38/03/06


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/03/06

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: تنبيهات مسألة اجتماع الأمر والنهي.

المصداق الخامس:- وهو الوضوء في المغصوب - أي لا بالماء الماء المغصوب ولا بالإناء المغصوب بل الوضوء بماء وإناء مباحان ولكن في المجال المغصوب -.

الوضوء له حالتان:-

الأولى:- أن يفترض أنَّ المكان مغصوب دون الفضاء.

الثانية:- هي بالعكس يعني أنَّ الفضاء مغصوب والمكان ليس مغصوباً.

ومثال الحالة الأولى:- ما لو فرضنا أن الانسان في داره المملوكة له وضع جسراً أو حديدة أو خشبة مغصوبة من الغير ووقف عليه يتوضأ فالفضاء مباح ولكن هذا الجسر من البناء وغيره هو غصبي ووقف يتوضأ ، فهل هذا الوضوء فيه إشكال أو لا وهل فيه اجتماع أعمر نهي أو لا ؟

الجواب:- كلا لأنَّ الوضوء هو عبارة عن وصول الماء إلى البشرة - فإن إمرار اليد ليس بلازم بل يكفي أيصال الماء من الصنبور أو الاناء إلى بشرة العضو الذي يجب غسله هو هذا عبارة عن الوضوء وهذا ليس بحرام ، فوصول الماء إلى البشرة ليس بحرام لأنَّ المفروض أنَّ الماء مباح ولكني واقف على الجسر الغصوب ، فعلى هذا الأساس الحرام له مجاله الخاص وهو الوقوف على الجسر ، والوضوء له مجاله الآخر وهو وصول الماء إلى البشرة ، فكلّ منهما غير الآخر وجوداً ، فوجود هذا يغاير وجود ذاك ، فأين اجتماع الأمر والنهي وأين الاشكال في الوضوء ؟!! فإنه ينبغي الحكم بصحة هذا الوضوء بلا شكال ، ولكنّ المكلف يستحق العقوبة من جهة ارتكابه محرّم وهو الوقوف على الجسر المغصوب ، ولكن لا توجد منافاة بين الحكم بصحّة الوضوء وبين استحقاقه للعقوبة ، إلا بناءً على الفكرة التي أشرنا إليها أكثر من مرّة وهي أنَّ من يأتي بالمحبوب في أجواءٍ مبغوضة من قبيل أن أجلب لك العصير في قدحٍ وقد وضعت القدح في إناءٍ وسخ فهذا لعله عرفاً وعقلائياً لا يحصل به تقرّب - إذا قلنا بهذا - ، فإذا قلنا مادام حصل في أجواء وظروف مبغوضة للمولى فلا يحصل تقرّب بالشيء وإن كان الشيء مباحاً في نفسه لكن الاتيان به في أجواء وفي مجالٍ مبغوض يمنع من المقربيّة عرفاً وعقلائياً ، فإذا بنينا على هذه القضيّة فهنا نقول هذا الوضوء ، ولا أقل فيه إشكال أو احتياط وجوبي ، ومنشأ الاشكال هو أنه لا من باب أنَّ نفس الوضوء صار منهياً عنه ، ولكن منشأه هو أنَّ الاتيان بالوضوء في أجواءٍ وفي مكانٍ مبغوضٍ ومثل هذا قد يمنع من التقرّب في النظر العقلائي ، فإذا جزمت بذلك فافتِ بالبطلان ، وإذا جزمت بأنه لا يضرّ فافتِ بالصحة ، وأما إذا تردّدت فقل فيه إشكال أو احتياط وجوبي بالإعادة.

وأما الحالة الثانية:- كما إذا فرض أنَّ شخصاً غصب داراً ولكنه أتى بكرسيٍّ ووضعه في وسط الدار ، فهو يستقر على الكرسي ويتوضأ عليه ، فهذا الكرسي مباح لكنّ الفضاء من الأسفل إلى الأعلى غصبي ، فصار وضوئه في الفضاء الغصبي لكن المكان الذي استقرّ عليه ليس مغصوباً - وإن كانت عندك مناقشة في المثال فأبدله - ، ففي مثل هذه الحالة ماذا نحكم هل الوضوء صحيح أو هو باطل ؟

أجاب السيد الخوئي(قده)[1] عن ذلك حيث قال:- إنَّ غسل الوجه واليدين لا مشكلة فيه رغم أنه في الفضاء المغصوب لكن مسح الرأس والرجلين فيه مشكلة فالبطلان يأتي من المسح لا من غسل الوجه واليدين لأجل أنَّ غسل الوجه واليدين عبارة عن وصول الماء إلى البشرة ووصول الماء إلى البشرة ليس تصرّفاً في الفضاء المغصوب فلا موجب للبطلان ، وهذا بخلافه في المسح فإنه يحتاج إلى إمرار اليد وإمرار اليد في الفضاء المغصوب تصرّف في الفضاء المغصوب فيقع محرّماً لنه تصرّف في الفضاء المغصوب.

وهو غريب:- إذ يرد عليه:-

أوّلاً:- إنه ذكر فيما سبق مسألة الصلاة في المغصوب إذا أراد المكلف أن يركع قال الركوع ليس محرماً لأنَّ الركوع هو هيئة في بدن الراكع ، فهو يتصرّف في هيئة بدنه ، فلا إشكال ، فلا يلزم اجتماع الأمر والنهي في الركوع ولا في القيام ولا في التشهّد . هكذا هو التزم كما نحن التزمنا بذلك.

ونحن نقول:- إنَّ المناسب لما ذكره هنا هو حرمة الركوع ، لأنَّ الركوع هو تصرّف في الفضاء المغصوب ، فصحيحٌ أنَّ المصلّي تصرّف في بدنه ولكن في الأثناء هو قد تصرّف في الفضاء على الدّقة التي ذكرها هنا ، فأنا حينما انحني وأصير كهيئة الراكع فقد تصرّفت في الفضاء.

إلا أن يجيب ويقول:- إنَّ هذا سكونٌ في الفضاء ، لأنَّ الانسان حينما يستقر ويصير انحناءً تاماً كهيئة الراكع هنا يصدق الركوع وأما الهَويُّ فهو مقدّمة للركوع أما هيأة الراكع فهي سكون في الفضاء ، بخلاف الوضوء فإنه حركة في الفضاء.

وإذا أراد أن يجيب هكذا ويقول إنّ التصرّف في الفضاء المغصوب يصدق إذا كان بالحركة كما في المسح لا كما إذا كان بالسكون فيردّه:- إنه إذا أردنا أن نقول إنَّ هذ الحركة بالمسح في الفضاء هي تصرّفٌ في الفضاء فالسكون أيضاً نحوٌ من التصرّف ، فمن هذه الناحية لا فرق بينهما.

ثانياً:- لو تنزّلنا وسلّمنا ما أفاده - من أن هذا سكون في الفضاء السكون في الفضاء ليس تصرّفاً في باب الوضوء بخلاف المسح فإنه حركة - فنجيب ونقول:- نحن ذكرنا فيما سبق أنَّ من دخل الأرض المغصوبة فهو بدخوله وبكونه في المكان المغصوب هو قد فعل حراماً ويستحق الذمّ والعقوبة ، فهو بنفس كينونته ودخوله يستحق العقوبة ، أما بعد أن دخل رفع رأسه فعلى رأي السيد الخوئي سوف يكون تصرفاً في الفضاء يعني يستحق عقوبة أخرى غير أصل الدخول وهكذا يستحق عقوبة ثالثة على حركة اليد .... وهكذا فهذا غير مقبول؛ إذ العرف لا يعدّ هذه الحركات البسيطة تصرّفات محرّّمة مبغوضة زائدة على أصل الكينونة والكون في المكان المغصوب بحيث تكون محرّمة بحرمةٍ أخرى.

فإذن في مقامنا أيضاً نقول كذلك ، فنقول إنَّ الشخص الموجود في المغصوب سوف يعاقب على أصل وجوده في المكان المغصوب ، أما إمرار يده لأجل المسح فلا يعدّ محرّماً آخر ومبغوضاً آخر حتى تقول لا يمكن تحقّق المسح الصحيح لأنه محرّم ومبغوض .

إذن اتضح أنَّ الوضوء ينبغي الحكم بصحّته من ناحية غسل الوجه واليدين ومن ناحية المسح فإنه لا فرق من هذه الناحية ولا إشكال فيه ، إلا بناءً على القضية التي أشرنا إليها وهي أنَّ ما يؤتى به في الأجواء المبغوضة لا يمكن التقرّب به لدى العرف أو لدى العقلاء وهنا مادام أتى بهذا الوضوء في الفضاء المغصوب فنفس هذا يمنع من التقرّب ، فإذا قبلت بهذه القضية فالإشكال يقع من هذه الناحية لا من أنَّ المسح فيه إمرار والامرار تصرّفٌ في المغصوب.

المصداق السادس:- الغسل والتيمم في المغصوب.

إذا أراد شخص أن يغتسل بالماء المباح في الإناء المباح لكن المكان كان مغصوباً ، كما إذا فرض انه كان عنده خزان ماء كرّ قد وضعه في الدار المغصوبة ثم دخل في الخزّان ليغتسل ارتماساً ، ونفس الكلام يأتي إذا كان الغسل ترتيبياً ، فهل هذا الغسل فيه إشكال أو لا ؟

والجواب:- يمكن أن يقال إنه لا إشكال فيه لأن الغسل عبارة عن وصول الماء إلى بشرة البدن أما حركة اليد فليست مطلوبة ، ووصول الماء إلى البشرة ليس تصرّفاً في الفضاء ، وحتى لو سلّمنا أنَّ حركة اليد تصرّف في الفضاء على ما قال السيد الخوئي لكنه في الغسل حركة اليد ليست لازمة ، وحتى لو كانت هناك حركة يد ولكنها ليست مقوّمة للغسل ، فعلى هذا الأساس يكون الغسل صحيحاً ولا إشكال فيه ، لأنَّ وصول الماء إلى البشرة ليس تصرّفاً في الفضاء المغصوب ولا في المكان المغصوب ، إلا بناءً على القضية التي أشرنا إليها مراراً وهي أنه ما أُتِيَ به في الأجواء المغصوبة لا يمكن التقرّب به.

وأما بالنسبة إلى التيمم:- فيمكن الاشكال فيه على رأي السيد الخوئي(قده) ، لأنَّ التيمم متقوّم بالمسح - بإمرار اليد - فلابدّ من تحريك يدك على الجبهة وعلى ظاهر الكفين ، فإمرار الماسح قضيّة لازمة ، وبناءً على رأيه يكون تحريك اليد في الفضاء المغصوب هو تصرّف في الفضاء المغصوب ، فيقع هذا التيمم باطلاً.

إذن سوف يصير هنا فرق بين الوضوء في المكان المغصوب فلا يكون باطلاً ، وبين التيمم فيكون باطلاً ، والنكتة هي أن الغسل هو وصول الماء إلى البشرة ووصول الماء إلى البشرة لا يعدّ تصرّفاً في الفضاء ولا في المكان المغصوب ، بينما التيمم فهو متقوّم بإمرار اليد فحينئذٍ يقع باطلاً لأنَّ إمرار اليد في الفضاء تصرّفٌ في الفضاء المغصوب ، هكذا يصير الحكم على رأي السيد الخوئي(قده).

ولكن قد تقدم منا مناقشة هذا:- وهو أنَّ إمرار اليد في الفضاء لا يكون تصرّفاً محرّماً في الفضاء لما أشرنا إليه ، ولكن رغم هذا نستشكل في الغسل الذي لم يستشكل فيه السيد الخوئي(قده) وفي التيمم ، لأنه أُتِيَ بهما في فضاءٍ وفي أجواءٍ مبغوضة ، وما يؤتى به في الأجواء المبغوضة قد يمتنع التقرّب به عند العرف والعقلاء.


[1] موسوعة السيد الخوئي، الخوئي، ج3، ص207.