34/08/09


تحمیل
 الموضوع: الأصول العملية/ أدلّة البراءة الشرعية/ الاستصحاب
 إلى هنا تمّ الكلام عن الروايات المستدَل بها على البراءة، وهناك روايات أخرى ذُكرت في كلماتهم استُدل بها على البراءة، لكن أعرضنا عن ذكرها لوضوح الحال فيها ممّا ذكرناه في الروايات السابقة؛ ولذا ننتقل إلى دليلٍ آخر من أدلّة البراءة، وهو الاستصحاب.
 الكلام يقع في أنّه هل يمكن الاستدلال بالاستصحاب على البراءة، أو لا ؟
 استُدلّ على البراءة بالاستصحاب، ويمكن فرض الاستصحاب بأنحاءٍ ثلاثة:
 النحو الأوّل: إجرائه بلحاظ ما قبل الشريعة.
 النحو الثاني: إجرائه بلحاظ ما قبل البلوغ.
 النحو الثالث: إجرائه بلحاظ ما قبل تحققّ موضوع التكليف، وشرائط التكليف الخاصّة.
 أمّا في النحو الأوّل فيُلاحظ الأحكام الشرعية، والجعل للحكم الشرعي، وبأي شيء فسّرنا هذا الجعل هو دائماً أمر وجودي مسبوق بالعدم، فعندما نشك في تكليفٍ؛ حينئذٍ نلتفت إلى ذاك الزمان الذي كان فيه معدوماً، إلى ذلك الزمان الذي لم يُجعل فيه هذا التكليف قطعاً، وإنّما على تقدير أن يُجعل جُعل بعد ذلك؛ لأنّه أمر حادث مسبوق بالعدم، وهذا معنى أنّ هناك زماناً لم يكن فيه الجعل، أي لم يكن فيه جعل لهذا التكليف، فنشك بعد ذلك هل صار جعلٌ لهذا التكليف، أو لا؟ لم يحدث جعل لهذا التكليف، فنستصحب عدم جعل هذا التكليف. فعندما نشك ـــــ مثلاً ــــ في حرمة أكل لحم الأرنب، نقول: نحن لدينا يقين بعدم جعل هذه الحرمة في زمان ما، ولدينا شك في أنّه هل انقلب هذا العدم إلى وجود، أي جُعلت حرمة لأكل لحم الأرنب، أو لا؟ فنستصحب عدم الجعل، وهذا يثبت عدم وجود جعلٍ لهذه الحرمة، وبالتالي يثبت لنا البراءة والتأمين من ناحية العقاب.
 أمّا في النحو الثاني فلا يكون ناظراً إلى مرحلة الجعل كما في النحو الأوّل، وإنّما يكون ناظراً إلى مرحلة المجعول وفعليّة الحكم؛ لأنّ فعلية الحكم تكون بفعلية موضوعه وبتحقق موضوعه، بخلاف الجعل، فأنّه لا يتوقف على فعلية الموضوع وتحققّه؛ بل الجعل يصح حتّى بافتراض الموضوع، وإنْ لم يتحقق في الخارج، فأنّ افتراض الموضوع يكفي لتصحيح الجعل؛ ولذا الموضوع في ذاك الزمان غير متحقق، ولكن في مرتبة الجعل من الممكن افتراض تحقق الجعل من دون تحققّ الموضوع؛ لأنّ الجعل يتقوّم بافتراض الموضوع لا بتحققّه، بخلاف فعلية التكليف الذي يُعبر عنه بالمجعول، فأنّها متقوّمة بتحقق الموضوع خارجاً. هذا النحو الثاني ينظر إلى فترة ما قبل البلوغ بلحاظ المجعول، أي بلحاظ فعلية التكليف، فيقول: أنت تشك في حرمة أكل لحم الأرنب، أنت قبل البلوغ قطعاً لم يكن التكليف فعليّاً في حقّك، ولديك شك بعد البلوغ هل صار فعلياً أو لا؟ فتستصحب عدم المجعول المتيقن في زمان ما قبل البلوغ؛ لأنّه في زمان ما قبل البلوغ هناك يقين بعدم فعلية هذا التكليف، هل صار فعلياً بعد البلوغ؟ نستصحب عدم المجعول، أي عدم فعلية التكليف، حتّى بعد البلوغ ليس فعلياً، وهذا ينفع في إثبات التأمين من ناحية العقاب.
 أمّا في النحو الثالث، فلا نلتفت إلى البلوغ، والشرائط العامّة في التكليف، وإنّما نلتفت إلى الشروط الخاصّة في التكليف؛ لأنّ التكليف قبل استكمال شرائطه الخاصّة أيضاً لا يكون فعلياً، كما في التكليف قبل استكمال شرائطه العامّة لا يكون فعلياً، فيكون هناك زمان يُتيقَن فيه قبل تحقق شرط من شروط التكليف العامة، بعدم فعلية التكليف، فيُستصحب ذلك العدم المتيقن سابقاً، كذلك قبل استكمال التكليف لشرائطه الخاصّة، أيضاً لا يكون التكليف فعلياً، فإذا شككنا في فعليته بعد ذلك يمكن استصحاب عدم المجعول، أو عدم فعلية التكليف، ــــــ مثلاً ـــــ في مسألة البذل، يشك المكلّف في أنّ البذل هل يحقق الاستطاعة، أو لا يحققّ الاستطاعة ؟ فيقول: قبل البذل قطعاً وجوب الحج ليس فعلياً؛ لأنّ الاستطاعة التي هي شرط في وجوب الحج على تقدير أنْ تتحقق بالبذل، فهي تتحقق بعد البذل، أمّا قبل البذل فلا يتحقق شرط من شرائط هذا التكليف. إذن: قبل البذل التكليف معدوم؛ فحينئذٍ بعد تحقق البذل والشك في تحقق الاستطاعة به، يمكن استصحاب عدم فعلية وجوب الحج المتيقنة قبل البذل، هذا أيضاً ينفع لإثبات التأمين والبراءة.
 هذه الانحاء الثلاثة المتصوّرة لإجراء الاستصحاب والاستدلال به على البراءة. والفرق واضح بين هذه الانحاء الثلاثة، فالاستصحاب في النحو الأوّل هو استصحاب عدم الجعل، بينما النحو الثاني والنحو الثالث الاستصحاب يكون من قبيل استصحاب عدم المجعول وعدم فعلية التكليف.
 اعتُرض على إجراء هذه الانحاء الثلاثة من الاستصحاب بعدّة اعتراضات، وهذه الاعتراضات تقسّم إلى قسمين:
 القسم الأوّل: اعتراضات ترد على جميع هذه الأنحاء، يعني على إجراء الاستصحاب والاستدلال بالاستصحاب بأي نحوٍ من هذه الأنحاء الثلاثة، فهي اعتراضات مشتركة بين الأنحاء الثلاثة.
 القسم الثاني: اعتراضات خاصّة ترد على نحوٍ من الأنحاء ولا ترد في الأنحاء الباقية.
 والكلام فعلاً هو في الاعتراضات المشتركة التي ترد على كل الأنحاء السابقة لإجراء الاستصحاب:
 الاعتراض الأوّل: ما نُسب إلى الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) من أنّه استشكل في إجراء الاستصحاب لإثبات البراءة بأنّه يُشترط في إجراء الاستصحاب أنْ يكون المستصحب في نفسه حكماً شرعياً، أو موضوعاً لحكمٍ شرعي، حتّى يمكن التعبّد به من قبل نفس الشارع، عندما يكون المستصحب حكماً شرعياً يمكن للشارع أنْ يتعبّد بهذا الحكم الشرعي، وعندما يكون موضوعاً لحكمٍ شرعي صادر من قبل الشارع؛ عندئذٍ يمكنه أنْ يتعبّد ببقاء هذا الموضوع الشرعي حتّى يترتّب عليه الحكم الشرعي، فيُعقل حينئذٍ جريان الاستصحاب عندما يكون المستصحب حكماً شرعياً، أو موضوعاً لحكمٍ شرعي. وأمّا حيث لا يكون المستصحب حكماً شرعياً، ولا موضوعاً لحكمٍ شرعي، فهنا لا يجري فيه الاستصحاب؛ لأنّه لا معنى للتعبّد به من قبل الشارع؛ إذ ليس هو حكمه حتّى يتعبّدنا به، وليس هو موضوعاً لحكمه حتّى يتعبّدنا به توصّلاً إلى التعبّد بنفس الحكم الثابت لذلك الموضوع.
 إذن: لا معنى للتعبّد به، فلا يجري الاستصحاب، وما نحن فيه من هذا القبيل، باعتبار أننّا نريد أنْ نستصحب عدم التكليف، سواء كان عدم جعل التكليف بالنحو الأوّل، أو كان عدم المجعول، يعني عدم فعلية التكليف، بالنتيجة نستصحب عدم التكليف، فيقول: أنّ عدم التكليف ليس هو حكماً شرعيّاً، ولا موضوعاً لحكمٍ شرعي، فلا يجري الاستصحاب بالأنحاء الثلاثة؛ لأنّ المستصحب في الأنحاء الثلاثة هو عدم الحكم، سواء كان في مرحلة الجعل أو في مرحلة المجعول، وعدم الحكم ليس حكماً، ولا موضوعاً يترتّب عليه الحكم الشرعي.
 لكن السيد الخوئي(قدّس سرّه) في مصباح الأصول ذكر بأنّ هذا الاعتراض نسبه صاحب الكفاية(قدّس سرّه) في التنبيه الثامن من تنبيهات الاستصحاب إلى الشيخ الأعظم(قدّس سرّه) [1] حيث يقول هناك: نسب هذا الاعتراض إلى الشيخ الأعظم(قدّس سرّه)، والسيد الخوئي (قدّس سرّه) لديه ملاحظة على هذه النسبة إلى الشيخ الأعظم(قدّس سرّه)، ويقول: بأنّ هذه النسبة ليست صحيحة، وليست مطابقة للواقع؛ لأنّ الشيخ الأعظم(قدّس سرّه) يقول بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، وصرح بذلك مراراً في كتاب المكاسب وفي الرسائل، فنسبة هذا الاعتراض إليه نسبة غير صحيحة، فإذا كان يقول بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، فلابدّ أنْ يقول بجريانه في محل الكلام؛ لأننّا نجري الاستصحاب في عدم التكليف.
 لوحظ على هذا الكلام بأنّ الظاهر هو عدم وجود ربط بين المسألتين، بمعنى أنّه من الممكن أن يقول الشخص بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، لكن لا يقول بجريانه في محل الكلام؛ لأنّ النكتة في الإشكال على جريان الاستصحاب في محل الكلام هي التي بُينت في أصل الاعتراض وهي أنّ الاستصحاب يعتبر فيه أن يكون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، وعدم التكليف ليس حكماً، ولا موضوعاً لحكم شرعي، فلا يجري الاستصحاب هنا وإنْ قلنا بحجّية جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية فيما لو كانت واجدة لهذا الشرط، بأنْ نفترض أنّ العدم الأزلي يقع موضوعاً لحكم شرعي فيجري فيه الاستصحاب. إذن: لا تلازم بين المسألتين حتّى نستنكر أن يُنسب هذا الاعتراض إلى الشيخ الأعظم(قدّس سرّه) لمجرّد أنّه يقول بعدم جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية.
 أجيب عن أصل الاعتراض بأنّه لم يدل دليل على هذا الاشتراط في جريان الاستصحاب، وإنّما الشيء الموجود هو أنّه لابدّ أنْ يكون المستصحب قابلاً للتعبّد الشرعي، وليس أكثر من هذا، وإنّما هذا نشترطه حتّى نمنع من أنْ يقال أنّ التعبّد بلا فائدة. أو فلنقل حتّى نمنع لغوية التعبّد؛ لأنّ المستصحب إذا لم يكن قابلاً للتعبّد الشرعي؛ حينئذٍ لا معنى للتعبّد الشرعي، ولا فائدة له، فحتّى يصير التعبّد الاستصحابي له فائدة ويخرج عن اللغوية ما نشترطه هو أنْ يكون المستصحب قابلاً للتعبّد الشرعي، وليس أكثر من ذلك، ومعنى أنْ يكون قابلاً للتعبّد الشرعي هو أنّه قابلاً للتعبّد الشرعي تنجيزاً وتعذيراً، أي يترتب عليه الأثر، التنجيز في بعض الأحيان، ويترتب عليه الأثر التعذير في أحيان أخرى. إذن: هذا الشيء المستصحب الذي يترتب على التعبّد به التعذير أو التنجيز هذا قابلاً للتعبّد، وليس التعبد به لغواً، وبلا فائدة؛ بل له فائدة. وهذا يكفي لجريان الاستصحاب وللتعبّد من قبل الشارع بهذا الشيء المستصحب، ومن الواضح بأنّ هذا لا يُشترط فيه أنْ يكون أمراً وجودياً، كما يصح التعبّد بالأمر الوجودي، يمكن ويصح في الأمر العدمي.
 وبعبارة أخرى: كما يصح التعبّد بالحكم الشرعي، كذلك يصح التعبّد بعدم الحكم الشرعي؛ لأنّ عدم الحكم الشرعي قابل للتعبّد؛ لأنّ التعبّد به يترتب عليه المعذرية، كما أنْ الحكم الشرعي قابل للتعبّد به؛ لأنّه يترتب على التعبّد به التنجيز، عدم الحكم الشرعي أيضاً قابل للتعبّد به؛ لأنّه يترتب على التعبّد به التعذير. فلا يكون التعبّد به لغواً، وبلا فائدة. والدليل لم يدل على أزيد من هذا، وليس لدينا رواية تقول يعتبر في المستصحب أنْ يكون كذا...الخ. وإنّما نحن نريد أنْ نحافظ على عدم لغوية التعبّد من قبل الشارع في باب الاستصحاب، فالشرط يكون بهذا المقدار، كل تعبّد استصحابي بالمستصحب مهما كان المستصحب، إذا كان له فائدة، فالتعبّد به يكون معقولاً، فيكون مقبولاً ومشمولاً لأدلّة الاستصحاب. فإذن: لا فرق بين الحكم الشرعي، وبين عدم الحكم الشرعي، لا في مرحلة الجعل، ولا في مرحلة المجعول؛ لأنّه قابل للتعبّد الاستصحابي، ومشمول لأدلّة الاستصحاب، ولا دليل على اشتراط أنْ يكون المستصحب إمّا حكماً شرعياً، أو موضوعاً لحكمٍ شرعي، بحيث إذا لم يكن حكماً شرعيّاً، ولا موضوعاً لحكم شرعي فأنه غير قابل للاستصحاب، كلا؛ بل يصح فيه الاستصحاب، ولا محذور في ذلك إطلاقاً. ولا يفرق في هذا بين أن يكون المستصحب مقدوراً للشارع بما هو شارع، وداخلاً تحت قدرته بما هو شارع، أو خارجاً عن قدرته بما هو شارع، ولا داعي لتخصيص التعبّد الاستصحابي وجريان الاستصحاب بخصوص ما يكون داخلاً تحت قدرة الشارع؛ لأنّ بعضهم حاول أن يجاوب عن الإشكال بأنّ الشرط هو أنْ يكون داخلاً تحت قدرته وضعاً ورفعاً بما هو شارع، فأجاب عن الإشكال بأنّ عدم الحكم داخل تحت قدرة الشارع، كما أنّ الحكم داخل تحت قدرة الشارع، عدم الحكم أيضاً داخل تحت قدرة الشارع وبإمكانه أنْ يجعل الحكم، وأنْ يرفعه. إذن: الحكم رفعاً ووضعاً داخل تحت قدرة الشارع، فعدم التكليف يكون مشمولاً لدليل الاستصحاب؛ لأنّ الشرط ليس هو أنْ يكون المستصحب حكماً شرعياً، أو موضوعاً لحكم شرعي، وإنّما الشرط هو أنْ يكون المستصحب داخلاً تحت قدرة الشارع، وعدم الحكم داخلاً تحت قدرة الشارع.
 هذا أيضاً لا داعي له؛ لماذا نقيّد انفسنا بخصوص ما يكون داخلاً تحت قدرة الشارع ؟ بل حتّى الأمور التكوينية الخارجة عن قدرة الشارع بما هو شارع، بمعنى أنّه ليس له رفعها ووضعها بما هو شارع أيضاً تدخل في الاستصحاب؛ ولذا لا إشكال عندهم في جريان الاستصحاب في الموضوعات الخارجية التي هي أمور تكوينية خارجية ليس بيد الشارع رفعها ووضعها بما هو شارع، وإنْ كان بيده رفعها ووضعها بما هو خالق ومكوّن ومدبّر، لكن بما هو شارع ليس بيده رفعها ووضعها، ومع ذلك لا إشكال في جريان الاستصحاب فيها، والسرّ هو أنّ الشرط ليس هو هذا، وإنّما الشرط هو أنْ تكون هناك ثمرة وفائدة في التعبّد الاستصحابي، ولو كانت هذه الفائدة تظهر في التنجيز والتعذير، فحتّى الأمور التكوينية التي هي غير داخلة تحت قدرة المكلّف إذا كان التعبّد بها ينتج تنجيزاً تارة، أو تعذيراً تارة أخرى، تكون مشمولة لأدلّة الاستصحاب.


[1] مصباح الأصول، تقرير بحث السيد الخوئي للبهسودي، ج 2، ص 292.