37/08/07


تحمیل

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

 

في الدروس السابقة ذكرنا الوجوه الثلاثة لبعض الأعلام المعاصرين، وقلنا أنّ كل هذه الوجوه هي بحاجة إلى مخالفة لظاهرٍ من الظهورات، وإنّما الكلام يقع في مسألة التقديم وتشخيص أي ظهور هو المرشح للسقوط حتى يؤخذ بالظهورات الأخرى ونرى ماذا يقتضي الأخذ بالظهورات الأخرى.

نذكر الآن وجهاً رابعاً أيضاً اختاره بعض الأعلام المعاصرين، ونذكره أيضاً في عداد الوجوه الثلاثة المتقدمة ، حاصل هذا الوجه يقول: أنّ مفاد هذا الحديث هو النهي كما يقول صاحب الاحتمال الثاني، وأنّ النهي في المقام ليس نهياً إلهياً، وإنّما هو نهي سلطاني، النهي ليس نهياً إلهياً حتى يكون حكماً إلهياً من قبيل النهي عن شرب الخمر، أو النهي عن الزنا ، النهي عن الضرر والضرار في الحديث الشريف ليس من هذا القبيل، يعني ليس كما يقول شيخ الشريعة، حيث أنه افترض أنّ النهي نهي إلهي، وهذا حكم شرعي مفاده حرمة الضرر والضرار مولوياً تكليفياً، فهو حكم كسائر المحرّمات في الشريعة، فكما أنّ شرب الخمر حرام ، الضرر والإضرار أيضاً حرام، هذا يقول أنّ النهي ليس نهياً إلهياً، وإنما هو نهي سلطاني، ما صدر من رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يصدر منه بما هو مبلغ للشريعة وناقل للحكم الإلهي، وإنّما صدر منه باعتباره سلطاناً وباعتباره ولي أمور الناس، وكما يعبّر باعتباره سلطان الملّة وسائس الدولة ولم يصدر منه بما هو مبلغ للأحكام الإلهية الشرعية.

في مقام بيان هذا الرأي ذكر مقدمات، ذكر في المقدمة الأولى أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) له شئون ومقامات:

المقام الأول: هو مقام النبوة والرسالة. أو بعبارة أخرى هو مقام تبليغ الأحكام الإلهية ونقلها إلى الناس.

المقام الثاني: هو مقام السلطنة والرئاسة وإدارة شئون الناس باعتباره رئيس البلاد والعباد.

المقام الثالث: هو مقام القضاء وفض الخصومات والحكومة الشرعية.

في هذه المقامات الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يقوم بدوره في كل مقام من هذه المقامات، فهو تارة يخبر عن حكم إلهي شرعي تلقاه عن طريق الوحي وبلّغه للناس، فهنا الحكم يصدر منه، لكن باعتباره مبلغاً عن الله؛ ولذا لا يصح نسبة هذا الحكم إلى الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإنّما ينسب الحكم إلى المشرّع الحقيقي والرسول هو مبلغ عن الله(سبحانه وتعالى) إلى العباد، وأخرى يصدر منه الحكم بما هو سائس للعباد ورئيس دولة وولي لأمور الناس، في هذه الحالة هذا الحكم ينسب له(صلّى الله عليه وآله وسلّم) باعتباره قائداً للأمة، ويُمثل لذلك بأمره بتنفيذ جيش أسامة، هو أمر بتنفيذ جيش أسامة، هذا الأمر ليس أمراً إلهياً؛ لأنّه لم يصدر منه بما هو مبلغ للأحكام الشرعية، وإنّما هذا أمر صدر منه بما هو قائد للأمة وسائس للعباد. وفي المقام الثالث أيضاً قد يقضي عندما يتقدم له خصمان بقضية معينة ويطلبان منه أن يحكم فيها هو يصدر حكماً، هذا الحكم الصادر منه صادر منه بما هو حاكم شرعي وقاضي يفصل بين الخصومات في موارد النزاع، فهذه ثلاثة مقامات ثابتة للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم).

في المقدمة الثانية ذكر انّه كل ما ورد عن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ بل حتى عن أمير المؤمنين(عليه السلام) باعتباره تولّى هذه المناصب الثلاثة، كل ما ورد عن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلفظ (قضى) ، أو(حكم) أو(أمر) وأمثال هذه التعبيرات، المراد منها ليس هو بيان الحكم الشرعي الإلهي، يعني لم يصدر منه ذلك بما هو مبلّغ عن الله(سبحانه وتعالى) وإنّما ظاهر هذه التعبيرات هو أنّه قضى وحكم وأمر من حيث أنه قائد للأمة، أو من حيث أنه قاضٍ، عندما يقال قضى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) معناه أنّ هذا صدر منه إمّا على أساس مقام ولايته على الأمة، وإمّا على أساس مقام القضاء، ولا يصح أن نفسر ذلك على أنه صدر منه بما هو مبلغ للأحكام الشرعية من الحلال والحرام. إذا اُريد في بعض الأحيان كما قد يتفق من قضى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) المراد به تبليغ حكم شرعي إلهي، قد يتفق هذا . يقول: هذا نحو من التجوز ويُحمل على هذا المعنى، وإلاّ قضى، وحكم، هو ظاهر في أنه صدر منه بما هو ولي للعباد، أو بما هو قاضٍ وحاكم شرعي لحل الخصومات.

المقدمة الثالثة التي ذكرها: قد يُعبّر عن الأوامر الصادرة من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما أنه سلطان وبما أنه ولي أمر المسلمين، قد يُعبّر عنها بغير الألفاظ التي تقدمت، وإنما يقال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أمرٍ صدر منه بما هو ولي للمسلمين، قد يحصل هذا، لكنّ قرينة الحال وقرينة المقال تقتضي الحمل على الأمر الصادر منه بما هو ولي أمر المسلمين، أو الصادر منه بما هو قاضٍ وحاكم، بالرغم من أنها ترد بعنوان(قال). من هنا يظهر كأنه يقول أنّ الظهور الأولي لقضى هو أنّ ما صدر منه صدر منه بما هو حاكم أو قاضٍ لا بما هو مبلغ للأحكام الشرعية، لكن قد تستعمل في غير ذلك، لكنّه استعمال مجازي. كما أنّ الظهور الأولي لقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو أنّه ينقل قولاً بما هو مبلغ لحكم شرعي وناقل، لكن هذا أيضاً قد تقتضي قرينة الحال أو قرينة المقال حمله على أنه صدر منه بما هو حاكم، أو بما هو قاضٍ، لكن الأصل في هذه الكلمات هو هذا.

في المقدمة الرابعة ذكر بعض الأخبار المؤيدة لهذه المطالب التي ذكرها لا داعي لذكرها.

بعد هذه المقدمات الأربعة ذكر بأنّ حديث(لا ضرر ولا ضرار) الصادر منه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صادر منه بما هو ولي للعباد وبما هو سلطان وسائس للعباد وللبلاد، فهو صادر منه من جهة الرئاسة العامّة ومفاده هو المنع من الضرر والإضرار، هو رأى أنّ مصلحة إدارة شئون الناس وسياسة العباد والبلاد تقتضي منه أن يمنع من الضرر والضرار، فهو صدر منه لا بما هو ناقل للأحكام الشرعية، ليس هناك حكم إلهي ينقله الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما نقل لنا حرمة شرب الخمر ـــــ مثلاً ـــــ وإنما هذا حكم صدر منه وينسب إليه لأنه رأى أنّ المصلحة العامة تقتضي تحريم الضرر والضرار ومنع الظلم على العباد باعتبار أنّ الضرر والضرار فيه ظلم على العباد وهو مسئول عن منع الظلم وإشاعة العدل بين الناس والتصدي لمن يريد ظلم الآخرين والتصدي يكون بصدور هذا المنع الذي يصدر منه بما أنه ولي أمر المسلمين والعباد. استدل على أنّ حديث (لا ضرر ولا ضرار) يراد به ذلك بأمور:

الأمر الأول: أنّ هذا الحديث الشريف ورد في روايات العامة بلفظ(قضى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن لا ضرر ولا ضرار). هو ادّعى في أحدى المقدمات أنّ لفظ(قضى) ظاهر في كون ما قضى به من أحكامه المولوية التي تصدر منه بما هو ولي أمر الناس وبما هو سلطان وحاكم على الناس، أو بما هو قاضٍ وفاصل بين النزاعات، لكن لا يمكن أن نحمل هذا الحديث على أنه في مقام نقل الحكم الشرعي الإلهي لأنه استخدم فيه كلمة(قضى) وهذه الكلمة لها ظهور في أنّ ما قضى به ليس من باب الأحكام الإلهية الشرعية، وإنما هو يدور أمره بين أن يكون صدر منه باعتبار ولايته، أو صدر منه باعتبار كونه قاضياً، وحيث أنّ الثاني منفي، يعني حيث أنّ الحديث مفاده حكم كلي لا يرتبط بباب القضاء ولا علاقة له بفض النزاع بين المتخاصمين؛ فحينئذٍ ينحصر تفسيره بأنه صدر منه باعتبار ولايته على الناس، فيكون حكماً سلطانياً وليس حكماً إلهياً، وبهذا نفى قول الاحتمال الثاني المتقدم لشيخ الشريعة(قدس سره) وقال لا يمكن الالتزام بأنّ هذا النهي نهي إلهي، الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنسبة إليه هو مجرّد مبلّغ لحكم شرعي إلهي، كلا هو ليس من هذا القبيل، وإنما هو حكم ولايتي.

الأمر الثاني: أنّ هذا الحديث ورد من طرقنا، بعد أن تعرضت هذه الروايات إلى قصة سمرة بن جندب ورد فيها حديث(لا ضرر ولا ضرار)، الروايات الواردة من طرقنا ليس فيها (قضى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن لا ضرر ولا ضرار) وإنّما هذا موجود في روايات العامة، أمّا الموجود(لا ضرر ولا ضرار) في رواياتنا ومحل تطبيقه هو قضية سمرة بن جندب. يقول: قضية سمرة بن جندب الواردة في رواياتنا التي ذُكر فيها هذا الحديث لا تنسجم مع كون الحكم المذكور حكماً إلهياً أو قضائياً؛ بل ينحصر تفسيرها بأنها صادرة منه بما هو حكم مولوي، يعني حكم من جهة ولايته العامّة. أمّا أنها لا تنسجم مع كونه حكماً إلهياً، باعتبار أنه لا توجد في قضية سمرة بن جندب شبهة موضوعية ولا شبهة حكمية حتى يكون هذا الحديث بياناً لحكم شرعي إلهي يحل هذه الشبهة، وأمّا أنها لا تنسجم مع كونه حكماً قضائياً، فباعتبار عدم وجود نزاع في حقٍ أو في مالٍ بين الأنصاري وبين سمرة بن جندب، وإنّما القضية هي أنّ الأنصاري شكا سمرة بن جندب إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقال بأنّ سمرة يزعجه ويدخل إلى داره بلا استئذان، واستجار برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما أنه الولي المسئول عن شئون الناس، فالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) استجاب له وأمر سمرة أولاً بالاستئذان، وبعد أن امتنع أمره بقلع الشجرة ورميها على وجهه. يقول أنّ هذه كلها تناسب الحكم السلطاني ولا تناسب الحكم الإلهي ولا تناسب الحكم القضائي.

الأمر الثالث: أنّ الحديث وقع في مقام تعليل الأمر بالقلع في قضية سمرة بن جندب(أقلعها وارم بها وجهه) هذا أيضاً قرينة، يعني العلّة المذكورة التي ذُكرت كتعليل للأمر بقلع الشجرة، قرينة على أنه صادر منه من جهة الولاية، وإلاّ إذا فرضنا أنّ حديث(لا ضرر ولا ضرار) يُراد به ما يقولونه من الاحتمالات السابقة ــــــ مثلاً ـــــ الاحتمال الثالث الذي يقول أنّ مفاده هو نفي الأحكام التي تكون مسببة للضرر، لو كان هذا مفاد الحديث؛ فحينئذٍ لا يصح تعليل الأمر بقلع الشجرة بأنّ الأحكام الضررية منفية في الشريعة وأنّه لا حكم في الشريعة يكون سبباً في الضرر، أو ما يقوله شيخ الشريعة من أنّه نهي إلهي عن الضرر، ويقول أنّ مفاد الحديث هو تحريم الضرر والضرار. يقول: كل من هذين الأمرين، كون مفاد الحديث هو نفي الأحكام الضررية ولا كون مفاد الحديث تحريم الضرر والضرار والنهي عنهما نهياً إلهياً، هذان أمران لا يبرران الإضرار بالغير بقلع الشجرة؛ لأنّ قلع الشجرة فيه إضرار بالغير، والأمر بقلع الشجرة هو حكم ضرري. هو يقول أنّ الأحكام الضررية منفية، هل يبرر هذا أن يوقع الضرر بالغير ؟ يقول أنّ الضرر حرام والإضرار حرام تكليفاً، فهل يبرر القيام بممارسة الضرر والإضرار بالغير والأمر بقلع الشجرة الذي هو حكم ضرري يسبب الضرر بالنسبة إلى الغير ؟ هذه الوجوه التي ذُكرت في مقام تفسير الحديث لا تبرر جعل لا ضرر ولا ضرار علّة للأمر بقلع الشجرة، وإنّما الذي يبرر ذلك هو ما قلناه من أنّ لا ضرر ولا ضرار حكم سلطاني، حكم صدر منه بما هو قائد دولة مسئول عن إشاعة العدل بين الناس، ومنع الظلم أن يقع بين الناس وأن يعتدي شخص على شخصٍ آخر، فصدر منه(لا ضرر ولا ضرار) فهو نهي سلطاني. هذا يبرر الأمر بقلع الشجرة؛ لأنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعمل ولايته لقطع مادة الفساد والظلم المتمثلة بالشجرة؛ لأنّه أمره أولاً أن يدخل مع الاستئذان، فرفض وبإصرار؛ وحينئذٍ لا حل إلاّ أن يأمر بقلع الشجرة، فصدر هذا منه بما هو حاكم وسلطان وسائس للعباد، ولم يصدر منه بما هو مبلغ عن الله سبحانه وتعالى وبما هو قاضٍ لرفع النزاع بين الناس .

هذه هي الأمور الثلاثة التي ذكرها لإثبات ما يقوله. هذا أضفناه للوجوه الثلاثة المتقدمة، فتكون الوجوه الأخيرة اربعة. نحن علينا أن نقارن بين هذه الوجوه لنخرج بنتيجة أيها أقرب إلى القبول والترجيح على الوجوه الأخرى. ذكرنا بأنّ كل هذه الوجوه تشترك في قضية، تشترك في أنّها فيها مخالفة للظهور من جهة من الجهات، وعلينا أن نحسب حساباتنا أنّه أي ظهور يكون هو المرشح للسقوط على ضوء ما تقدّم سابقاً.

الذي يبدو بعد التأمّل هو أنّه قد يقال: أنّ أقرب الوجوه هو الوجه الأول من الوجوه الأخيرة، والذي كان يعتمد على أنّ (لا ضرر ولا ضرار) هو من باب الكنايات أو شيء من هذا القبيل، وخلاصته هو: أنّه إخبار عن نفي الضرر لكن المراد الأصلي الجدّي هو نفي مقتضي الضرر الذي معناه نفي الحكم الشرعي. قد يقال: أنّ هذا الوجه هو أقرب الوجوه على ضوء ما ذكرنا سابقاً باعتبار أنّه كناية وباب الكنايات واسع في لغة العرب يكفي فيها أدنى ملابسة ولا تتوقف على وجود ملازمة بين المعنى الكنائي وبين المعنى الاستعمالي، قد لا يكون بين شيئين ملازمة حقيقية، بمعنى أنه قد يتخلف هذا عن هذا ، وهذا عن هذا، كما في كثرة الرماد والكرم، قد يكون هناك كثرة رماد من دون كرم، وقد يكون كرم من دون كثرة الرماد، فلا توجد ملازمة حقيقية بينهما، الكناية لا تتوقف على الملازمة الحقيقية بين المعنى الاستعمالي والمعنى الكنائي، وإنّما يكون هناك تقارن بين شيئين في حالات معينة خاصة، فيصح حينئذٍ استخدام أحد المعنيين، وإرادة المعنى الآخر باعتبار وجود مناسبة فيما بينهما، وتقارن كثير، وملازمة عادية، أو ملازمة عقلية بينهما يمتنع فيها التخلف، أو ملازمة متحققة في كثير من الحالات، هذا وحده يصحح استعمال أحد المعنيين وإرادة المعنى الآخر.

في محل الكلام يقال أنّ هناك حكماً شرعياً وهناك ضرر، وحيث أنّ الحكم الشرعي يقتضي الضرر في موارد الضرار؛ حينئذٍ هذا يبرر استخدام نفي الضرر وإرادة نفي الحكم المقتضي لذلك الضرر من باب الكناية، وقلنا أننا لا نتقيّد بخصوص الاصطلاح وهو الكناية، وإنّما يقال أنّه هنا استعمل اللّفظ لنفي الضرر ومراده الجدّي ومقصوده الحقيقي هو نفي مقتضي الضرر، وهذا استعمل متعارف وموجود في الخارج يُنفى شيء ويكون المقصود هو نفي سببه ونفي مقتضيه. قد يقال أنّ هذا الاحتمال هو الأقرب، وكل القرائن السابقة أيضاً لا تمنع منه؛ بل بالعكس تكون مؤيدة لهذا الاحتمال.

والقرينة على هذا الاحتمال موجودة وهي نفس القرينة المشار إليها في الوجه الثالث المتقدّم، وهي مسألة أنّ الأضرار التكوينية موجودة في الخارج، ويضم إلى ذلك أنّ الكلام صادر من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما هو مشرّع ومقنن لا بما هو مخبر عن قضايا تكوينية. هذان الأمران يصلحان أن يكونا قرينة على هذا المعنى، باعتبار أنّ هذا الاحتمال يقول ليس المراد الجدّي هو الإخبار عن عدم تحقق الضرر التكويني، وإنّما ما يريده جدّاً بناءً على هذا الوجه هو الإخبار عن عدم مقتضي الضرر، يعني عدم الحكم الشرعي الذي يقتضي الضرر، وهذا يناسب الشارع، وليس فيه إخبار عن الأضرار التكوينية، فينسجم مع القرينتين، قرينة تقول أنّ الأضرار التكوينية موجودة، فليس مراده الجدّي نفي الأضرار التكوينية، وإنّما مراده هو نفي الحكم المسبب للضرر، وأمر صدر منه بما هو مشرّع وبما هو مقنن، فينسجم مع هذا الاحتمال.

لكن، يمكن التأمل في هذا الكلام: والتأمل ينشأ من أنّ هذه القرينة المذكورة وهي تحقق الضرار التكوينية في الخارج وكون الكلام صادر من الرسول بما هو مشرّع ومقنن، هذه القرينة لا تعيّن هذا الوجه الذي هو الوجه الأول من الاحتمالات الثلاثة الأخيرة؛ لأنّها تنسجم مع الوجه الثالث؛ بل مع الوجه الثاني أيضاً؛ بل لعل هذه القرينة أكثر انسجاماً مع الوجه الثالث المتقدّم، باعتبار أنّ مقتضى هذه القرينة هو أنّ المتكلّم الذي هو الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في كلامه ليس ناظراً إلى الأضرار التكوينية؛ لأنّ الأضرار التكوينية موجودة في الخارج والكلام صدر منه بما هو مشرّع ومقنن. إذن: هو ليس ناظراً إلى الأضرار التكوينية التي لا ربط لها بالشريعة؛ لأنّ هذا خلاف وقوع هذه الأضرار التكوينية في الخارج التي لا ربط بالشريعة، وخلاف كون الكلام صادر منه بما هو مشرّع، فإذن: غاية ما تقتضيه هذه القرينة هو أنّ المتكلّم بهذا الكلام ليس ناظراً إلى الأضرار التكوينية التي لا علاقة لها بالشريعة؛ لأنّ هذا لا يناسبه، ولوقوع الأضرار التكوينية التي لا علاقة لها بالشريعة خارجاً، وهذا معناه أنّه ناظر إلى الأضرار التكوينية التي لها ربط بالشريعة، حفاظاً على ظهور لا ضرر، حيث أننا لا نريد أن نرفع اليد عن ظهور لا ضرر في نفي الضرر التكويني الخارجي، إذا حافظنا على هذا الظهور وأخذنا بالقرينة المتقدّمة التي تقول أنّه ليس ناظراً إلى الأضرار التكوينية الغير مرتبطة بالشريعة؛ فحينئذٍ يثبت أنّه ناظر إلى الأضرار التكوينية المرتبطة بالشريعة، وهذا هو الاحتمال الثالث الذي يقول أنّ المنفي هو الضرر التكويني الناشئ من الشريعة، فهو ينفي الضرر التكويني وليس الحكم الضرري كما قالوا؛ بل ينفي الضرر التكويني حفاظاً على ظهور لا ضرر في نفي الضرر التكويني، ومعنى هذا أنه ينفي الضرر التكويني الناشئ من الشريعة.