37/11/23


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

37/11/23

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: أدلة حجية خبر الواحد ــــــ آية النفر

تقدم الكلام في الإشكال الأول والثاني والثالث وذكرنا أن هذه الإشكالات لا ترد على الآية المباركة بعد تسليم أنها تدل على وجوب التحذر.

الإشكال الرابع: ما ذكره شيخنا الأنصاري(قده)[1] من أن ترتب وجوب الحذر على إنذار المنذر يدل على أن الإنذار واجب فإنه غاية للواجب وهو التفقه حيث أن التفقه في الدين واجب فإذا كان غاية للواجب فغاية الواجب واجبة بطريق أولى.

فإذن وجوب التحذر من الإدانة والعقوبة مترتب على الإنذار الواجب، والمراد من الإنذار الواجب هو الإنذار بالدين بقرينة قوله تعالى: ( ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) فإن الآية تدل على أن المراد من الإنذار هو الإنذار بالدين فإذا كان المراد من الإنذار هو الإنذار بالدين فإحراز المنذرين (بالفتح) أن إنذار المنذرين (بالكسر) إنما هو بالدين وجب عليهم التحذر من الإدانة والعقوبة.

واما إذا لم يحرزوا فلا يجب لاستحالة ثبوت الحكم بدون إحراز موضوعه فإن موضوع وجوب التحذر إنذار بالمنذر بالدين فلا بد من إحراز أن هذا الإنذار الصادر منهم إنما هو بالدين، فإذا توقف وجوب التحذر على كون إنذار المنذر بالدين وعلى إحرازه فعندئذ يكون جعل الحجية لإنذار المنذر يكون لغوا وجزافا وأن المعتبر في وجوب التحذر من الإدانة والعقوبة إحراز إنذار المنذر بالدين وعندئذ يكون جعل الحجية لغوا لأنه من أردئ تحصيل الحاصل فإن ما هو حاصل بالعلم الوجداني تحصيله بالعلم التعبدي من أردئ أنحاء تحصيل الحاصل.

هذا ملخص ما ذكره شيخنا الأنصاري(قده).

وللمناقشة فيه مجال واسع. فلا شبهة في أن الإخبار عن الوجوب والإخبار عن الحرمة إخبار عن التفقه في الدين فإن الدين عبارة عن الوجوب والحرمة وما شاكلهما وليس المراد من الدين في الآية المباركة مفهوم الدين بل المراد من الدين واقع الدين وواقع الدين متمثل بالوجوب والحرمة والجزئية والشرطية وما شاكلهما من الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية فلا شبهة في أن الإخبار عن الوجوب إخبار عن الدين والإخبار عن الحرمة إخبار عن الدين فإذا كان الخبر حجة فلا شبهة في أنه يثبت الوجوب تعبدا وظاهرا وتنجزا وقد ذكرنا أن للثبوت مراحل:

المرحلة الأولى: ثبوت الحكم وجدانا.

المرحلة الثانية: ثبوت الحكم تعبدا.

المرحلة الثالثة: ثبوت الحكم تنجزا.

وغالب الأحكام ثابتة تعبدا وظاهرا وأما الأحكام الوجدانية والأحكام الضرورية والأحكام القطعية فهي قليلة جدا ولا تتجاوز نسبتها عن جميع الأحكام بنسبة تقريبية عن 6% وإلا فباقي الأحكام جميعا أحكام نظرية وإثباتها بحاجة إلى دليل وغالبا ما تثبت بالتعبد او بالتنجز كما في موارد أصالة الاشتغال وفي موارد الأمارات إثباتها إثبات تعبدي ويترتب عليه تنجزها.

وعلى هذا فإذا أخبر المولى عن وجوب شيء فهذا الخبر يدل على الوجوب بالمطابقة ويدل على استحقاق العقوبة والإدانة على مخالفته وتركه التزاما وإذا أخبر المولى عن حرمة شيء فهذا الخبر يدل على الحرمة بالمطابقة وان الحرمة مدلول مطابقي لهذا الخبر ويدل بالالتزام على ترتب الإدانة والعقوبة على مخالفتها وارتكابها ويصدق على هذا الخبر عنوان الإنذار فما ذكره شيخنا الأنصاري من أنه لا بد على المنذرين بالفتح الإحراز الوجداني ان إنذار المنذرين بالكسر بالدين فهذا غير صحيح فلا فرق بين أن يكون إحراز إنذار المنذرين بالدين بالعلم الوجداني او بالتعبد كالأمارة لأنها محرزة لهذه الأحكام تنجيزا وتعبدا ويترتب على مخالفتها الإدانة والعقوبة.

فإذن كما يمكن إحراز أن هذا الإنذار إنذار بالدين من خلال العلم الوجداني كذلك يمكن إحرازه بالعلم التعبدي كما هو الحال في جميع الموارد فإن العلم التعبدي يقوم مقام العلم الوجداني فإن لم يتمكن من تحصيل العلم الوجداني وجب عليه تحصيل العلم التعبدي والعلم التعبدي هو الكثير في الأحكام الشرعية.

وما ذكره شيخنا الأنصاري من أن الإنذار لا بد أن يكون بالدين وأن يكون هذا الإنذار مطابقا للواقع فهذا أيضا غير صحيح فإن الخبر لا يدل على أن المخبر به مطابق للواقع أو غير مطابق للواقع لأن الخبر إنما يدل على ثبوت المخبر به وأنه ثابت تعبدا وتنجزا واما انه مطابق للواقع أو غير مطابق للواقع فهو خارج عن مدلول الجملة الخبرية لأن مدلولها الوضعي على المشهور مدلول تصوري فإذا سمعت الجملة الخبرية من لافظ بلا شعور واختيار او من لافظ في حال النوم خطر في ذهن الإنسان ثبوت المحمول للموضوع تصورا وفي عالم الذهن لا في عالم الخارج وهذا هو المدلول التصوري المستند الى الوضع فالدلالة الوضعية على المشهور دلالة تصورية. واما الدلالة التصديقية في مرحلة الاستعمال ومرحلة التفهيم فهي بحاجة الى قرينة أي بحاجة إلى أن الخبر صادر من مخبر ملتفت وعاقل فعندئذ يدل هذا الخبر على أن المخبر قصد تفهيم معناه او قصد استعماله في معناه وأما إذا أحرز أن هذا المتكلم في مقام الجد فعندئذ يدل الخبر على أنه أراد معناه بإرادة جدية ونهائية، فالدلالة الوضعية دلالة تصورية واما الدلالة التصديقية فليس مستندة الى الوضع سواء كانت في مرحلة التفهيم والاستعمال أم في مرحلة الجد والإرادة الجدية والنهائية.

واما على مسلك سيدنا الاستاذ(قده) ان الدلالة الوضعية دلالة تصديقية وليست بتصورية والجملة الخبرية موضوعة لدلالة على قصد الحكاية والإخبار عن ثبوت شيء او نفيه فيه واما أن هذا الثبوت مطابق للواقع او غير مطابق للواقع فلا تدل عليه الجملة الخبرية لأنها إنما تدل على قصد الحكاية عن ثبوتها واما أنه ثابت في الواقع واقعا أو غير ثابت فلا تدل على ذلك. والجملة الإنشائية موضوعة لدلالة على قصد الإنشاء وإبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج.

فإذن الجملة الخبرية على كلا المسلكين لا تدل على مطابقة مدلولها للواقع، فما ذكره شيخنا الأنصاري من ان إنذار المنذر لا بد ان يكون بالدين ولا بد ان يكون مطابقا للواقع لا يرجع الى معنى صحيح.

فالنتيجة ان ما ذكره شيخنا الأنصاري من أن على المنذرين (بالفتح) من إحراز ان إنذار المنذرين (بالكسر) بالدين ويكون مطابقا للواقع وإلا لم يجب عليهم التحذر من الإدانة والعقوبة لا يمكن المساعدة عليه؛ لأن إحراز إنذار المنذرين بالدين تارة يكون بالعلم الوجدان وأخرى يكون بالعلم التعبدي وثالثة يكون بقاعدة الاشتغال والاحتياط او بالاستصحاب وإن إثبات الحكم تارة يكون بالوجدان وأخرى يكون بالتعبد وثالثة بالتنجز وعلى جميع التقادير يترتب الإدانة والعقوبة على المخالفة.

فالنتيجة: أن الإشكال الذي ذكره شيخنا الأنصاري لا يمكن المساعدة عليه.