38/04/18


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/04/18

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: دليل الانسداد

إلى هنا قد تبين أن ما ذكره المحقق العراقي(قده) من أن الاضطرار إلى غير المعين في المقام يرجع في نهاية المطاف إلى الاضطرار إلى المعين فيوجب انحلال العلم الإجمالي مبني على الخلط والاشتباه فإنه علل ذلك بالتبعيض في الاحتياط وتطبيق ترك الاحتياط على الفئة الموهومة والمشكوكة لدفع الاضطرار ووجوب الاحتياط في الفئة المظنونة وهذا معناه تنجيز العلم الإجمالي فإنه معلول لتنجيز العلم الإجمالي وفي طوله لا أنه معلول لانحلال العلم الإجمالي فإن العلم الإجمالي إذا انحل فلا يجب الاحتياط في المظنونات بل المرجع في المظنونات أصالة البراءة العقلية باعتبار انحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي برفع التكليف في موارد الاضطرار والشك البدوي في موارد غير الاضطرار.

فإذاً ليس في نفس الإنسان إلا الشك البدوي والعلم التفصيلي واما العلم الإجمالي فهو غير موجود هذا هو معنى الانحلال ، ولهذا وقع في كلامه(قده) اشتباه فتعليل الانحلال بتبعيض الاحتياط مبني على الاشتباه.

فما ذكره(قده) غير تام.

الوجه الثاني: - من الإشكال على التفسير الأول للحكومة – فمع الإغماض عما ذكرناه وتسليم أن الاضطرار إلى غير المعين كالاضطرار إلى المعين ويوجب انحلال العلم الإجمالي غاية الأمر أن الاضطرار إذا كان إلى المعين يوجب انحلال العلم الإجمالي في مرحلة الجعل إذ الاضطرار بنفسه رافع للحكم المجعول في الشريعة المقدسة وهذا يعني أنه مانع عن جعله في الواقع باعتبار أن الحكم الضرري والحرجي غير مجعول في الشريعة المقدسة وأما إذا كان الاضطرار إلى غير المعين فهو لا يوجب ارتفاع الحكم الواقعي في مرحلة الجعل ولا يوجب انحلال العلم الإجمالي في مرحلة الجعل بل يوجب انحلاله في مرحلة التطبيق فإنه مرخص واقعا في تطبيق المضطر إليه على أي إناء، ومن الواضح أن الترخيص الواقعي لا يجتمع مع الحرمة فإذا طبق المضطر إليه على الإناء الشرقي فبطبيعة الحال ترتفع حرمته لو كان شربه في الواقع حراما، لأن الترخيص لا يجتمع مع حرمة شيء.

والجواب عنه ذلك:

أولاً: ما تقدم من أن الاضطرار إلى غير المعين لا يوجب انحلال العلم الإجمالي لا في مرحلة الجعل ولا في مرحلة التطبيق:

أما في مرحلة الجعل: فهو واضح لأن متعلق الاضطرار غير متعلق التكليف فالتكليف تعلق بالفرد بحده الفردي والاضطرار تعلق بالجامع بحده الجامعي فمتعلق أحدهما غير متعلق الآخر، فلا يعقل ان يكون الاضطرار رافعا للتكليف.

وأما في مرحلة التطبيق: فما ذكر في هذا الوجه مبني على الخلط فإن المكلف مرخص في تطبيق المضطر إليه على أي من الإناءين لا أنه مرخص في شرب الإناء الشرقي مثلا حتى يقال: إن الترخيص لا يجتمع مع الحرمة، بل الحرمة باقية على حالها فإذا طبق المكلف الاضطرار على الإناء الشرقي وكان شربه في الواقع حراما فيكون قد ارتكب الحرام غاية الأمر انه معذور ولا يعاقب ولهذا العلم الإجمالي باق على حاله ويجب عليه الاجتناب عن الإناء الآخر وهو الإناء الغربي ولا يجوز له الرجوع إلى البراءة العقلية.

ثانياً: أن الاضطرار إلى غير المعين إنما يوجب انحلال العلم الإجمالي إذا لم تكن دائرة المعلوم بالإجمال أوسع من دائرة المضطر إليه وأما إذا كانت دائرة المعلوم بالإجمال أوسع من دائرة المضطر إليه فلا يكون هذا الاضطرار موجبا لانحلال العلم الإجمالي بل الاضطرار إلى المعين أيضا كذلك كما إذا فرضنا ان المكلف يعلم إجمالا بحرمة شرب إناءين من مجموع ثلاث آنية وفرضنا اضطراره إلى شرب أحدهما إما المعين او غير المعين فمثل هذا الاضطرار لا يوجب انحلال العلم الإجمالي فإذا ارتكب شرب أحدهما فالعلم الإجمالي بحرمة شرب أحد هذه الآنية باق على حاله.

والحاصل: أن الاضطرار سواء كان إلى المعين او كان إلى غير المعين إنما يوجب انحلال العلم الإجمالي إذا لم تكن دائرة المعلوم بالإجمال اوسع من دائرة المضطر إليه واحتمال انطباقه على المضطر اليه فعندئذ يوجب الانحلال واما إذا كانت دائرة المعلوم بالإجمال أوسع من دائرة المضطر إليه فلا يوجب انحلال العلم الإجمالي.

وثالثاً: مع الإغماض عن ذلك أيضا وفرض ان الاضطرار إلى غير المعين يوجب انحلال العلم الإجمالي ولكن يوجب انحلال العلم الإجمالي بين المظنونات والمشكوكات والموهومات فإنه مع اضطراره إلى ارتكاب بعض هذه الشبهات وفرضنا ان المكلف طبق ترك الاحتياط على الموهومات والمشكوكات انحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بنفي التكليف في موارد الاضطرار وشك بدوي في ثبوت التكليف في موارد غير الاضطرار كالمظنونات.

ولكن هنا علم إجمالي آخر وهو علم إجمالي بين المظنونات فقط فإنه لا شبهة في أن المكلف يعلم إجمالا أن بعض الظنون الموجودة في بعض المسائل الفقهية في جميع أبواب الفقه مطابق للواقع ومقتضى هذا العلم الإجمالي هو الاحتياط.

والنتيجة ان هذا الوجه أيضا غير تام.

الوجه الثالث: ما ذكره صاحب الكفاية[1] (قده) من أنه إذا تمت مقدمات الانسداد تكون النتيجة هي الكشف فمع فرض انسداد باب العلم والعلمي في الأحكام الشرعية ولا طريق لنا إلى الأحكام الشرعية والاحتياط غير واجب لانحلال العلم الإجمالي بالاضطرار ولا شبهة في أن الإنسان العاقل والواعي مكلف بالدين إذ ليس حاله كحال المجنون والبهائم جزما.

فهذه المقدمات الثلاث:

    1. انسداد باب العلم والعلمي بالأحكام الشرعية.

    2. الاضطرار يوجب انحلال العلم الإجمالي فلا يجب الاحتياط.

    3. وعدم سقوط التكليف الواقعي عن المكلف.

تكشف عن أن الشارع جعل الظن حجة لا انها تكشف عن ان العقل يحكم بحجية الظن إذ ليس الجعل من شأن العقل لأن شأنه إدراك الأشياء والجعل بيد الشارع سواء كان حكما تكليفيا أم كان وضعيا، ولذا كان معنى حكم العقل بالحسن والقبح إدراكه حسن شيء أو قبحه وإلا ليس للعقل جعل وحكم.

وعلى هذا فتمامية هذه المقدمات تكشف عن جعل الشارع الظن حجة شرعا وأنه منجز للواقع عند الإصابة ومعذر عند الخطأ لا أن العقل جعل الحجية للظن.

ولكن ما ذكره(قده) ليس الأمر فيه كذلك.

هذا كله في التفسير الأول للحكومة وهو ان العقل يحكم بحجية الظن.

واما التفسير الثاني: وهو ان حال الظن في باب الانسداد كحال القطع في باب الانفتاح وقد اختار هذا التفسير المحقق الخراساني[2] (قده) أي كما ان حجية القطع في باب الانفتاح ذاتية وغير قابلة للجعل كذلك حجية الظن في باب الانسداد.