34/08/08


تحمیل
 الموضوع: الأصول العملية/ البراءة الشرعية/ روايات الحلّيّة
 ذكرنا في الدرس السابق المحاولة الثانية لتجاوز الإشكال الثاني على الاستدلال برواية مسعدة بن صدقة، وهي محاولة السيد الخوئي(قدّس سرّه)، وكان حاصلها هو: محاولة دفع الإشكال بافتراض أنّ صدر الرواية ناظر إلى الحلّيات الأخرى ما عدا الحلّية الثابتة بأصالة الحل، فينحل الإشكال؛ لأنّ الأمثلة تكون تطبيقات لتلك الحلّيات، فيرتفع إشكال التهافت بين صدر الرواية وبين الأمثلة، لكن لا يصح الاستدلال بالرواية؛ لأنّها أجنبية عن أصالة الإباحة.
 هناك بحث تقدّم في الرواية السابقة، في بحث أنّها مختصة بالشبهات الموضوعية، أو أنّها شاملة للشبهات الحكمية، هناك أيضاً ذكر السيد الخوئي(قدّس سرّه) أنّ من جملة قرائن الاختصاص بالشبهات الموضوعية هو مسألة الحصر المستفاد من قوله(حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة)، باعتبار أنّ الحصر لا يصح في الشبهات الحكمية؛ لأنّ الرافع فيها لا ينحصر بالعلم والبيّنة، ويمكن أنْ تُرفع الحلّية بالاستصحاب، وبخبر الثقة أيضاً، بينما الرافع للحلّية في الشبهات الموضوعية منحصر في العلم والبيّنة، فيكون هذا قرينة على الاختصاص. نحن هنا قلنا بأنّه إذا كان المقصود بالحصر هو مطلق الشبهات الموضوعية من دون أنْ نتقيّد بخصوص الأمثلة المذكورة في الرواية، فمن الواضح أنّ هذا الكلام غير صحيح؛ لأننّا لا نستطيع أنْ نقول أنّ الرافع في مطلق الشبهات الموضوعية منحصر بالعلم والبيّنة، وإنّما يكون حالها حال الشبهات الحكمية، فكما أنّ الرافع للحلّية في الشبهات الحكمية لا ينحصر بالعلم والبيّنة، فكذلك الرافع للحلّية في الشبهة الموضوعية لا ينحصر بهما، فخبر الثقة رافع للحلّية فيها، وهو حجّة، وهو(قدّس سرّه) يقول بحجّيته في الموضوعات، فلا ينحصر الرافع، والاستصحاب أيضاً يرفع الحلّية الثابتة في الشبهات الموضوعية، فلا يصح الحصر في كلتا الشبهتين، هو بحسب نظره أنّ الحصر غير ملحوظ فيه جميع الشبهات الموضوعية حتى يقال بعدم انحصار الرافع للحلّية في الشبهات الموضوعية بالأمرين، وإنّما الملحوظ بالحصر والمقصود به هو الأمثلة المذكورة في الرواية، وهو يقول بأنّ رافع الحلّية في هذه الأمثلة المذكورة في الرواية منحصر بالعلم، أو البيّنة؛ لأنّها حلّية مستندة إلى دليلٍ، يعني مستندة إلى قاعدة اليد، وإلى إمارية سوق المسلمين، وإلى الاستصحاب الذي جعله الشارع حجّة. إذن: هي حلّية مستندة إلى هذه الأشياء، وهذه الحلّية المستندة إلى هذه الإمارات والأصول لا يُرفع اليد عنها إلاّ بالعلم أو البيّنة، بخلاف الحلّية في الشبهات الحكمية، فأنّها تُرفع اليد عنها بالاستصحاب وبخبر الثقة الواحد وغير ذلك.
 نحن هنا قلنا: يبدو أنّ القضية ليست هكذا، هذا خلاف ظاهر الرواية، فالرواية بعد أنْ تذكر الأمثلة تقول: (والأشياء كلّها على هذا) والظاهر أنّ هذا تعميم لما عدا الأمثلة، وهذا معناه أنّ الذي ذُكر في الحصر، وقد ذُكر في ذيل الرواية، عامّ ولا يختصّ بخصوص الأمثلة المذكورة في الرواية، وبناءً على هذا يثبت الكلام السابق، ويكون هو الرد على القرينة التي ذكرها هناك، والرد هو أنّه لا يوجد هناك اختصاص، ولا يوجد حصر، ورافع الحلّية كما لا ينحصر في الشبهة الحكمية بهذين الأمرين، فكذلك هو لا ينحصر في الشبهة الموضوعية بهما حتّى يكون الحصر قرينة على اختصاص الرواية بالشبهات الموضوعية.
 الآن نأتي إلى محل الكلام: السيد الخوئي(قدّس سرّه) أيضاً أستدل بالحصر في محل الكلام، أي جعل الحصر قرينة أيضاً على أنّ الحلية الموجودة في صدر الرواية هي حلّية غير ثابتة بأصالة الحل، وإنّما هي حلّية مستندة إلى تلك الأمور الأخرى من الاستصحاب، أو قاعد اليد ، أو سوق المسلمين وما شاكلها، فجعل الحصر قرينة على ذاك؛ لأنّ الحلّية المستندة إلى سوق المسلمين، أو إلى اليد، أو إلى الاستصحاب لا رافع لها إلاّ العلم أو البيّنة، بينما الحلّية المستندة إلى أصالة الحل يمكن أنْ تُرفع بأمورٍ أخرى غير العلم والبيّنة، كالاستصحاب، فأنّه مقدّم على اصالة الإباحة، وتُرفع بخبر الثقة الواحد؛ لأنّها حلّية ثابتة بأصالة الحل، فرافعها لا ينحصر بالعلم والبيّنة، بخلاف الحلّية الثابتة بقاعدة اليد، فأنّها لا تُرفع اليد عنها إلاّ بالعلم أو البيّنة، أو الحلّية الثابتة بسوق المسلمين، فهي أيضاً لا تُرفع اليد عنها إلاّ بذلك. فالحصر يصح في حلّيةٍ من هذا القبيل، ولا يصح في مطلق الحلّية؛ لأنّ الحليّة الثابتة بأصالة الإباحة لا ينحصر الرافع لها بخصوص هذين الأمرين. هذا ما يقوله هو(قدّس سرّه) ويستدل به في محل الكلام. وما نقوله نحن هو نفس كلامنا السابق من أنّ الحصر في الرواية ليس بلحاظ خصوص الأمثلة، وإنّما هو بلحاظ مطلق الشبهات، فإذا فرضنا ذلك؛ فحينئذٍ يصح الحصر بلحاظ جميع الحلّيات بما فيها الحلّية الثابتة بأصالة الحل، إذا أريد بالبيّنة معناها اللّغوي، كما هو الصحيح، وكما اعترف به السيد الخوئي(قدّس سرّه)؛ لأنّ كل شيء يرفع الحلّية الثابتة بأصالة الإباحة لابدّ أنْ يكون حجّةً ومعتبراً، وإلاّ ما معنى أنْ تُرفع اليد عن حليةٍ ثابتةٍ بأصلٍ شرعي من دون أنْ يكون هناك دليل وحجّة وأمر معتبر؟ إذن: لابدّ أنْ يكون رافع الحلّية معتبراً، فترفع اليد عنه بخبر الثقة، هذا بينّة لغةً، أو ترفع اليد عنه بالاستصحاب، أيضاً هذا بيّنة لغةً، إذا أريد بالبيّنة معناها اللّغوي العام؛ حينئذٍ يصح الحصر بلحاظ الحلّية الثابتة بالاستصحاب، والحلّية الثابتة بسوق المسلمين، وباليد، كما يصح أيضاً بلحاظ الحلّية الثابتة بأصالة الإباحة؛ لأنّه يصح أنْ يقال: لا ترفع يدك عن هذه الحلّية، إلاّ أنْ يثبت عندك بعلمٍ أو ببيّنةٍ، ويكون المقصود بالبيّنة هو الحجّة الشرعية، يعني ما يكون معتبراً؛ فحينئذٍ يصح الحصر حتّى بالنسبة للحلّية الثابتة بأصالة الإباحة؛ وحينئذٍ لا يكون الحصر قرينة على اختصاص الحلّية في صدر الرواية بخصوص الحلّية الثابتة بغير أصالة الإباحة؛ لأنّ الحصر بناءً على تفسير البيّنة بما يقابل العلم، أي بما يكون معتبراً؛ حينئذٍ يكون الحصر صحيحاً حتّى بالنسبة للحلّية الثابتة بأصالة الإباحة، فلا يكون قرينة على اختصاص الحلّية في صدر الرواية بغير ذلك، كما هو المقصود بالمحاولة.
 المحاولة الثالثة: ما هو موجود في كلماتهم، وهو أنْ تُحمل الأمثلة على التنظير، لا على التطبيق، فيُحلّ الإشكال. يعني أنْ نقول بأنّ قول الإمام(عليه السلام):(وذلك مثل الثوب يكون عند ولعله سرقة ...الرواية) محمول على التنظير، وليس تطبيقاً، فهو(عليه السلام) ليس بصدد تطبيق الكبرى الكلّية المذكورة في صدر الرواية على هذه الأمثلة حتّى يرد الإشكال السابق، وإنّما هو تنظير، كأنّه يقول لدينا حلّيات كثيرة، والحلّية التي ذكرتها في صدر الرواية هي نظير الحلّية الثابتة بقاعدة اليد، ونظير الحلّية الثابتة بالاستصحاب، وبسوق المسلمين ...وهكذا. فإذا حملنا الرواية على التنظير؛ فحينئذٍ يرتفع الإشكال، ويصح الاستدلال بالرواية في محل الكلام؛ لأننّا بناءً على هذا نكون قد حافظنا على ظهور صدر الرواية في أصالة الإباحة التي تنفع في محل الكلام، فنستدل بها على البراءة في الشبهات الحكمية بناءً على عمومها للشبهات الحكمية.
 إذن: هذه المحاولة تدفع الإشكال؛ لأنّ الإشكال إنّما نشأ من تخيّل أنّ هذه الأمثلة هي تطبيقات للكبرى، في حين هي ليست تطبيقات للكبرى، وإنّما هي تنظير، فيرتفع الإشكال، ويصح الاستدلال بالرواية في محل الكلام؛ لأنّ صدر الرواية ناظر إلى أصالة الحل.
 أُجيب عن هذه المحاولة: بأنّها خلاف الظاهر؛ لأنّ ظاهر الرواية هو التطبيق، ولو أريد التنظير، فالمناسب أنْ تُنظَر حلية بحلّيةٍ، فيُقال أنّ هذه الحلّية هي نظير هذه الحلّية الموجودة هنا، أي أنّ الحلّية الثابتة بأصالة الإباحة هي نظير الحلّية الثابتة بقاعدة اليد، وليس تنظير حلّيةٍ بمصاديق لحلّيةٍ أخرى كما هو ظاهر الرواية، فأنّه(عليه السلام) ذكر تطبيقات لحلّيةٍ ثابتةٍ بقاعدة اليد، فكأنّه يُنظّر الحلّية الثابتة بأصالة الحل ببعض تطبيقات حلّيةٍ أخرى، وهذا خلاف الظاهر.
 المحاولة الرابعة: دعوى أنّ الرواية ناظرة إلى مرحلة البقاء، لا إلى مرحلة الحدوث، بمعنى أنّ الرواية تريد أنْ تقول: إذا ثبتت لك الحلّية بأي قاعدةٍ من القواعد التي تقتضي ثبوت الحلّية، فهذه الحلّية الثابتة بتلك القاعدة باقية ومستمرّة ولا يجوز لك أنْ ترفع اليد عنها، إلاّ إذا استبان لك غير ذلك، أو قامت البيّنة على خلافه.
 إذن: الرواية ناظرة إلى مرحلة البقاء، لا أنّها تريد أنْ تؤسس حلّية جديدة، وإنّما تفترض حلّية ثابتة سابقاً، والرواية التي هي محل الكلام تقول: أنّ الحلّية الثابتة بقاعدةٍ تبقى، فلا ترفع اليد عنها لشبهةٍ، أو تخيّلٍ، أو شكٍّ، إلاّ في أحدى حالتين، إمّا علم، أو بيّنة. فإذا فسّرنا الرواية بهذا التفسير، وقبلناه؛ فحينئذٍ يندفع الإشكال؛ لأنّ الرواية تقول: إذا ثبتت عندك الحلّية ـــــ مثلاً ـــــ بقاعدة اليد، فهذه الحلّية باقية، ولا ترفع اليد عنها إلاّ بعلمٍ أو بيّنة، والأمثلة هي تطبيقات لتلك القواعد التي افتُرض أنّ الرواية تفترض ثبوت الحلّية بها في مرحلةٍ سابقةٍ على هذا الحديث، وبقطع النظر عنه، وتلك القواعد التي تثبت بها الحلّيّة بقطع النظر عن هذا الحديث هي حلّية ثابتة بقاعدة اليد، وحلّية ثابتة بسوق المسلمين، وحلّية ثابتة بالاستصحاب، فمثّل بهذه الحلّيات، فتكون الأمثلة تطبيقاً لا مشكلة فيه، وصدر الرواية ليس ناظراً إلى إنشاء وجعل حجّيّة ابتداءً بعنوان(مشكوك الحلّية) حتّى يرد إشكال أنّ هذه الأمثلة ليست تطبيقات لذلك، وإنّما هي عبارة عن حكمٍ ببقاء الحلّية، وأنّه لا ينبغي رفع اليد عنها إلاّ في حالة العلم أو البيّنة.
 إذن: هذه المحاولة ترفع الإشكال؛ لأنّ الأمثلة تطبيقات لتلك الحلّيات، ولكنّها لا تقتضي صحّة الاستدلال بالرواية؛ لأنّها سوف تكون اجنبية عن محل الكلام، فهي ليست ناظرة إلى جعل حلّية ابتدائية بعنوان(أصالة الحلّية) وبعنوان(مشكوك الحلّية) كي نستدل بها في محل الكلام، وإنّما هي ناظرة إلى حلّيات أخرى ثابتة بشروطها، ولها موضوعات خاصة بها، ووظيفتها فقط أنّها تبين أنّ هذه الحلّيات باقية ومستمرّة إلاّ في تحقق أحدى الحالتين، إمّا العلم أو البيّنة، فتكون اجنبية عن محل الكلام.
 وقد يُستدَل على هذه المحاولة بنفس قوله (عليه السلام):(كل شيءٍ هو لك حلال)، فتارةً نفترض أنّ خبر(كل شيء) هو (حلال)، وتارة أخرى نفترض أنّ خبرها هو جملة(هو لك حلال). فإذا قلنا أنّ الخبر هو كلمة(حلال) فتكون جملة(هو لك) أشبه بصفة لـ (شيء)، وهذا يكون قرينة على هذه المحاولة؛ لأنّه يقول(كل شيء هو لك)، أي الشيء الموصوف بأنّه لك، يعني هذا الشيء الذي ثبت أنّه لك سابقاً وأنّه حلال لك، هو حلال، فلابدّ من حمل (حلال) على أنّه باقٍ على حلّيته إلى أنْ يحصل العلم أو البيّنة، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الخبر هو جملة(هو لك)؛ فحينئذٍ لا يكون فيها ظهور بأنّ الخبر يكون ناظراً إلى مرحلة البقاء، وإنّما يكون حكم بالحلّية ابتداءً. فإذا قرأناها بالشكل الأول؛ فحينئذٍ تكون ظاهرة في هذه المحاولة، وأمّا إذا قرأناها بالشكل الثاني، فحينئذٍ لا تكون ظاهرة، لكن هذا كمحاولة للتخلّص من الإشكال السابق بأنْ نحمل الرواية على أنّها ناظرة إلى مرحلة البقاء، وليست ناظرة إلى تأسيس حلّية جديدة، أو الحكم بالحلّية ابتداءً.
 ويُلاحَظ على هذه المحاولة: أنّها أيضاً مخالفة للظاهر؛ لأنّها تستلزم تقييد موضوع القضية تقييداً لا قرينة عليه، ومخالفاً للظاهر، فأنّه تفترض تقييد كلمة الشيء بأنّه ليس مطلق الشيء، وإنّما الشيء الذي ثبتت حلّيته سابقاً. بالإضافة إلى أنّه بناءً على هذا الكلام أيضاً، لابدّ أنْ لا نحمل كلمة(حلال) على الحلّية، وإنما نحملها على بقاء الحلّية الثابتة سابقاً، وهذا من دون وجود قرينة عليه يكون خلافاً للظاهر.
 ومن جهة أخرى: الشارع أساساً ليس بحاجة إلى أنْ يُبيّن ذلك، فتلك القواعد التي ثبتت بها الحلّية هي تتكفّل بقاء هذه الحلّية إلى أنْ يرفعها الرافع، أي قاعدة من تلك القواعد ـــــ اليد، أو سوق المسلمين، أو الاستصحاب ـــــ عندما تثبت الحلّية، فأنّها تتكفّل ببقائها إلى أنْ يُعلَم بالحرمة، فهل هناك حاجة إلى أنْ يتصدّى الشارع بهذا البيان لبيان أنّ الحلّية الثابتة بقاعدة اليد باقية، ولا ينبغي رفع اليد عنها إلاّ بعلمٍ أو بيّنة، خصوصاً بناءً على أنّ المقصود بالبيّنة هي الحجّة، والأمر المعتبر، والبقاء تتكفّل به أدلّة تلك القواعد نفسها، فالاستصحاب يثبّت الحليّة ما دمت لا تعلم بالحرام، فتصدّي الشارع لبيان هذا المطلب هو خلاف الظاهر، بخلاف ما إذا قلنا أنّها ناظرة إلى الحلّية الابتدائية، وإلى تأسيس حلّية بعنوان(ما لم تُعلَم حرمته) هذا يحتاج إلى بيان وتصدّي من قبل الشارع.
 ومن جهة ثالثة: أنّه جعل الأمثلة المذكورة في الرواية تطبيقات لتلك الحلّيات التي فُرض وجودها بقطع النظر عن الرواية، وهذا أيضاً حلاف الظاهر، بناءً على هذه المحاولة؛ حينئذٍ الأمثلة المذكورة تكون تطبيقات حتّى نتخلّص من الإشكال، والمحاولة سيقت لغرض دفع الإشكال السابق الذي يقول بأنّ هذه الأمثلة ليست تطبيقات لصدر الرواية، فتقول المحاولة: بأنّ صدر الرواية ليس ناظراً إلى تأسيس حلّية جديدة بعنوان(أصالة الإباحة) كي يرد الإشكال، وإنما صدر الرواية ناظر إلى مرحلة البقاء، هذه الأمثلة إذا جعلناها تطبيقات للحكم البقائي للحلّية، فهي خلاف الظاهر. كما أنّ جعلها تطبيقات لتلك الحلّيات المفترضة في الحديث والثابتة بقطع النظر عن الحديث، هذا أيضاً خلاف الظاهر، فالظاهر أنّها تطبيقات لصدر الرواية، وليست تطبيقات لحلّيات مفترضة بقطع النظر عن صدر الرواية، وبقطع النظر عن نفس الرواية، هذا أيضاً فيه خلاف الظاهر من هذه الجهة.
 هذه أربع محاولات، يبدو منها أنّ كلها لا تخلوا من مخالفة للظاهر، إذا كان المبررّ لارتكاب هذه المخالفة للظاهر هو أننّا لابدّ أنْ ندفع الإشكال ونتوصّل إلى صيغة لدفع الإشكال، بحيث يُتّخذ هذا كمبررٍ لمخالفة الظاهر، إذا كان الأمر كذلك، لعلّ أقرب المحاولات، وأقلّها مخالفة للظاهر هو المحاولة الثالثة، وهي المتداولة في كلماتهم، وهي مسألة التنظير، باعتبار أنّه ليس فيها مخالفة للظاهر إلاّ مسألة كيف أنّه يُنظّر حلّية ثابتة بأصالة الحل بتطبيقات لحلّية أخرى ؟ وهذه المسألة يمكن تجاوزها بأنّه ليس المقصود بهذه التطبيقات هو تنظيرها كتطبيقات بالحلّية المذكورة في صدر الرواية، وإنّما المقصود هو الحلّية الثابتة بها، وكأنّ الإمام(عليه السلام) يقول: أنّ هذه الحلّية الثابتة بأصالة الإباحة لها نظائر، وذلك مثل الثوب الذي تشتريه من السوق ولعلّه سرقة، يعني مثل الحلّية الثابتة في هذه الحالة استناداً إلى قاعدة اليد، ومثل الحلّية الثابتة في المرأة تحتك ولعلّها رضيعتك، المستندة إلى استصحاب عدم تحقق الرضاع بينه وبينها، يمكن أنْ يقال: أنّ هذا تنظير حليةٍ بحلّيةٍ، واقتصار الرواية على ذكر أمثلة كلّها ليست الحلية مستندة فيها إلى أصالة الحل، لعلّه يكون مؤشراً على هذا أيضا، هو لم يذكر مثالاً وتطبيقاً لحلّية ثابتة بأصالة الحل، وإنّما كلّها تطبيقات لحلّيات ثابتة بغير أصالة الحل، وتنظير التطبيق بالحلّية ليس فيه مشكلة، فالمقصود به الحلّية، يعني هذه الحلّية مثل هذه الحلّية، وهذا تعبير عرفي متداول، وليس فيه مخالفة للظاهر، وأهم شيء هو مسألة أنّ الظهور الأوّلي للرواية هو أنّ الأمثلة تطبيقات لما ذُكر في صدر الرواية، ومن هنا نشأ الإشكال، فإذا دفعنا هذا، وقلنا أنّ القضية تنظير، وخصوصاً بعد أنْ يقول: (وهذا مثل الثوب...الخ)، فيكون تنظير حلّية بحلية. أقل المحاولات مخالفة للظاهر هي هذه المحاولة الأخيرة.
 هذا ما يمكن أن يقال بالنسبة إلى روايات الحل، وبذلك نختم الكلام عن روايات الحل، وننتقل إلى رواية أخرى.