38/01/29


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/01/29

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: ادلة حجية خبر الواحد – السيرة العقلائية

إلى هنا قد تبين أن شبهة رادعية الآيات الناهية عن العمل بالظن وبغير العلم مما لا أساس لها وذلك لسببين مهمين:

السبب الأول: قد تقدم أن هذه السيرة مرتكزة في أذهان الناس وثابتة فيها كالتقاليد والعادات التي هي بمثابة ذاتي الإنسان وتحدد سلوكياته في الخارج وعلة لها وهي إما سلوكيات معتدلة ومستقيمة وأما منحرفة فهذه التقاليد والعادات التي هي بمثابة ذاتية للإنسان علة لسلوكيات الإنسان في الخارج والسيرة أيضا كذلك أي هي كالتقاليد الذاتية للإنسان فالناس يتحركون ويعملون بأخبار الثقة بدون أي التفات ومن دون أن يخطر ببالهم أن الآيات الناهية عن العمل بالظن رادعة عن العمل بهذه السيرة ومن هنا قلنا إن السيرة قطعية بل ضرورية وكذلك إمضاؤها، إذ لو كانت هذه السيرة منافية للأغراض الدينية لصدر عن النبي الأكرم(ص) ردع عنها وتنبيه وإشارة وتأكيد على أن هذه السيرة منافية للمصالح الدينية بطبيعة الحال مع أنه لا عين ولا أثر لذلك لا من النبي الأكرم(ص) ولا من الأئمة الأطهار(ع) في طول هذه الفترة الزمنية.

ومن هنا نكشف كشفا قطعيا بل ضروريا أن هذه السيرة ممضاة شرعا وأنها مقبولة عند الشارع فمن أجل ذلك لا يمكن أن تكون الآيات الناهية بعمومها وإطلاقها رادعة عن هذه السيرة فإنه لا يمكن ان يكون الدليل الظني مزاحما للدليل القطعي فإن ظهور الآيات الناهية في العموم والإطلاق ظني وأما هذه السيرة فبنفسها وإمضائها قطعية فكيف يمكن ان تعارض مثل هذه السيرة وكيف يمكن ان تكون رادعة عنها؟!

السبب الثاني: أن السيرة دليل لبي وليس دليلا لفظيا والدليل اللبي ليس له مقامين: مقام الإثبات ومقام الثبوت إذ أن مقام إثباته عين مقام ثبوته ومقام ثبوت عين مقام إثباته، لأن مقام الثبوت والإثبات إنما يتصور في الدليل اللفظي فإن دلالته في مقام الإثبات والمعنى وجوده وجود واقعي قد يكون اللفظ كاشفا عنه وقد لا يكون كاشفا عنه فالكشف غير وجود المكشوف في الواقع واما في الدليل اللبي فلا يتصور الكاشف والمكشوف والدال والمدلول ولهذا لا يتصور في الدليل اللبي مقام الإثبات ومقام الثبوت لأن مقام إثباته عين مقام الثبوت وبالعكس. والدليل اللبي كالسيرة العقلائية الجارية على العمل بأخبار الثقة بمثابة القرينة المتصلة للآيات الناهية عن العمل بالظن وبغير العلم والقرينة المتصلة مانعة عن انعقاد ظهور العام في العموم وظهور المطلق في الإطلاق.

فهذه السيرة بنفسها مانعة عن ظهور هذه الآيات في العموم وفي الإطلاق فتصبح الآيات مجملة ولا بد من الأخذ بالمقدار المتيقن منها والمقدار المتيقن منها غير أخبار الثقة التي قامت على حجيتها السيرة القطعية من العقلاء الممضاة شرعا.

فإذن هذه السيرة بما أنها دليل لبي مانعة عن انعقاد ظهور هذه الآيات الناهية في العموم والإطلاق.

ولو فرضنا وسلمنا أن هذه السيرة رغم أنها دليل لبي لا تكون مانعة عن انعقاد ظهور هذه الآيات في العموم والإطلاق فعندئذ هل يكون إطلاق هذه الآيات وعمومها رادع عن هذه السيرة أولا يكون رادعا.

والجواب عن ذلك: أن هنا عدة اتجاهات وعدة مسالك:

الاتجاه الأول: ما تقدم منا من أنه لا تنافي بين السيرة القائمة على حجية ظهور هذه الآيات الناهية عن العمل بالظن وبغير العلم والسيرة القائمة على حجية أخبار الثقة فإن النسبة بينهما عموم مطلق ولا مانع من شمول دليل الاعتبار لكل من العام والخاص معا والمطلق والمقيد معا، فإن التعارض بينهما غير مستقر لإمكان الجمع الدلالي العرفي بينهما فكلاهما مشمول لدليل الاعتبار بلا أي تناف وتعارض.

وما نحن فيه كذلك فإن ظهور هذه الآيات الناهية في العموم والإطلاق أعم من السيرة القائمة على حجية أخبار الثقة. ولا مانع من شمول كلتا السيرتين للظهور ولأخبار الثقة معا لإمكان الجمع الدلالي العرفي بينهما بحمل العام على الخاص.

الاتجاه الثاني: ما ذكره المحقق الخراساني(قده)[1] وقد أشرنا إليه فيما سبق أيضا من أنه لا مانع من مخصصية السيرة لعموم الآيات الناهية عن العمل بالظن وبغير العلم؛ فإن مخصصية السيرة لا تتوقف على عدم رادعية عموم هذه الآيات في الواقع ومقام الثبوت بل تتوقف على عدم ثبوت رادعية هذه الآيات في مقام الإثبات وإن كانت رادعة في مقام الثبوت فإذا لم تثبت رادعية عموم هذه الآيات عن السيرة في مقام الإثبات فهو كاف للتمسك بالسيرة القائمة على حجية أخبار الثقة.

فإذاً مخصصية أخبار الثقة أو مخصصية هذه السيرة لعموم هذه الآيات الناهية لا تتوقف على عدم رادعيتها في الواقع ومقام الثبوت بل تتوقف على عدم ثبوت رادعيتها في مقام الإثبات وحينئذ لا دور في المقام، فإن عدم ثبوت الرادعية لا يتوقف على شيء بل هو ثابت هذا العدم من الأزل.

ولكن ما ذكره(قده) غير تام؛ لما تقدم من أن مخصصية السيرة تتوقف على حجيتها وحجيتها تتوقف على إحراز إمضائها شرعا ومع الشك في رادعية هذه الآيات الناهية في الواقع فلا يمكن القطع بحجية هذه السيرة فبطبيعة الحال الشك في الإمضاء والشك في عموم رادعية هذه الآيات للسيرة يشك في حجيتها وقد تقدم ان الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها أي بعدم ترتيب آثارها التي لا تنفك عنها، لا أن مخصصية السيرة تتوقف على عدم ثبوت رادعية عموم هذه الآيات وإن كانت رادعة في الواقع ومقام الثبوت.

وهذا غريب من صاحب الكفاية(قده) إذ مع احتمال أن عموم هذه الآيات الناهية رادع عن السيرة في الواقع ومقام الثبوت لم يحرز حجية هذه السيرة ولم يحرز إمضائها فبطبيعة الحال يشك في حجيتها والشك فيها مساوق للقطع بعدمها فما ذكره صاحب الكفاية(قده) غريب جدا.

بل الأمر بالعكس تماما فإن رادعية عموم هذه الآيات الناهية عن السيرة لا يتوقف على عدم مخصصيتها في الواقع ومقام الثبوت بل تتوقف على عدم ثبوت مخصصيتها في مقام الإثبات فقط وإن كانت في الواقع ومقام الثبوت مخصصة باعتبار أن التمسك بالعام ثابت فيما إذا لم يعلم بوجود المخصص فإن ظهور العام في العموم حجة طالما لم يعلم بوجود المخصص له وإن كان موجودا في الواقع فوجوده في الواقع لا أثر له فطالما لم يصل المخصص إلى المكلف ولم يعلم به فلا أثر لوجوده في الواقع. فالتمسك بالإطلاق والعموم منوط بعدم العلم بالمخصص في مقام الإثبات وإن كان المخصص أو المقيد موجودا في الواقع ومقام الثبوت والا فلا يمكن التمسك بأكثر عمومات الآيات الكريمة والروايات وإطلاقاتها لاحتمال وجود المخصص والمقيد لها، مع أن الأمر ليس كذلك.