34/07/11


تحمیل
 الموضوع: الأصول العملية/ البراءة الشرعية
  ذكرنا في الدرس السابق أنّ هناك كلاماً ذكره السيد الشهيد(قدّس سرّه) وحاصله: أنّ عدم شمول الحديث الشريف لهذه الموارد ــــــ مثال الملاقاة، مثال مسّ الميّت، مثال الضمان، مثال الجنابة بحصول موجبها...الخ ــــــ ناشئ من أنّ الميزان في شمول الحديث لموردٍ ليس متحققّاً في هذه الموارد، والميزان في شمول الحديث لموردٍ هو أنْ يكون الاختيار والعمد دخيل في ترتّب الأثر على الفعل، فكل أثرٍ يُفهم من دليله أنّ الاختيار والعمد دخيل في ترتّبه على موضوعه، أو على متعلّقه يكون حديث الرفع شاملاً له، ويكون موجباً لرفع ذلك الأثر عندما يتحققّ واحدٌ من هذه العناوين، وكل موردٍ لا يكون للاختيار والعمد دخل في ترتّب الأثر على موضوعه، أو على متعلّقه؛ بل الأثر يترتّب على موضوعه أو متعلّقه مطلقاً لا يشمله حديث الرفع. وفي كل هذه الأمثلة ليس للاختيار والعمد دخل في ترتّب الأثر فيها على موضوعه، أو متعلقه، فالملاقاة يترتّب عليها أثرها وهو النجاسة من دون أنْ يكون للعمد والاختيار دخل فيه، وهذا شيءٌ نفهمه من الأدلّة، وجوب غسل مسّ الميتّ هو أثرٌ شرعيٌ يترتّب على موضوعه وهو مسّ الميّت، وهو يترتّب عليه مطلقاً من دون أنْ يكون للعمد والاختيار دخلٌ في ذلك، فلا يشمله الحديث، وهكذا في سائر الأمثلة.
 ما ذكره(قدّس سرّه) بقطع النظر عن لحاظ الأمثلة، وأنّ الميزان متوفّر في كلّ الأمثلة، أو ليس متوفّراً في كلّها؛ لأنّ نفس الذي ذكرناه في الميزان السابق قد يُذكر أيضاً في هذا الميزان، وهو مسألة الضمان كأثرٍ شرعي يترتّب على الإتلاف في صورة كون اليد أمينة، هنا قلنا بأنّ الضمان مترتّب على الإتلاف المأخوذ فيه العمد والاختيار، إذا قلنا بأنّه يترتّب على ذلك؛ فحينئذٍ قد يُستشكَل في عدم شمول الحديث لمثل ذلك، إذا فهمنا من الدليل أنّ الضمان يترتّب على الإتلاف عندما يكون الفاعل مختاراً، وعامداً؛ حينئذٍ يكون الميزان متحققّ فيه، فلابدّ أنْ يشمله الحديث. بقطع النظر عن هذه الأمثلة، الملاحظة التي ترِد على هذا الكلام هي أننّا نستذكر ما تقدّم في جهةٍ سابقة من جهات البحث عن فقه الحديث، حيث طُرحت هناك مسألة أنّ الحديث هل يشمل كل الآثار مهما كانت، أو لا ؟ وقلنا هناك أنّه لا يشمل كل الآثار، وإنّما يشمل نوعاً واحداً من الآثار وهي الآثار الثابتة للفعل لا بشرط واحدٍ من هذه العناوين، ولا بشرط عدم واحدٍ من هذه العناوين. يعني الآثار الثابتة للفعل لا بقيد الخطأ، ولا بقيد عدم الخطأ، يعني العمد، لا بقيد النسيان، ولا بقيد التذكّر، مثل هذه الآثار يشملها الحديث. وأمّا إذا كانت الآثار مترتّبة على الفعل بقيد النسيان، ومُثّل له بسجدتي السهو المترتّبة على ترك الجزء نسياناً وسهواً، هذا لا يكون مشمولاً للحديث. أمّا الثاني والذي يرتبط بمحل كلامنا هو أنْ يكون الأثر مترتّباً على الفعل مقيّداً بعدم واحدٍ من هذه العناوين كما إذا ترتّب الأثر على الفعل بقيد العمد، وبقيد التذكّر، وبقيد الاختيار، مثل هذا أيضاً لا يكون مشمولاً للحديث؛ لأنّه بمجرّد أنْ نفترض عروض واحدٍ من العناوين فأنّ الحكم بطبيعة الحال يرتفع جزماً وقهراً بلا حاجة إلى الاستدلال بحديث الرفع على رفعه؛ لأنّ الحكم والأثر بحسب الفرض مقيّد بحالة العمد، وبالتذكّر، فإذا عرض الخطأ، فبطبيعة الحال يرتفع هذا الحكم بارتفاع موضوعه، وارتفاع شرطه، وبلا حاجة إلى الاستدلال عليه بحديث الرفع. وكذلك إذا كان مقيّداً بحالة التذكّر، فعندما يطرأ النسيان يرتفع الحكم قهراً؛ فلذا حديث الرفع لا يشمل مثل هذه الآثار، وإنّما يشمل الأثر الذي يترتّب على الفعل من دون أنْ يكون مقيّداً لا بالخطأ، ولا بالعمد، لا بالنسيان، ولا بالتذكّر، لا بالاضطرار، ولا بالاختيار. بناءً على هذا الكلام؛ فحينئذٍ كيف يقول في المقام بأنّ الميزان في شمول حديث الرفع هو أنْ يكون للاختيار والعمد دخل في ترتّب الأثر على موضوعه، فالاختيار والعمد دخيل في ترتّب الأثر على موضوعه، وهذا يدخله في القسم الثاني من التقسيمات المتقدّمة في الجهة السابقة، يكون معنى هذا أنّ الأثر مترتّب على موضوعه مقيّداً بحالة الاختيار، وبحالة العمد، فإذا كان ترتّب الأثر على موضوعه مقيّداً بحالة العمد، فمن الواضح حينئذٍ أنّه إذا طرأ الخطأ يرتفع هذا الحكم بلا حاجةٍ إلى التمسّك بحديث الرفع. وهكذا إذا طرأ الاضطرار وارتفع الاختيار؛ حينئذٍ يرتفع الحكم؛ لأنّ المفروض أنّ الاختيار له دخل في ترتّب الأثر على موضوعه، فإذا كان مضطراً يرتفع الحكم.
 فإذن: لا مجال للقول بأنّ الميزان في شمول حديث الرفع لموردٍ أنْ يكون للاختيار والعمد دخل في ترتّب الأثر؛ لأننّا إذا قلنا بهذا؛ فحينئذٍ سوف نستغني عن الاستدلال بحديث الرفع في كل موردٍ يُدّعى شمول حديث الرفع له؛ لأنّ الذي يُدّعى شمول حديث الرفع له هو خصوص ما يكون للاختيار والعمد دخل في ترتّب الأثر على موضوعه، هذا يشمله حديث الرفع، وفي هذا المورد نحن لا نحتاج إلى حديث الرفع؛ لأنّ الأثر يرتفع باعتبار أنّ ترتّبه مقيّد بالاختيار وبالعمد، فإذا حصل الاضطرار، أو الخطأ فسوف يرتفع هذا الأثر بلا حاجةٍ إلى حديث الرفع.
 يبدو أنّ الأقرب من هذه الوجوه التي ذكرناها لتفسير الاتفاق على عدم شمول حديث الرفع لهذه الموارد هو الوجه المتقدّم سابقاً، وهو مسألة الانتساب، حيث أنّ له نكتة عرفيّة مقبولة وهو أنّ الميزان في شمول الحديث لموردٍ أنْ يكون ترتّب الأثر على الفعل بما هو منتسب إلى المكلّف، وليس على ذات الفعل. النكتة العرفيّة لهذا الميزان ذكرناها سابقاً وهي أنّه يُفهم من الحديث أنّ طرو هذه العناوين ــــــ الاضطرار، الخطأ، النسيان، الإكراه ـــــ كأنّه يخفف، أو يلغي انتساب الفعل إلى فاعله، كأنّ العرف يقول بانتساب الفعل إلى فاعله عندما يصدر من الإنسان المختار وهو مختار، وعالم، وعامد؛ حينئذٍ ينتسب الفعل إليه، فيقال(قتل)، بينما إذا هو أكره على هذا الفعل؛ فحينئذٍ يضعُف انتساب الفعل إليه، أو يزول في نظر العرف المسامحي، فمن هنا يكون هذا مبررّاً، يعني عروض واحدٍ من هذه العناوين يكون مبررّاً لكي يكون موجباً لارتفاع الأثر؛ لأنّ الأثر يترتّب على الفعل بما هو منتسب إلى المكلّف، فعندما يُفترَض أنّ الأثر هكذا؛ حينئذٍ من المعقول أنْ يقال: إذا صدر الفعل اضطراراً؛ فحينئذٍ يخف الانتساب، ويكون الأثر مرفوعاً. هذه النكتة العرفيّة قد تكون مقبولة لعدم شمول الحديث لمثل هذه الموارد. وهذا الميزان في شمول الحديث لموردٍ غير متحققّ في معظم هذه الموارد، فالنجاسة ليست مترتبّة على الملاقاة بما هي منتسبة إلى المكلّف، وإنّما هي مترتّبة على ذات الملاقاة، والحكم بالجنابة ليس مترتّباً على حدوث موجبها بما هو منتسب إلى المكلّف؛ بل هو مترتّب على ذات حدوث موجب الجنابة، ووجوب الغسل ليس مترتّباً على مسّ الميّت بما هو منتسب إلى المكلّف، وإنّما هو مترتّب على ذات المسّ، وهذا يحتاج إلى إثباتٍ بلحاظ الأدلّة الدالة على هذه الموارد، بعضها مسلّم بلا إشكال من قبيل النجاسة المترتّبة على ذات الملاقاة، لكن بعض الأمثلة تقدّم سابقاً أنّه قد يُستشكل في تحققّ هذا الميزان فيها، وهي مسألة الضمان من قِبل الأمين عندما يُتلف حاجة، فهنا الانتساب واضح، يعني أنّ الضمان يترتّب على الإتلاف، يعني على الفعل بما هو منتسب إلى المكلّف. نعم، قد نشكّك في تحققّ الاختيار والعمد في المقام، لكن هو مترتّب على الإتلاف بما هو منتسب إلى المكلّف، فإذا كان كذلك؛ فحينئذٍ يكون الحديث شاملاً له ورافعاً للضمان فيما إذا صدر نسياناً، فإذا أتلف مال الغير نسياناً، أو اضطراراً، أو إكراهاً، فهل يكون ضامناً أو لا ؟ الظاهر هذا النظام موجود؛ لأنّ الأثر يترتّب على الفعل بما هو منتسب إلى المكلّف، وليس على ذات التلف، وإنّما على الإتلاف بما هو منتسب إلى المكلّف؛ فينبغي أنْ يكون الحديث شاملاً له، فإذا شمله الحديث، فلابدّ أنْ نحكم بعدم الضمان، وفي هذه الحالة اتفقوا فقهيّاً على أنّه لا إشكال في الضمان، ممّا يعني أنّ الحديث لا يشمل هذا المورد أيضاً، لكن هذا الميزان للشمول متحققّ فيه، لكن قلنا أنّه يمكن التغلّب على هذا الاتفاق على الضمان وعدم شمول الحديث له بنكتةٍ أخرى غير هذه النكتة، وهي نكتة الامتنان، أنْ لا يكون في شمول الحديث لموردٍ خلاف الامتنان على شخص آخر، وإنْ كان فيه امتنان على الشخص الأوّل، لكن يُشترط أنْ لا يكون فيه خلاف الامتنان على الشخص الآخر، وشمول الحديث لهذا المورد، وبالتالي نفي الضمان فيما إذا اتلف مال الغير نسياناً، أو اضطراراً، أو إكراهاً هو خلاف الامتنان بالنسبة إلى المالك، فلا يشمله الحديث لهذه النكتة. وإن كان لازم هذا الكلام أنّه لو لم نسلّم هذه النكتة، ولو لم نقبل نكتة الامتنان، فلابدّ أنْ نلتزم بشمول الحديث لهذا المورد، ونلتزم بأنّ الأمين إذا أتلف مال الغير اضطراراً، أو إكراهاً، أو نسياناً، فلا ضمان عليه. هذا ما يرتبط بالأمر السادس.
 الأمر السابع من فقه الحديث: تعرّض فيه الأصوليون والمحققون إلى البحث عن أنّ الحديث هل يشمل كل الأحكام بكل أقسامها ؟ فهناك أحكام تكليفيّة، وهناك احكام وضعيّة، وهناك أحكام تكليفية مرّة تكون أحكاماً استقلالية، ومرّة تكون أحكاماً ضمنية، فهل يشمل حديث الرفع كل هذه الأحكام الشرعيّة، أو يختص ببعضها ؟ دخلوا في هذا البحث، وتكلّموا في ثلاثة أقسام: تكلموا أوّلاً في الأحكام التكليفية الاستقلالية من قبيل وجوب الصلاة، وحرمة شرب الخمر وأمثالها، ثمّ تكلموا في الأحكام التكليفيّة الضمنية من قبيل وجوب السورة في الصلاة، وحرمة المانع من الصلاة، ووجوب الجزء والشرط وأمثالهما هذه كلّها تكاليف ضمنية، هل يشملها حديث الرفع أو لا ؟ ثمّ تكلّموا ثالثة في الأحكام الوضعيّة من قبيل الصحّة والبطلان وأمثالها. فهنا عدّة مقامات:
 المقام الأوّل: الأحكام التكليفية الاستقلالية : هل يشملها حديث الرفع، أو لا يشملها ؟ قد يلحظ الحكم التكليفي الاستقلالي بالنسبة إلى متعلقة ويُتكلّم في أنّ حديث الرفع يشمله أو لا يشمله ؟ وقد يلحظ الحكم التكليفي الاستقلالي بالنسبة إلى موضوعه، والفرق بين المتعلّق والموضوع واضح، الأوّل من قبيل وجوب الصلاة بالنسبة إلى الصلاة، فالصلاة متعلق بهذا الحكم الشرعي، وحرمة شرب الخمر، فشرب الخمر متعلّق بهذا الحكم الشرعي. ومرة يكون لدينا حكم استقلالي تكليفي يُلحظ بالنسبة إلى موضوعه ويترتب على موضوعه، وجوب الكفّارة يترتب على الإفطار، والإفطار ليس متعلّقاً لوجوب الكفّارة، وإنّما هو موضوعاً لوجوب الكفّارة يترتّب عليه كما يترتّب أي حكم شرعي على موضوعه، وجوب الديّة مترتب على القتل وأمثال هذه الأمور. فهذا الحكم قد يُلحظ مرّة بلحاظ المتعلّق، وقد يُلحظ بالنسبة إلى موضوعه.
 أمّا بالنسبة إلى الأوّل: هنا ذكروا بشكلٍ عام بأنّ هذه الأفعال التي تقع متعلّقاً للحكم التكليفي الاستقلالي، أو موضوعاً للحكم الاستقلالي التكليفي إذا ما عرض عليها واحد من هذه العناوين، فلا إشكال في أنّ حديث الرفع يكون شاملاً لها، سواء كان متعلّقاً، أو كان موضوعاً، فإذا شرب الخمر اضطراراً، أو إكراهاً يشمله الحديث، ويرفع أثره الذي هو الحرمة، والحد ....الخ من الآثار التي تترتّب على شرب الخمر. هذا هو الحكم التكليفي الاستقلالي، وهو يرتفع لشمول حديث الرفع لهذا المورد إذا تعنون بأحد العناوين التسعة المذكورة في الحديث، وهكذا الحكم التكليفي بالنسبة إلى موضوعه، فإذا أفطر نسياناً، أو إكراهاً، أو اضطراراً، فيرتفع عنه الأثر الذي هو وجوب الكفّارة؛ لطرو واحدٍ من هذه العناوين التي أوجبت رفع الفعل، ورفع الفعل يكون برفع أثره وحكمه، فينفى وجوب الكفارة حينئذٍ. أيضاً هنا يُذكر ما تقدّم، النتيجة التي وصلنا إليها في البحث السابق، هنا أيضاً يُذكر أنّ هذا الحكم التكليفي الاستقلالي حتّى يشمله الحديث لابدّ أنْ نفترض أنّه يترتب على موضوعه الذي هو الفعل، فما هو المختار في البحث السابق لابدّ أنْ نشترطه هنا، فإذا اخترنا هناك ــــ مثلاً ـــــ أنّه يشترط أنْ يترتّب عليه بما هو منتسب إلى المكلّف، فهنا أيضاً نقول أنّه يشترط أنْ يكون الأثر مترتباً على الفعل بما هو منتسب إلى المكلّف. وأمّا إذا فرضنا أنّ الأثر يترتب على الفعل مطلقاً وإن لم يكن منتسباً إلى المكلّف، مثل هذا الأثر الذي هو حكم تكليفي استقلالي لا يشمله حديث الرفع، فإذا قلنا بالميزان الأوّل نطبقه في محل الكلام، وإذا قلنا بالميزان الثاني أيضاً نطبقه في محل الكلام؛ وحينئذٍ قلنا أنّ هذا البحث يكون أشبه بالبحث الفقهي، أنّ الأثر يترتّب على الفعل بما هو منتسب إلى ما نفهمه منه، وجوب القضاء مترتّب على ذات ترك الفريضة، أو مترتّب على ترك الفريضة بنحوٍ أشبه بالعدم النعتي ؟ يعني الترك الصادر من المكلّف للفريضة بما هو كذلك، فإذا كان بما هو كذلك؛ فحينئذٍ يشمله الحديث. وأمّا إذا كان مترتباً على ذات ترك الفريضة، وليس بما هو منتسب إلى المكلّف، أو مترتب على ذات الفوت، إذا فاتته الفريضة يجب عليه القضاء، وليس الفوت المنتسب إلى المكلّف؛ حينئذٍ هذا لا يشمله الحديث. مثل هذا الحكم التكليفي الاستقلالي أيضاً لا يكون مشمولاً للحديث.
 أيضاً ذكروا بأنّ الحكم التكليفي الاستقلالي بالنسبة إلى متعلّقه، تارة يكون الحكم من الكلّي الساري الذي يُعبّر عنه بمطلق الوجود، ساري في جميع الأفراد، وبعبارة أخرى الانحلالي. ومرة يكون من قبيل أكرم كل عالم. ومرة يكون متعلّق الحكم بنحو الكلّي بنحو صرف الوجود لا بنحو مطلق الوجود مثل (أكرم عالماً)، و(اعتق رقبة)، ويوجد فرق بينهما، فهناك يوجد انحلال وسريان إلى جميع الأفراد، أي حكم يسري إلى جميع أفراد الطبيعة، بينما هنا لا يسري الحكم إلى جميع أفراد الطبيعة، وإنّما المطلوب هو فرد واحد من هذه الطبيعة، لأنّ المطلوب هو صرف الوجود لهذه الطبيعة. في الأوّل(الانحلالية) فيما إذا كان المطلوب هو الطبيعة بنحو مطلق الوجود هنا إذا اضطرّ المكلّف، أو نسي، أو أكره على مخالفة التكليف، فأمُر بإكرام كل عالمٍ وأكره هو على ترك إكرام فردٍ من أفراد العالم، نهاه عن الكذب ـــــ وهذا أمر انحلالي ـــــ وأُكره على المخالفة بأنْ يكذب مرةً واحدة، في هذه الحالة يجري الحديث لنفي الوجوب، يعني إذا ترك إكرام زيد عندما يقول(أكرم كل عالم) بنحو العموم الاستغراقي، وهو ترك أكرام زيدٍ اضطراراً، أو أكره على ترك إكرامه، هنا يجري الحديث وينفي وجوب أكرام زيد، باعتبار أنّ هذا الوجوب أثر لإكرام زيدٍ، كما نجري الحديث لنفي الحرمة عن شرب الخمر عندما يقع اضطراراً، هنا نجري الحديث لنفي الوجوب عن أكرام زيدٍ، فيسقط عنه هذا الوجوب، فلا يجب عليه أكرام زيدٍ باعتباره مكره على تركه، أو مضطرّ إلى تركه، فيجري فيه الحديث لنفي هذا الوجوب. كذلك إذا كذب مرة واحدة إكراهاً، أو اضطراراً، هنا أيضاً يجري الحديث لنفي حرمة ما صدر منه؛ لأنّه صدر منه إكراهاً، أو اضطراراً. هذا إذا أكره على مخالفة التكليف. أمّا إذا أكره على موافقة التكليف، قال له(أكرم كل عالم) وأكره على أكرام زيدٍ فأكرمه مكرهاً، هنا هل يجري الحديث ، أو لا يجري ؟ قالوا : لا يجري الحديث؛ لأنّه لا امتنان في نفي الوجوب عن هذا الإكرام الذي أكره عليه؛ بل بالعكس؛ إذ لعلّ فيه خلاف الامتنان، فإذا أجرينا الحديث، ونفينا الوجوب عن هذا الفرد الذي وقع إكراهاً، هذا ليس فيه امتنان على المكلّف؛ لأنّ المكلّف أكرمه، فليكن هذا امتثالاً لهذا التكليف، فيبقى الوجوب، ويكون هذا امتثالاً، وجريان الحديث لنفي هذا الوجوب ليس فيه امتناناً على هذا المكلّف؛ فحينئذٍ لا يجري هذا الحديث لنكتة الامتنان في هذا الفرض. وهكذا إذا فرضنا في مثال النهي إذا أكره على ترك الكذب في آنٍ واحدٍ، مرة واحدة في ظرف معيّن، هنا هل هناك معنىً لجريان الحديث لنفي حرمة هذا ؟ لا موجب لهذا؛ لأنّه ليس امتناناً عليه أنْ نقول أنّ هذا الترك ليس امتثالاً للنهي، فلا يكون امتثالاً لحرمة؛ بل نقول أنّه امتثال لحرمة وإنْ وقع اضطراراً، أو إكراهاً، الحرمة لا ترتفع عن ذلك؛ فحينئذٍ يكون شمول الحديث لهذا الترك بمعنى نفي الحرمة، ونفي الحرمة ليس فيه امتنان، فلا يكون الحديث شاملاً له. هذا كلّه فيما إذا كانت المتعلّق للحكم التكليفي الاستقلالي مأخوذ بنحو الطبيعة السارية وبنحوٍ الانحلال، بنحو مطلق الوجود.