهذه قضية ينبغي أن تكون واضحة.

والخلاصة:- إنه يكفي في الاستنباط وفي العمل بالفتوى حصول القناعة الكافية ولا يعار أهمية إلى الاحتمالات الأخرى وإلا يلزم تعطّل الاستنباط رأساً حتى للأعلم ، إذ يحتمل أنَّ الغير قد ينبهه على بعض النكات ، فإنَّ احتمال إلفات غير الأعلم إلى نكات لم يلتفت إليها الأعلم موجودٌ.

ولا تقل:- إنَّ هذا يلزم خلف فرض كونه أعلم.

فنقول:- إنه أعلم من حيث المجموع لا أنه أعلم في كلّ مورد مورد ، نعم هو من حيث المجموع أشد التفاتاً إلى النكات وهذا لا ينافي أنه في موردٍ ما تخفى عليه نكتة.

هذا كله بالنسبة إلى قضية استنباط غير الأعلم وبهذا ننهي حديثنا عنها.

حجية القطع:-

بعد أن قسّمنا حال المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي إلى ثلاثة أقسام أوّلها القطع[3] نريد أن نعرف حجّية القطع وهل هو حجة أو لا ؟

لا إشكال في أنَّ القطع حجة بمعنى أنه منجّز للواقع عند الاصابة ومعذّر عند الخطأ ومن خالفه استحق العقوبة ، وكل هذا لا كلام فيه.

ولكن السؤال:- إنَّ هذه الحجية - أي حجية القطع بمعنى التنجيز والتعذير - هل هي حكم عقلائي ، أو هي حكم عقلي ، أو هي ثابتة من باب حقّ الطاعة[4] ؟ هذه ثلاث احتمالات.

الاحتمال الأوّل:- حكم العقلاء.

ذهب الشيخ الأصفهاني(قده)[5] إلى أنَّ لزوم متابعة القطع وأنه منجز ومعذّر ، والوجه في ذلك: أنه في مخالفة القطع بحكم المولى يكون هتكاً للمولى وظلماً له ، بخلاف الأخذ بالقطع والسير على طبقه فإنَّ فيه أداءً لحقه.

وهذا المقدار في الجملة لعلّه مورد اتفاق بين أصحاب مسلك حكم العقل وأصحاب مسلك حكم العقلاء ، فالاثنان اتفقا على أنه يلزم متابعة القطع لأنه لو لم يتابع المكلف القطع ويسير على طبقه لحصل هتك وظلم وتعدٍّ على المولى ، إنما الخلاف بينهما في أنَّ حسن الأشياء وقبحها - يعني حسن متابعة القطع وقبح مخالفته - هو ذاتي واقعي ثابت في عالم الواقع أو أنه مجعول من قبل العقلاء ؟

المنسوب إلى الفلاسفة واختاره الشيخ الأصفهاني(قده) أنه حكم مجعول من العقلاء ، من قبيل[6] من يأتي من السفر فعقلائياً نأتي ونسلّم عليه ، وهذه قضية عقلائية يعني تبانا عليها العقلاء لا أنها ثابتة واقعاً ، على خلاف استحالة اجماع النقيضين وارتفاعهما فإنها قضية ثابتة واقعاً ودور العقل دور الكاشف عنها لا أنَّ العقل والعقلاء يثبتونها بل يكشفونها ، فاستحالة اجتماع النقيضين هي ثابتة في الواقع سواء كان يوجد عقلاء أو لا ودور القعل هو دور الكاشف ، أما في قضية حسن الأشياء وقبحها فيقول الشيخ الأصفهاني أنها ليست من الأمور الواقعية وإنما هي من الأمور التي تبانا عليها العقلاء وجعلوها ، فهي من الأحكام العقلائية وليست من الأحكام الواقعية ، هذا هو الفارق بين أصحاب مسلك حكم العقل وأصحاب مسلك حكم العقلاء.

فإذن كلا الاتجاهين يشتركان في نقطة وهي أنه يلزم متابعة القطع وأنها حسنة وأن من لم يتابع القطع بحكم المولى فهذا يستحق العقوبة وأنَّ هذا قبيح لأنه هتك للمولى وظلم له ، وأما نقطة الاختلاف فهي أنَّ حسن المتابعة وقبح المخالفة هل هما حكمان عقليان ثابتان في لوح الواقع بغضّ النظر عن ادراك العقلاء لهما كاستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما أو هما حكمان مجعولان من قبل العقلاء ، ومن الواضح أنَّ العقلاء حينما يقرّرن فلابد إن يكون ذلك لمصالح أو لمفاسد وإلا فهم لا يقرّرون شيئاً ولا يتّفقون عليه من دون مصلحة أو مفسدة ، فهم كما يقرّرون أن من يعود من السفر لابد من الذهاب لاستقباله وزيارته فلابد أن يكون ذلك لنكتةٍ عقلائية ولمصلحةٍ وإلا فالعبث عند العقلاء ليس بموجود ، هنا أيضاً كذلك يراد أن يقال إنه في حسن الأشياء وقبحها هذان حكمان عقلائيان ، فالعقلاء يصيرون إلى ذلك لمصالح أو مفاسد موجودة ، فهما حكمان عقلائيان وليسا عقليين.

ويرتّب على ذلك:- أنه بناءً على رأي الشيخ الأصفهاني(قده) أنَّ الشارع قد يمنع عن بعض الأشياء التي يحسّنها العقلاء فإنها مجعولة لهم والمجعول العقلائي إنما يصير حجة إذا ارتضاه الشارع فيمكن للشرع المقدّس أن يمنع عنه ، بخلافه فيما إذا قلنا إنَّ حسن الأشياء وقبحها حكم عقلي كاستحالة اجتماع النقيضين فإنَّ للشارع لا يمكن أن يجعل خلافه . هذه ثمرة من ثمرات هذا الخلاف.


[1] أي فيما إذا وضع جميع الألة المحتملة أمام عينيه فتحصل له القناعة الكافية.
[2] ومن الواضح أن هذا يختلف باختلاف المسائل.
[3] ففيما سبق قلنا إن الشيخ الآخوند والشيخ الانصاري قالا ( اعلم أنه إذا التفت المكلف إلى حكم شرعي فإما أن يحصل له قطع أو ظن أو شك ).
[4] من الواضح أننا حينما نقول من باب حق الطاعة هو حكم عقلي أيضاً ولكن ملاك حكم العقل هو حق الطاعة وإلا هو لا يخرج عن كونه مصداقاً لحكم العقل ولكن افرزناه لأجل أن فيه حديثاً مستقلاً.
[5] نهاية الدراية، الأصفهاني، ج2، ص5.
[6] والأمثلة مني وليست منه.