38/04/25


تحمیل

الأستاذ الشيخ هادي آل راضي

بحث الأصول

38/04/25

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: الأصول العمليّة / الأصول العملية/ الاستصحاب

 

الأمر الثاني: هل أنّ الاستصحاب من الأصول العملية، أو هو من الأمارات ؟ ليس الغرض من هذه المقدّمة أن يُبحث بحثاً إثباتياً عن أنّ الاستصحاب هل هو أمارة أو اصل؛ لأنّ هذا يتوقف على اختيار الدليل على الاستصحاب وماذا نستظهر من الدليل، وأنّه هل جُعل الاستصحاب فغي ذاك الدليل أمارة، أو جُعل كأصلٍ عملي، وإنّما البحث هنا يقع في عالم الثبوت، أي أنّ البحث ثبوتي، بمعنى أنّ الاستصحاب هل هو كأصالة الإباحة ــــــ مثلاً ــــــ أصل عملي صرف ليس له نظر إلى الأحكام الواقعية وملاكاتها، أو هو ناظر إلى الواقع ويعتبر أمارة عليه ؟ كخبر الثقة ــــــ مثلاً ــــــ أو أنّه لا هذا ولا ذاك، لا هو أصل عملي صرف ليس له نظر إلى الواقع، ولا هو أمارة على الواقع، وإنّما هو كأصالة الاحتياط، له نظر إلى الواقع لغرض التحفّظ عليه، لكن من دون أن يُعتبر أمارة وكاشفاً عن الواقع، هناك فرق بين اصالة الإباحة وبين أصالة الاحتياط، أصالة الإباحة أصل عملي صِرف ليس له نظر إلى الواقع إطلاقاً، بينما أصالة الاحتياط لها نظر إلى الواقع، بمعنى أنّ الغرض منها التحفّظ على الواقع والوصول إلى الواقع على كل حال، لكنها ليست أمارة على الواقع وليست كاشفة عنه كما هو الحال في خبر الثقة، هل يمكن أن يكون الاستصحاب من هذا القبيل ؟ الغرض من هذا البحث كما قلنا ليس هو البحث الإثباتي، وإنّما هو بحث ثبوتي في ما هي الوجوه الممكنة لجعل الاستصحاب ؟

هذا البحث كما هو واضح يرتبط ببحث الأحكام الظاهرية وما هي حقيقة الأحكام الظاهرية ؟ بناءً على أنّ الأحكام الظاهرية هي أحكام يجعلها الشارع ويُراعي فيها الغرض الأهم عندما يقع التزاحم في موارد الاشتباه والشك بين الأغراض أنفسها؛ لأنّ كلاً منهما يتطلّب موقفاً معيّناً يختلف عمّا يتطلبه الآخر، فيقع التزاحم في عالم المحركية بين هذه الأغراض المتزاحمة عندما تختلط على المكلف، في مثل هذا التزاحم الشارع يجعل الحكم الظاهري رعاية لما هو الأهم من هذه الأغراض المتزاحمة؛ لأنّ القانون الحاكم في باب التزاحم هو تقديم الأهم، فإذا فرضنا أنّ الأغراض اللّزومية كانت عند المولى هي الأهم؛ فحينئذٍ يجعل الاحتياط كحكمٍ ظاهري راعى فيه كون الأغراض اللّزومية هي الأهم عندما تتزاحم مع الأغراض الترخيصية ويتطلب كل منها موقفاً يختلف عمّا يتطلبه الآخر، الأغراض اللّزومية في مقام المحركية تتطلب من المولى أن يجعل الاحتياط، يعني عندما تشتبه الأغراض على المكلف، فيقع في شبهة وشك لا يعلم أنّ هذا حرام أو مباح ـــــــ مثلاً ـــــــ معنى ذلك أنه يحتمل أنّ هناك غرضاً لزومياً في مورد الشك، وأنّ هناك غرضاً ترخيصياً، فعندما تختلط الأغراض الترخيصية بالأغراض اللّزومية، في حالة من هذا القبيل ماذا يعمل الشارع ؟ المكلف لا يستطيع أن يصل إلى تحديد الغرض الموجود في ذاك المورد؛ لأنّه اختلطت عليه الأمور، هو في شك وشبهة، في هذه الحالة أيّ الغرضين أهم في نظر الشارع، فيجعل الحكم الظاهري المناسب لذلك الغرض الأهم . فإذا فرضنا أنّ الأهم عند الشارع هي الأغراض اللزومية ويريد للمكلّف أن يصل إلى هذه الأغراض اللّزومية، فيجعل الاحتياط؛ لأنّ المكلف عن طريق الاحتياط يصل إلى الأغراض اللزومية قهراً، وأمّا إذا فرضنا أنّ إطلاق العنان للمكلف أهم عند الشارع من ألزام المكلف بالغرض اللّزومي، فإذا كانت الأغراض الترخيصية هي الأهم، قهراً يجعل الشارع الإباحة ويطلق العنان للمكلف. صحيح أنه عندما يجعل الاحتياط في حالة أهمية الأغراض اللزومية سوف تفوت على المكلف الأغراض الترخيصية؛ لأنه جعل له الاحتياط وقد يكون في هذا المورد غرض ترخيصي، لكنّ الشارع رعاية للغرض اللّزومي يجعل له الاحتياط وإن فاتته الأغراض الترخيصية، كما أنّه عندما تكون الأغراض الترخيصية هي الأهم في نظر المولى ويجعل الإباحة أيضاً قد تفوت على المكلف بعض الأغراض اللزومية، يعني يطلق له العنان في كل الشبهات، أو في شبهة معيّنة من الشبهات كالشبهة التحريمية ـــــــ مثلاً ـــــــ فقد يرتكب في بعض الأحيان ما هو حرام واقعاً، وبذلك يفوته الغرض اللّزومي، لكن لأن الغرض الترخيصي أهم في نظر الشارع؛ حينئذٍ يقدّم ذلك الغرض الترخيصي ويجعل الحكم الظاهري طبقاً لذلك، وإن فات على المكلّف بعض الأغراض اللزومية . هذا هو القانون الحاكم في باب التزاحم بين الأغراض الواقعية عندما تختلط على المكلف في موارد الشك والاشتباه، القانون الحاكم هو رعاية ما هو أهم، لكن الأهمية التي تراعى في باب التزاحم بين الأغراض تختلف، وهذه الأهمية لها ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن تكون الأهمية التي تراعى هي بملاك أقوائية المحتمل ونوع الحكم المحتمل كما فرضنا الآن، أنّ الأغراض اللزومية أهم في نظر الشارع من الأغراض الترخيصية، الأحكام اللّزومية بما لها من أغراض وملاكات لزومية هي أهم في نظر الشارع من الأحكام الترخيصية بما لها من ملاكات وأغراض، هنا نوع الحكم هو الملاك في الأهمية وبالتالي في التقديم، كون هذا حكماً لزومياً هو أهم في نظر الشارع من الحكم الترخيصي، كون أنّ هنا غرض لزومي هو أهم في نظر الشارع من الغرض الترخيصي، فيكون التقديم في هذه الحالة على أساس نوع المحتمل، على اساس أقوائية المحتمل، الحكم الإلزامي أهم في نظر الشارع من الحكم الترخيصي، أو بالعكس الحكم الترخيصي يكون أهم في نظر الشارع من الحكم اللّزومي؛ فحينئذٍ هذا وجه للتقديم قائم على اساس أهمية المحتمل، نفس المحتمل يكون أهم في نظر الشارع من المحتمل الآخر، فيقدمه ويجعل الحكم الظاهري على اساس ذلك كما قلنا إذا كانت الأغراض اللزومية أهم يجعل الاحتياط، وإذا كانت الأغراض الترخيصية أهم يجعل الإباحة....وهكذا .

الحالة الثانية: أن تكون الأهمية التي تراعى في هذا الباب ثابتة بملاك أقوائية الاحتمال، المحتمل ليس له دخل في الأهمية والتقديم، لنفترض أنّ المحتملين متساويان في الواقع من حيث الأهمية، هذا كغرض لزومي وغرض ترخيصي لا يوجد تفاوت بينهما في نظر المولى، ليس أحدهما أكثر أهمية من الآخر، لكن التقديم يكون قائماً على اساس أقوائية الاحتمال، يقدّم الشارع هذا المحتمل لأنّ احتماله أقوى من احتمال المحتمل الآخر، لا يُراعي في هذا التقديم نوع المحتمل كما في الحالة الأولى، وإنّما الذي يُراعى هو قوة الاحتمال، أنّ احتمال هذا أقوى من احتمال هذا، فيُقدم على اساس قوة الاحتمال؛ وحينئذٍ يُجعل الحكم الظاهري المناسب لذلك.

الحالة الثالثة: أنّ التقديم ثابت بملاك قوة المحتمل، لكن (قوة المحتمل كمّاً) لا كما في الحالة الأولى (قوة المحتمل كيفاً)، بمعنى أنّ الشارع يقدّم الغرض اللّزومي على العرض الترخيصي لا باعتبار أنّه يلاحظ نوع الغرض الترخيصي، وأنّ هذا غرض ترخيصي يقدّمه على الغرض اللّزومي كما في الحالة الأولى، وإنّما باعتبار أنّ الشارع يجد ـــــــ مثلاً ــــــــ أنّ الأغراض اللزومية أكثر من حيث الكم من الأغراض الترخيصية، وعندما يُفترض أنّ الأغراض اللزومية أكثر عدداً من الأغراض الترخيصية ونأتي إلى هذه الشبهة الخاصة ويختلط الغرض اللزومي بالغرض الترخيصي، هنا يقدّم الغرض اللّزومي ويجعل الشارع الاحتياط، لكن لا لكون هذا غرضاً لزومياً يقدّم على ذاك لكونه غرضاً ترخيصياً، وإنّما لأنّ هذا المحتمل أكثر عدداً.

بعبارة أخرى أكثر وضوحاً: يُقدّم هنا لأقوائية الاحتمال في الواقع؛ لأنّه عندما تكون الأغراض اللزومية أكثر بطبيعة الحال أنّ احتماله يكون أكبر من احتمال الغرض الترخيصي، هذه حالة أخرى يُلاحظ فيها مجموع الأحكام، ويقال أنّ الأحكام اللزومية أكثر من الأحكام الترخيصية، أو بالعكس أنّ الأحكام الترخيصية أكثر من الأحكام اللزومية، فيقدّم الغرض الترخيصي على اساس هذه الكثرة لا على أساس ملاحظة نوع المحتمل، وإنّما على أساس هذه الكثرة التي ترجع في الحقيقة إلى أقوائية الاحتمال، لكن أقوائية الاحتمال بالنظر المجموعي، يعني عندما يُنظر إلى جميع الأحكام يكون احتمال أن يكون الغرض هنا هو غرضاً لزومياً أكبر من كون الغرض هنا هو غرضاً ترخيصياً. هذه احتمالات ثلاثة يمكن فرض أن يُجعل الحكم الظاهري على أساسها .

هنا احتمال لابدّ من ذكره كاحتمالٍ ثبوتي: في حالة ما إذا فرضنا تساوي هذه الأغراض المتزاحمة وعدم وجود مرجّحٍ إطلاقاً لأي واحدٍ منها على الآخر، لا مرجح على اساس قوة المحتمل ولا مرجّح على أساس قوة الاحتمال ولا مرجح على اساس قوة المحتمل بحسب النظر المجموعي، في هذه الحالة يمكن للمولى أن يرجّح على أساس مرجّحات ذاتية ليس لها علاقة بواقع المطلب ـــــــ وكلامنا في الإمكان وعدم الإمكان ـــــــ يمكن أن يرجّح هذا الغرض لا على أساس ما تقدّم من ملاكات، وإنّما يقدّمه على اساس وجود مرجّح ذاتي موجود فيه، ولو كان هذا المرجّح موافقاً لطبع العقلاء ومنسجم مع ميل الإنسان بفطرته إلى هذا المحتمل، فيرجّح الشارع هذا المحتمل على الآخر لهذه النكتة؛ لأنّه بعد فرض التساوي بينهما، إذن: كل منهما لا يطلب من المولى موقفاً محدداً؛ لأنّهما متساويان، يعني المولى في هذه الحالة بعد فرض التساوي وأنه يكون مخيّراً في تقديم هذا على هذا، أو هذا على هذا لتساويهما بإمكانه أن يُعمِل مرجحات أخرى، نسمّيها (مرجّحات ذاتية) ولو كانت هي من قبيل أن يقدّم هذا المحتمل كونه موافقاً لطبع الإنسان وللرغبة الشخصية لنفس المكلّف.

الكلام يقع في أنّ الاستصحاب كحكمٍ ظاهري هل يمكن جعله على اساس قوة المحتمل ؟ هل يمكن جعله على أساس قوة الاحتمال ؟ هل يمكن جعله على أساس قوة المحتمل بالنظر المجموعي ؟ الكلام ثبوتي، أي في الإمكان. في المقام لا إشكال في أنّه لا يمكن جعل الاستصحاب على أساس أن يكون الملاك في جعل الاستصحاب هو قوة المحتمل ونوع المحتمل؛ لأنّ هذا لا يصح في الاستصحاب، يصح في الاحتياط وفي الإباحة، لكنه لا يصح في الاستصحاب، والسر واضح، وذلك باعتبار أنّ نوع الحكم المحتمل في باب الاحتياط معيّن، فيمكن أن يُنظر إليه ويقدّم على اساس نوع الحكم المحتمل. في باب الاستصحاب نوع الحكم المحتمل ليس معيّناً هو يختلف باختلاف الموارد، قد يكون الحكم المستصحب حكماً إلزامياً وجوبياً، وقد يكون حكماً إلزامياً تحريمياً، وقد يكون الحكم المستصحب المحتمل حكماً ترخيصياً، وقد يكون لا هذا ولا ذاك، وإنّما قد يكون حكماً وضعياً، إذن: يختلف، فالاستصحاب ليس له نوع حكم محدد حتى يقال هنا يوجد عندنا محتملان، هذا محتمل يُمثل نوعاً محدداً من الحكم، وهذا أيضاً محتمل يُمثل نوعاً محدداً من الحكم، فيُلاحظ المولى أيّهما أهم ؟ فيقدّم هذا على ذاك، أو بالعكس. في باب الاستصحاب المحتملات تختلف، قد تكون المحتملات في موردٍ هي عبارة عن الحرمة والإباحة وفي موردٍ آخر عبارة عن الوجوب والإباحة، وفي موردٍ آخر عبارة عن الحكم الوضعي وعدمه، وقد يكون حكماً ترخيصياً وعدمه....وهكذا تختلف الموارد، الاستصحاب يجري في جميع هذه الموارد، فلا يمكن أن نقول أنّ الشارع جعل الاستصحاب لأجل أهمية نوع الحكم المحتمل، نوع الحكم المحتمل في باب الاستصحاب ليس له تميّز حتى يكون الرجحان قائماً على أساسه، بخلاف أصالة الاحتياط وأصالة الإباحة، هناك تميّز لنوع الحكم المحتمل، يوجد حكم إلزامي في قِباله حكم غير إلزامي، فالشارع يقول أنّ الحكم الإلزامي أهم عندي من الحكم الترخيصي، الغرض اللّزومي أهم عندي من الغرض الترخيصي، فيُقدّم على اساس نوع المحتمل، بينما في باب الاستصحاب هذا الشيء متعذّر وغير معقول؛ ولذا لا يمكن جعل الاستصحاب على أساس نوع الحكم المحتمل، يعني على اساس أقوائية المحتمل وهو النحو الأول الذي ذكرناه، لكن لا مانع ويمكن جعل الاستصحاب على أساس قوة الاحتمال، وليس هناك محذور ثبوتي في أن يُجعل الاستصحاب على اساس قوة الاحتمال، بمعنى أن يقال في باب الاستصحاب يوجد محتملان، أحدهما بقاء الحالة السابقة، أيّ شيءٍ كانت هي الحالة السابقة، سواء كانت حكماً إلزامياً، أو حكماً ترخيصياً، أو حكماً وضعياً، هناك في كل استصحاب محتملان، أحدهما بقاء الحالة السابقة، والثاني هو زوالها، هنا الشارع في هذه الحالة يُقدّم على اساس قوة الاحتمال، أن يقول أنّ احتمال بقاء الحالة السابقة أكبر من احتمال زوالها، فيُقدّم على أساس قوة الاحتمال استناداً إلى أنّ اليقين السابق أمارة على البقاء، أو الحدوث أمارة على البقاء، باعتبار أنّ الغالب في ما يحدث أنه يبقى، يمكن افتراض أنّ الحدوث أمارة على البقاء، أو اليقين السابق أمارة على البقاء، وإذا كان هذا أمارة على البقاء يعني أنّ احتمال البقاء يكون أكبر من الارتفاع، فيكون التقديم قائماً على أساس ذلك، يكون جعل الاستصحاب قائم على اساس قوة الاحتمال، فيجعل الشارع الاستصحاب، يعني يقول للمكلف: أبقِ ما كان على ما كان؛ لأنّ احتماله أكبر من احتمال الزوال، كما أنّ الفرض في الحالة الثالثة أيضاً ممكن وهو أن يقال أنّ الترجيح يكون بلحاظ قوة المحتمل، لكن بلحاظ النظر المجموعي، أو قوة الاحتمال كمّاً، وذلك بأن يقال: أنّ الشارع لاحظ أنّ الحالات التي تحدث في زمانٍ الغالب فيها أنّ الكثير منها يحدث ويبقى، وهذا لا يعتبر اليقين أمارة، ولكنّه يرى أنّ الغالب في ما يحدث أنّه يبقى، كما قلنا سابقاً أنه يلاحظ أنّ الأغراض اللزومية أكثر من الأغراض الترخيصية، هنا يُلاحظ أنّ ما يبقى أكثر ممّا يزول؛ وحينئذٍ يجعل الاستصحاب، يعني يأمر المكلف بأن يبقي ما كان على ما كان؛ لأنّ الغالب في ما يحدث أنه يبقى، ولا يجعل الحدوث أو اليقين السابق أمارة، وإنّما رعاية للكثرة العددية، فيجعل الاستصحاب رعايةً لهذه الكثرة فقط .

كما أنّ من الممكن ثبوتاً افتراض أنّ الشارع تكافأت عنده الأغراض المتزاحمة من دون مرجح لبعضها على البعض الآخر، وقد يكون أعمل مرجحاً ذاتياً في باب الاستصحاب؛ إذ لا إشكال أنّ إبقاء ما كان على ما كان يوافق الطبع العقلائي ويوافق الرغبة الشخصية للمكلف في أن يبقي ما كان على ما كان، فقد يقال أنّ هذا يوجب جعل الاستصحاب على أساس ذلك. هذه كلّها احتمالات ثبوتية ليس في افتراضها محذور عقلي، هذا هو الغرض، ولا يلزم من ذلك التناقض ولا عدم المعقولية ولا أمثال هذه الأمور .

وبهذا نصل إلى هذه النتيجة: أنّ الوجوه الممكنة هي هذه الوجوه المتعارفة باستثناء أن يكون التقديم قائماً على اساس نوع الحكم المحتمل، هذا غير معقولٍ في باب الاستصحاب للسبب الذي ذكرناه .

الأمر الثالث: هناك مطلب ذكره الشيخ(قدّس سرّه) في الرسائل،[1] ذكر أمراً تعرّض له نقله عن السيد بحر العلوم(قدّس سرّه)، يقول أنّ السيد بحر العلوم(قدّس سرّه) في فوائده جعل الاستصحاب دليلاً على الحكم في مورد جريان الاستصحاب وجعل قولهم(عليهم السلام) لا تنقضوا اليقين بالشك دليلاً على الاستصحاب، فالدليل على الحكم الشرعي الجزئي في موردٍ معيّن إذا شككنا ــــــــ فرضاً ـــــــ في نجاسة الماء المتغيّر بالنجاسة، الدليل على النجاسة بقاء الحالة السابقة، أو على نجاسة هذا الماء المتغيّر إذا زالت منه بعض الأوصاف، الدليل على هذا الحكم الجزئي في هذا المورد الخاص وهو نجاسة هذا الماء هو الاستصحاب، ولا تنقضوا اليقين بالشك هو دليل على الدليل، لكن الدليل على الحكم الخاص هو الاستصحاب، وعلى هذا الأساس ذكر أنّ استصحاب الحكم المخالف للأصل يكون رافعاً للأصل، ومخصصاً لعمومات الحل، وأنّ قولهم(عليهم السلام) لا تنقض اليقين بالشك هو بالضبط مثل آية النبأ في خبر الثقة، فخبر الثقة يكون دليلاً لإثبات هذا الحكم الشرعي، وآية النبأ تكون دليلاً على الدليل، أي تكون دليلاً على حجّية خبر الثقة، لكن الدليل على الحكم في المورد الخاص هو خبر الثقة، السيد بحر العلوم(قدّس سرّه) يجعل الاستصحاب بهذه المثابة . الشيخ(قدّس سرّه) تعرّض لذلك ونقل عنه هذا الكلام وأجاب عنه بأنّ الاستصحاب الجزئي في المورد الجزئي، في المورد الخاص هو عبارة عن الحكم الشرعي، استصحاب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال بعض الأوصاف عنه هو عبارة عن الحكم الشرعي، أي الحكم بثبوت النجاسة في هذا المورد، فالاستصحاب هو عبارة عن الحكم، فلا يمكن أن يكون دليلاً على الحكم؛ لأنّه هو عبارة عن الحكم، هو ليس شيئاً آخر غير الحكم، فلا معنى لأن نجعله دليلاً على الحكم ونجعل(لا تنقض) دليلاً على الدليل، هو بنفسه هو الحكم ويحتاج إلى دليل ودليله هو(لا تنقض اليقين بالشك) وبهذا يختلف عن خبر الثقة، فخبر الثقة ليس حكماً، الاستصحاب هو عبارة عن الحكم بنجاسة هذا الماء المتغيّر بالنجاسة، أمّا خبر الثقة فليس حكماً، فنجعل خبر الثقة دليلاً على الحكم في المورد الخاص، لكن لا يمكن أن نجعل الاستصحاب دليلاً على الحكم في المورد الخاص؛ لأنّ الاستصحاب هو عبارة عن الحكم الشرعي؛ لأنّ استصحاب نجاسة الماء المتغيّر هو عبارة عن الحكم بنجاسة هذا الماء المتغيّر بالنجاسة، فإذا كان الاستصحاب هو عبارة عن الحكم الشرعي، فلا معنى لأن نقول أنّ الاستصحاب دليل على الحكم الشرعي، ففرّق بينهما على هذا الأساس، وبالنتيجة لم يقبل كلام السيد بحر العلوم(قدّس سرّه) . هذا البحث معناه أنّ هناك كلاماً فيما بينهم، وهناك رأيان في المسألة.