38/04/24


تحمیل

الأستاذ السيد علي السبزواري

بحث الفقه

38/04/24

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- شرائط الوضوء.

ذكر السيد الماتن (رحمه الله) : (مسألة 44): إذا تيقن بعد الفراغ من الوضوء أنه ترك جزء منه ولا يدري أنه الجزء الوجوبي أو الجزء الاستحبابي، فالظاهر الحكم بصحة وضوئه، لقاعدة الفراغ، ولا تعارض بجريانها في الجزء الاستحبابي، لأنه لا أثر لها بالنسبة إليه. ونظير ذلك ما إذا توضأ وضوءا لقراءة القرآن وتوضأ في وقت آخر وضوءا للصلاة الواجبة، ثم علم ببطلان أحد الوضوئين ، فإن مقتضى قاعدة الفراغ صحة الصلاة، ولا تعارض بجريانها في القراءة أيضا، لعدم أثر لها بالنسبة إليها)[1] .

تقدم الكلام في هذه المسالة وقلنا ان قاعدة الفراغ تجري ولا اشكال فيه من هذه الناحية، وذكرنا ان قاعدة الفراغ انما تجري فيما اذا ترتب على جريانها اثر شرعي ، ثم ذكرنا انه وقع الخلاف بين الاعلام في ان الاثر الشرعي الذي يجب ان يترتب على جريان قاعدة الفراغ هل هو الاثر الملزم أي تكليف فعلي منجز من اعادة او قضاء او نحو ذلك او يشمل حتى الاثر المندوب وقلنا ان مطلق الاثر كاف ولا نحتاج الى ان يكون الاثر ملزما.

وذكر السيد الماتن (رحمه الله) ان قاعدة الفراغ تجري بالنسبة الى الاجزاء الواجبة ونقول بصحة الوضوء ولا حاجة الى اعادة الوضوء للصلوات الاتية ولا تجري بالنسبة الى الجزء المستحب اذ لا اثر شرعي في البين يترتب على اجراء القاعدة في الجزء المستحب لأنه لا يوجد حكم الزامي باعادة ذلك الجزء المستحب ثم يضرب مثالا فقال لو توضا لأجل صلاة واجبة ثم توضا لأجل قراءة قرآن وتحقق منه حدث وشك في ان هذا الحدث بعد الوضوء الذي للصلاة او بعد الوضوء الذي هو لقراءة القرآن فقال انه تجري قاعدة الفراغ بالنسبة الى الصلاة التي صلاها بعد الوضوء الاول ولا تجري قاعدة الفراغ بالنسبة الى قراءة القرآن اذ لا يترتب اثر شرعي على جريان قاعدة الفراغ بالنسبة الى قراءة القرآن فانه لا يجب عليه اعادة قراءة القرآن ولا قضاء قراءة القرآن الا اذا نذر قراءة القران مع الطهارة هنا يجب عليه اعادة القراءة وهنا يترتب عليه اثر شرعي فتجري القاعدة ايضا فتتعارضان وتتساقطان فنرجع الى التكليف المنجز وهو العلم الاجمالي فيجب الوضوء واعادة الصلاة واعادة قراءة القرآن لقاعدة الاشتغال.

هذا اذا قراء القرآن واما اذا لم يقرأ القرآن فلا تجري قاعدة الفراغ من الاساس.

ولكن اذا قلنا ان الاثر لا ينحصر بخصوص الاثر الملزم بل يعم حتى الندب والاستحباب فان قراءة القرآن مستحب بحد نفسه فاذا أجرينا قاعدة الفراغ في الوضوء والصلاة الواجبة فيمكن اجرائها في الوضوء وقراءة القرآن المستحب ايضا فتتعارضان وتتساقطان ، اذن المسالة نزاع الفقهاء.

ثم ذكر السيد الماتن (رحمه الله): مسألة 45): إذا تيقن ترك جزء أو شرط من أجزاء أو شرائط الوضوء فإن لم تفت الموالاة رجع وتدارك وأتى بما بعده ، وأما إن شك في ذلك فإما أن يكون بعد الفراغ أو في الأثناء فإن كان في الأثناء رجع وأتى به وبما بعده وإن كان الشك قبل مسح الرجل اليسرى في غسل الوجه مثلا أو في جزء منه ، وإن كان بعد الفراغ في غير الجزء الأخير بنى على الصحة لقاعدة الفراغ ، وكذا إن كان الشك في الجزء الأخير إن كان بعد الدخول في عمل آخر أو كان بعد ما جلس طويلا أو كان بعد القيام عن محل الوضوء ، وإن كان قبل ذلك أتى به إن لم تفت الموالاة، وإلا استأنف)[2] .

هذه المسالة فيها صورة.

الصورة الاولى:- ما اذا تيقن بترك جزء او شرط في اثناء الوضوء فلا ريب ولا اشكال في وجوب اعادة ذلك الجزء اذا لم تفت الموالاة.

ويدل على ذلك :-

اولاً:- الاجماع فلم يخالف في هذه المسالة احد.

ثانياً:- النصوص التي صحيح زرارة، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ....... وإن تيقنت أنك لم تتم وضوءك فأعد على ما تركت يقينا، حتى تأتي على الوضوء، الحديث...)[3] . قانه تدل على وجوب الاعادة واتيان ذلك الجزء.

ثالثاً:- ذا يدل على ذلك عمومات واطلاقات وجوب ذلك الجزء فإطلاقه يشمل هذه الصورة.

الصورة الثانية:- ما اذا شك في اتيان ذلك الجزء او اتيان ذلك الشرط ، وهذه لها صورتين ، اما ان تكون بعد الفراغ او في اثناء الوضوء.

فان كان في اثناء الوضوء كما لو كان قد دخل في غسل اليد اليسرى وشك انه غسل الوجه او لا؟ فيجب عليه الرجوع وغسل الوجه ما لم تفت الموالاة للاجماع والنصوص الخاصة ولعدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء ومن النصوص صحيح زرارة المتقدمة وهي من محكمات الروايات في هذا الباب فانه يفرق بين قاعدة التجاوز في الوضوء وقاعدة التجاوز في الصلاة فلا تجري في الوضوء وتجري في الصلاة وهي صحيح زرارة، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال: إذا كنت قاعدا على وضوئك[4] فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا ، فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله وتمسحه مما سمى الله ما دمت في حال الوضوء ، فإذا قمت عن الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمى الله مما أوجب الله عليك فيه وضوئه لا شيء عليك فيه ، الحديث...)[5] .

فهذه الرواية تدل على انه يجب الاعادة مادام في الوضوء سواء تجاوز المحل او لم يتجاوز ولكن اذا فرغ من الصلاة فلا تجب الاعادة لقاعدة الفراغ ، ففرقت هذه الرواية بين قاعدة التجاوز في الوضوء وقاعدة الفراغ فقاعدة الفراغ تجري وقاعدة التجاوز لا تجري.

ولكن وردت رواية معارضة لها وحينئذ يجب ان نطرحها اذا لم يكن لها محمل صحيح لأنها تخالف هذا النص المحكم وهي معتبرة أبي يعفور، عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) قال: إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشيء، إنما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه)[6] . وهذه الرواية موردها الوضوء وهي تفيد جريان قاعدة التجاوز في الوضوء.

وحمل الاصحاب قوله (اذا دخلت في غيره) ان الضمير يرجع الى الوضوء يعني انه اذا اتيت بوضوء وشككت في شيء من ذلك الوضوء ودخلت في غير الوضوء فشكك ليس بشيء.

واما قوله (إنما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه) هذا له مفهوم (أي الشك لا يعتنى به اذا تجاوز الشيء) وهو مخالف لمنطوق صحيح زرارة وحينئذ لابد من رفع اليد عن هذا المفهوم لأجل المنطوق.

بل ذكرنا في بحث قاعدة التجاوز ان قاعدة التجاوز هي من صغريات اصالة عدم الغفلة في الفعل لان كل انسان اذا دخل في فعل فهو عنده ارادة لاتيان ذلك الفعل واتمامه الى اخره وحينئذ اصالة عدم انتقاض تلك الارادة وعدم الغفلة تجري فان قاعدة التجاوز والفراغ من صغريات هذا الاصل.

ولكن يمكن تصحيح ان قاعدة التجاوز لا تجري في الطهارة المائية والسر في ذلك هو ان المستفاد من الروايات الواردة في الوضوء هو ان الوضوء وان كان ظاهرا مركب ولكنه في الواقع بسيط وقاعدة التجاوز انما تجري في الفعل المركب ظاهرا وواقعا اما اذا كان الفعل بسيط واقعا وظاهرا مركب فلا تجري قاعدة التجاوز.

الصورة الثالثة:- اذا كان الشك بعد الفراغ ولكن الشك ليس في الجزء الاخير أي شك في انه غسل اليد اليسرى او لا بعد الفراغ؟ فقالوا انه لا تجب الاعادة لقاعدة الفراغ وكذا اطلاق الادلة اليت تدل على قاعدة الفراغ فهي تشمل الوضوء وتشمل الصلاة وكل فعل.

وقد ذكرنا ان قاعدة الفراغ من صغريات اصالة عدم الغفلة او اصالة بقاء الارادة فانه المكلف يدخل في العمل يدخل بإرادة وهذه الارادة نشك في انها ارتفعت فاصالة بقائها تجري.

وكذا للنصوص الخاصة.

منها:- صحيح زرارة المتقدمة.

ومنها:- صحيح محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبدالله ( عليه السلام ) يقول: كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه ، ولا إعادة عليك فيه)[7] . فقاعدة الفراغ تجري بعد الفراغ ولا تجب الاعادة.

ومنها:- موثقة ابن بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ؟ قال: هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك)[8] .

واستند الشيخ النائيني (قدس سره) على هذه الرواية بان قاعدة التجاوز والفراغ لا تجري الا في حق العالم واما الجاهل بالاحكام فلا تجري في حقه.

ولكن ذكرنا في محله وهو ان هذه الرواية تشير الى ما ذكرنا من ان كل مكلف مختار عاقل يدخل في فعل انما يدخل في ارادة ارتكازية ثم يشك في ان هذه ارادة ارتفعت لأجل غفلة او ذهول او نحو ذلك فاصالة عدم الغفلة جارية واصالة بقاء تلك الارادة جارية.

اذن هذا الكلام (انما هو حين الوضوء اذكر) لا يثبت شيئا جديدا انما يشير الى هذا الاصل الارتكازي والبناء العقلائي ولذا ذهب السيد الوالد وغيره من العلماء الى ان قاعدة الفراغ تجري حتى بالنسبة الى الجاهل ولذا يصححون عمل الجاهل.

الصورة الرابعة:- وهي ما اذا شك في مسح الرجل اليسرى وقد دخل في عمل لاحق فهل تجري قاعدة الفراغ او لا؟ كلام بين الاعلام.


[4] أي في اثناء وضوئك.