38/05/06


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/05/06

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: الأصول العملية - البراءة

يقع الكلام هنا في مراحل:

المرحلة الأولى: إن معظم الأحكام الفقهية أحكام نظرية وإثباتها والوصول إليها بحاجة إلى عملية الاستنباط ولا يمكن إثباتها والوصول إليها بدون هذه العملية.

المرحلة الثانية: في خصائص الأصول العملية وامتيازها عن الأمارات.

المرحلة الثالثة: في أقسام الأصول العملية وانواعها.

أما الكلام في المرحلة الأولى: فلأن معظم الأحكام الفقهية الشرعية من بداية الفقه إلى نهايته أحكام نظرية وإثباتها والوصول إليها بحاجة إلى عملية الاستنباط ولا يمكن الوصول إليها وإثباتها بدون هذه العملية وهي عملية معقدة وصعبة وبحاجة إلى دراسة طويلة.

واما الأحكام الواصلة إلينا بالضرورة أو بالقطع الوجداني: - كوجوب الصلاة ووجوب الصوم ووجوب الحج وحرمة شرب الخمر وما شاكل ذلك - فهي أحكام قليلة ولا تكفي لحل مشاكل الإنسان في حياته اليومية لا المشاكل الاجتماعية ولا المشاكل الفردية ولا العلائق الخارجية ولا المادية والمعنوية باعتبار ان نسبتها إلى جميع الأحكام لا تتجاوز بنسبة تقريبية عن خمسة او ستة بالمائة، وهذه الأحكام وما شاكلها أحكام ضرورية أي أنها قد وصلت إلى المكلف بالضرورة ولا يحتاج وصولها إلى أي مقدمة ولا فرق فيها بين المجتهد والعامي فلا يرجع فيها العامي إلى المجتهد فإنه لا موضوع للتقليد فيها.

واما الأحكام الفقهية النظرية فإثباتها والوصول إليها بحاجة إلى مقدمتين:

المقدمة الأولى: تكوين القواعد العامة المشتركة والنظريات العامة في الحدود المسموح بها شرعا وهي حدود الكتاب والسنة وفق شروطها في علم الأصول لأنه هو الموضوع للبحث عن تكوين القواعد العامة المشتركة والنظريات في حدود الكتاب والسنة وفق شروط للتفكير الفقهي التطبيقي.

المقدمة الثانية: تطبيق هذه القواعد العامة المشتركة في الحدود المسموح بها شرعا وبشروطها على عناصرها الخاصة ومسائلها الخاصة في الفقه، لأنه هو الموضوع لتطبيق هذه القواعد العامة والمشتركة على عناصرها الخاصة لتكون النتيجة مسألة فقهية كوجب شيء وحرمة شيء آخر او جزئية شيء لشيء أو شرطية شيء آخر وهكذا.

ومن هنا يكون علم الفقه علم تطبيقي وعلم الأصول علم نظري والنسبة بينهما هي النسبة بين العلم التطبيقي وبين العلم النظري باعتبار أن علم الفقه يتولد من علم الأصول وليس هو علما مستقلا ولولا الأصول لم يكن هناك فقه في البين لأن المسائل الفقهية عبارة عن نتائج تطبيق القواعد العامة الأصولية على عناصرها الخاصة ونتيجة هذا التطبيق هي الأحكام الفقهية ومن الواضح ان النتيجة داخلة في الكبرى والصغرى وليست اجنبية عنهما، ولهذا يكون ارتباط علم الفقه بالأصول ارتباطا وثيقا وذاتيا ولا يمكن الانفكاك بينهما، وكلما اتسع الفقه بظهور مسائل مستحدثة اتسعت البحوث الفقهية واتسع تبعا لذلك تطبيق القواعد الأصولية على المسائل الفقهية ومن هنا قلنا: إنه كلما كان الباحث الأصولي أدق واعمق في تكوين القواعد العامة المشتركة والنظريات العامة في حدود الكتاب والسنة وفق شروطها كان أدق وأعمق في تطبيقها على عناصرها الخاصة في الفقه ولا يمكن ان تكون المسائل الأصولية بدرجة أعمق ولا يكون مستوى الفقه كذلك للارتباط الذاتي بينهما باعتبار خروج الفقه من بطن الأصول وليس هو علما مستقلا عنه.

ويمكن على هذا القول بوجود علم الأصول ـــ لا بشكل علم مستقل كما هو الحال عليه اليوم ـــ حتى في زمن الأئمة(ع) ومما يؤيد هذا هو ظاهر كثير من الروايات التي يكون السؤال فيها عن وثاقة شخص ما وهذا يعني فراغ السائل عن حجية خبر الواحد بشروط معينة ويرتب عليه جواز أخذ أحكام الدين منه، وقد علم ان الحجية مسألة أصولية وليست مسألة فقهية.

وعلى هذا: لا يعقل تحقق الفقه النظري بدون علم الأصول، ومن هنا كان الاجتهاد عملية ضرورية تبعا لضرورية الدين وكذلك التقليد أمر ضروري للعامي تبعا لضرورية الدين فإنه لا يتمكن من إثبات الأحكام الشرعية الفقهية فلا بد له من الرجوع الى المجتهد كما ان في كل عصر يجب الوصول إلى عملية الاجتهاد والاستنباط لجماعة ولا يجوز ترك هذه العملية لأن مآل تركها إلى ترك الأحكام الشرعية، ومن هنا تكون كلتا العمليتين ضروريتين.

ثم إن عملية الاستنباط تكون في مرحلتين طوليتين:

المرحلة الأولى: متمثلة في تطبيق القواعد العامة المشتركة على عناصرها الخاصة كدليل على تشخيص الحكم الشرعي وجعله في الشريعة المقدسة.

المرحلة الثانية: تطبيق القواعد العامة المشتركة على عناصرها الخاصة كدليل على تشخيص الوظائف العملية وتعيينها تجاه الحكم الشرعي تنجيزا او تعذيرا.

وتسمى القواعد في المرحلة الأولى بالأدلة الاجتهادية المتمثلة في الأمارات كحجية أخبار الثقة وحجية ظواهر الالفاظ كظواهر الكتاب والسنة وغيرهما، وتسمى القواعد في المرحلة الثانية بالأصول العملية المتمثلة في الاستصحاب وأصالة البراءة وأصالة الطهارة.

وطالما يكون المجتهد متمكنا في كل مسألة من إقامة الدليل الاجتهادي عليها فلا تصل به النوبة إلى الأصول العملية، ومع عدم تمكنه من إقامة الدليل الاجتهادي على المسألة إما لعدم عثوره على أمارة على ذلك الحكم وإما لعثوره عليها ولكنها قاصرة سندا او دلالة أو جهة أو لوجود المعارض لها فلا محالة تصل النوبة به إلى الأصول العملية.

هذا في المرحلة الأولى.

واما الكلام في المرحلة الثانية: فالأحكام الظاهرية على قسمين:

القسم الأول: الأحكام الظاهرية الالزامية كوجوب الاحتياط والاستصحاب المثبت للتكليف وقاعدة الاشتغال، والأحكام الظاهرية الالزامية احكام طريقية في طول الأحكام الواقعية وليست في عرضها وتمام الملاك في جعلها هو الحفاظ على الأحكام الواقعية بما لها من الملاكات والمبادئ حتى في موارد الاشتباه والالتباس وإلا فهي ليست بأحكام شرعية مولوية ولهذا لا عقوبة على مخالفتها والعقوبة إنما هي على مخالفة الواقع ولا مثوبة على موافقتها والمثوبة إنما هي على موافقة الواقع ولا مصلحة في متعلقاتها لأن مصالح الأحكام الواقعية هي التي دعت الشارع إلى جعل الأحكام الظاهرية الالزامية الطريقية.