34/07/07


تحمیل
 الموضوع: الأصول العملية/ البراءة الشرعية
 كان الكلام في الأمر الرابع من فقه الحديث، وكان الحديث عن قرينة الامتنان وكون الحديث مسوق مساق الامتنان، وماذا يترتّب على ذلك.
 من جملة الأمور التي تترتّب على ذلك غير ما تقدّم هو ما ذكره المحقق العراقي(قدّس سرّه) [1] من أنّ الحديث لا يشمل ما إذا حصل الاضطرار بسوء الاختيار، وعللّ ذلك باعتبار أنّ عدم رفع الحكم في هذا الفرض ليس على خلاف الامتنان، والعقل لا يمنع من ذلك، وليس فيه خلاف الامتنان، ممّا يعني أنّ المضطر بسوء اختياره تبقى الحرمة ثابتة عليه، ويقام عليه الحدّ إذا شرب الخمر مضطرّاً، لكن اضطراره كان بسوء اختياره، أو نسي وشرب الخمر وكان نسيانه بسوء اختياره، هنا عدم رفع الحكم عنه ليس فيه خلاف الامتنان، فلا يكون الحديث شاملاً له.
 اعترض على هذا الكلام بأنّ كون الحديث مسوق مساق الامتنان، والذي يشكّل قرينة الامتنان التي هي محل الكلام ليس قرينة على عدم شمول الحديث للاضطرار بسوء الاختيار، وذلك باعتبار أنّه لا إشكال ولا ريب في ثبوت الامتنان في رفع الأحكام والآثار عن هذا المضطر، ولو كان اضطراره بسوء الاختيار؛ إذ لا إشكال في أنّ هذا امتنان عليه، فكما يمتنّ برفع الأحكام والآثار عن المضطر لا بسوء الاختيار، كذلك هناك امتنان في رفع الآثار والأحكام عن المضطر بسوء اختياره؛ لأنّه بالنتيجة يخفف عنه، ويرفع شيئاً عن كاهله، وهذا امتنان عليه، فيكون الحديث شاملاً له. إذن: لا يمكن أن نستند في عدم شمول الحديث للاضطرار بسوء الاختيار إلى قرينة الامتنان؛ بل لابدّ من التفتيش عن نكات أخرى تقتضي عدم شمول الحديث للاضطرار بسوء الاختيار.
 أقول: هذا الاعتراض لعلّه غير وارد على المحققّ العراقي(قدّس سرّه)، باعتبار أنّ كلامه(قدّس سرّه) صريح، وقد تكررّ منه أكثر من مرّة أنّه يرى أنّ الامتنان قرينة على اختصاص الرفع برفع الآثار التي يكون وضعها خلاف الامتنان، فهو يستفيد هذا المعنى من الحديث، ويقول لا يكفي في شمول الحديث لموردٍ أنْ يكون فيه امتنان فقط؛ بل لابدّ أنْ يكون في وضع الآثار وعدم رفعها خلاف الامتنان، فإذا لم يكن المورد كذلك، بأن كان وضع الآثار وعدم رفعها في مورد ليس فيه خلاف الامتنان، فلا يشمله الحديث، وإنْ كان في رفع الآثار امتنان عليه، لكنّه لا يشمله الحديث؛ لأنّه ليس كل موردٍ يكون في رفع الآثار عنه امتنان يشمله الحديث؛ بل لابدّ مضافاً إلى ذلك أنْ يكون في وضع الآثار وعدم رفعها خلاف الامتنان. هذا هو رأي المحقق العراقي(قدّس سرّه). وهذا هو الذي يطبّقه(قدّس سرّه) في محل الكلام، ويقول أنّ هذا المورد لا يشمله الحديث؛ لأنّ هذا المضطر بسوء اختياره يختلف عن المضطر لا بسوء اختياره، فوضع الآثار على المضطر لا بسوء اختياره، وعدم رفع العقوبة والحدّ عنه هو خلاف الامتنان؛ لأنّه مضطرّ لا بسوء اختياره، بينما إبقاء الآثار والمؤاخذة والحرمة والعقوبة على المضطر بسوء اختياره ليس فيه خلاف الامتنان؛ لأنّه مضطر بسوء الاختيار. إذن: لا معنى لأنْ نعترض عليه بأنّه لو كانت قرينة الامتنان هي وحدها، فأنّها لا تمنع من شمول الحديث للمضطر بسوء الاختيار؛ لأنّه لا إشكال في أنّ رفع الآثار عنه فيه امتنان عليه. فهذا الاعتراض لا يرد عليه.
 ولعلّ المحقق العراقي(قدّس سرّه) إنّما قال باختصاص الحديث برفع الآثار التي يكون في وضعها خلاف الامتنان، وطبّقه على الاضطرار بسوء الاختيار، لعلّه كان ناظراً إلى أنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا يُعدّ اضطراراً عرفاً، وإنْ كان بحسب الدقّة اضطراراً، والمضطر بسوء اختياره لا يُعدّ مضطراً في نظر العرف، وإنّما هو مختار؛ ولذا يقال هو الذي أوقع نفسه في هذه القضيّة، فالذي يرمي نفسه من شاهقٍ ـــــ مثلاً ـــــ صحيح هو بعد أنْ يرمي نفسه يصبح مضطرّاً؛ لعدم قدرته على التراجع وإنجاد نفسه، فيصبح مضطرّاً إلى الهلاك، لكن هو الذي أوقع نفسه في ذلك؛ ولذا يصحّ عرفاً أنْ يقال أنّه هو الذي أهلك نفسه باختياره، ولا يعتبر الشخص الذي يضطرّ بسوء الاختيار مضطرّاً؛ بل يُعدّ مختاراً في نظر العرف، فإذا كان يُعدّ مختاراً؛ فحينئذٍ لا يكون في وضع الآثار عليه وعدم رفعها خلاف الامتنان؛ لأنّ حاله حال العامد، والقادر، والمتذكّر من دون فرقٍ بينهما، فالمضطرّ بسوء الاختيار كالعامد وكالمختار، فكما أنّ وضع الآثار على المختار المتعمّد للمخالفة ليس فيه خلاف الامتنان، فكذلك إبقاء الآثار في حق المضطرّ بسوء الاختيار أيضاً ليس فيه خلاف الامتنان، فإذا لم يكن في وضع الآثار خلاف الامتنان؛ فحينئذٍ لا يشمله الحديث. لعلّ هذا هو السر في قول المحقق العراقي(قدّس سرّه) باختصاص الحديث برفع الآثار التي يكون في وضعها خلاف الامتنان.
 بل يمكن أنْ نستفيد من هذا الكلام الأخير وجهاً آخراً لعدم شمول الحديث للمضطر بسوء الاختيار بقطع النظر عن قرينة الامتنان، وحتّى إذا فرضنا أنّ قرينة الامتنان لم تكن موجودة، ولم يكن الحديث مسوق مساق الامتنان، مع ذلك يمكن أنْ يستفاد من الحديث الاختصاص بالاضطرار لا بسوء الاختيار وعدم شموله للاضطرار بسوء الاختيار، وذلك بأن يقال: أنّ الاضطرار بسوء الاختيار ليس اضطراراً في نظر العرف؛ بل أنّ الفعل صدر منه باختياره بالنظر العرفي، وليس بالنظر الدقّي، وهو الذي أوقع نفسه في ذلك، فلا يكون اضطراراً، فإذا فهمنا من الاضطرار في العنوان الوارد في حديث الرفع الاضطرار بمعناه العرفي، وما يصدق عليه الاضطرار عرفاً؛ فحينئذٍ يمكن أنْ يُجعل هذا قرينة على اختصاص الحديث بما يراه العرف اضطراراً، وما يراه العرف اضطراراً هو الاضطرار غير المسبوق بالاختيار، وأمّا الاضطرار المسبوق بالاختيار، أي الاضطرار بسوء الاختيار، فلا يراه العرف اضطراراً، فلا يشمله الحديث؛ لأنّ العرف لا يُسمّي هذا مضطرّاً؛ بل يرى أنّ الفعل صدر منه باختياره، وفي مقام النسيان بسوء الاختيار يرى العرف أنّه خالف وهو متذكّر، وهو بسوء اختياره أوقع نفسه في حالة نسيان كما لو تناول دواءً وهو يعلم أنّه يسبب النسيان، واستعمله باختياره، وهو متذكّر، فنسي، فترك واجباً نسياناً، فمثل هذا لا يقال له بأنّه ترك الفعل ناسياً، وفي باب الاضطرار يكون واضحاً جدّاً، فيمكن أنْ يقال بأنّه في باب الاضطرار لا يصدق الاضطرار على الاضطرار بسوء الاختيار؛ لأنّ العرف يرى أنّ هذا مختار، وأنّه أهلك نفسه باختياره، فلا يشمله الحديث لذلك.
 نعم، قد يستشكل في تطبيق هذا الوجه الذي ذكرناه على النسيان الذي ذكره المحقق العراقي(قدّس سرّه) إلى جنب الاضطرار، حيث ذكر الاضطرار بسوء الاختيار، والنسيان بسوء الاختيار، وهكذا يمكن تعميمه إلى الإكراه إذا فرضنا تحققّه بسوء الاختيار؛ حينئذٍ قد يستشكل في تطبيق ذلك على حالة النسيان بسوء الاختيار، وذلك باعتبار أنّ العرف هنا كأنّه يفرّق بين الاضطرار وبين النسيان، فإذا أوقع نفسه في النسيان بسوء اختياره، فالعرف هنا لا ينفي وقوع الفعل عن نسيانٍ، هناك كان ينفي وقوع الفعل عن اضطرارٍ إذا كان الاضطرار بسوء الاختيار، لكن في حالة النسيان لا ينفي، فالنتيجة أنّ الفعل وقع عن نسيانٍ وإنْ كان هو الذي أوقع نفسه في النسيان، ونسي بسوء اختياره، لكن العرف لا ينفي صدور الفعل منه عن نسيانٍ، وإنّما يرى أنّه نسي فوقع منه الفعل، فيبقى النسيان موجوداً، فلا نستطيع أنْ نقول أنّ الحديث لا يشمل هذا لعدم صدق النسيان عرفاً، كما كنا نقول في باب الاضطرار من أنّ الحديث لا يشمل هذا الاضطرار لعدم صدق الاضطرار عليه عرفاً، هذا غير ممكن في باب النسيان، بالنتيجة هو نسي فوقع منه الفعل، وإنْ كان نسيانه بسوء اختياره، فالتمسك بهذا الوجه لمنع شمول الحديث للنسيان بسوء الاختيار غير واضح؛ ولذا لابدّ لكي نعمم هذا حتّى للنسيان بسوء الاختيار من التماس وجهٍ آخر غير ذلك، والوجه الآخر في الحقيقة هو ما يمكن أن يكون جامعاً بين هذين الأمرين وهو أن يقال: بأنّ مثل هذا الشخص الذي يوقع نفسه في الاضطرار والنسيان والإكراه عن اختيارٍ هو شخص لا يستحق الامتنان، فهناك فرق بين المضطرّ لا بسوء الاختيار، والناسي لا بسوء الاختيار، وإنّما يهجم عليه الاضطرار أو النسيان من دون سبق اختيار، مثل هذا يستحق الامتنان، وبين المضطر بسوء الاختيار، والناسي بسوء الاختيار الذي أوقع نفسه في الاضطرار وهو مختار، وأوقع نفسه في النسيان وهو متذكّر، فمثل هذا لا يستحق الامتنان، ويقال بأنّ هذا الوضوح في أنّ هذا لا يستحق الامتنان يكون بمثابة قرينة متصلة بالحديث الشريف مانعة من إطلاقه وشموله للاضطرار الواقع بسوء الاختيار، وللنسيان الواقع بسوء الاختيار. وهذا الوجه يعتمد على قرينة الامتنان، باعتبار أنّه يقول أنّ الحديث مسوق مساق الامتنان والارتكاز يرى بأنّ مثل هذا لا يستحق الامتنان، هذا هو الذي يمنع من شمول الحديث للمضطر بسوء الاختيار، أو الناسي بسوء الاختيار؛ لأنّه لا يستحق الامتنان، والحديث مسوق مساق الامتنان، وهذا يشكّل مانعاً من شمول الحديث لمثله، فلا يشمله الحديث؛ فحينئذٍ لا يفرّق بين الاضطرار وبين النسيان، وهذا الوجه يشمل كلاً منهما.
 إذن: هناك وجه يختص بالاضطرار وهو مسألة الصدق العرفي، وأنّ الاضطرار لا يصدق عرفاً على المضطر بسوء الاختيار، فلا يقال له مضطر، فلا يشمله الحديث لذلك. لكن هناك تشكيك في شمول هذا الوجه لحالة النسيان. والوجه الآخر هو ما ذكرناه من أنّ هؤلاء لا يستحقون الامتنان، وهذا يشكل قرينة متصلة بالحديث تمنع من شمول الحديث للاضطرار أو النسيان بسوء الاختيار.
 وهناك وجه آخر يمكن أن يُذكر في المقام لإثبات عدم شمول الحديث لموارد الاضطرار أو النسيان بسوء الاختيار، وهو أن يقال بأنّ هذا الشخص تثبت له الآثار والأحكام باعتبار أنّه خالف الشارع في حال الاختيار في باب الاضطرار، وخالف الشارع في حال التذكّر في باب النسيان، ولا إشكال في أنّ هذا خارج عن موضوع الحديث، فلا يشمله الحديث، أمّا كونه مختاراً في باب الاضطرار فلأنّه قبل أن يقع في الاضطرار عندما ألقى نفسه من شاهق، هو كان مختاراً، وخالف التكليف الذي يقول(يحرم إلقاء النفس في التهلكة)، أو(يحرم الأضرار بالنفس)، وقد خالف هذا التكليف وهو مختار، وليس مضطراً إلى مخالفة هذا التكليف، ومثل هذا لا يكون مشمولاً لحديث الرفع؛ لأنّه مختار، والحديث إنّما يشمل غير المختار، وهذا حقيقة وبالنظر الدقّي هو مختار حينما أقدم على هذا العمل، وليس بالنظر العرفي، فهو عندما أقدم على هذا العمل كان هناك خطاب متوجّه إليه بأنّه(لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة)، وهو خالفه عامداً عالماً مختاراً متذكراً، فيستحق العقاب، وكل الآثار تترتب حينها كما تترتب على المختار والعامد والمتذكر، فلا يكون الحديث شاملاً له على القاعدة. ونفس الكلام يمكن تطبيقه في باب النسيان بأن نفترض أنّ الواجب الذي تركه نسياناً بسوء اختياره هو ممّا يهتم به الشارع، ويأمر بلزوم الإتيان به والمحافظة عليه من ناحية النسيان، وكأنّه ينهاه عن نسيانه، أو يأمره بعدم نسيانه، فإذا كان الواجب من هذا القبيل؛ حينئذٍ يقال بأنّ هذا المكلّف عندما أوقع نفسه في النسيان هو كان متذكراً قبل حصول النسيان له، وخالف التكليف الشرعي وهو متذكّر، فإذا خالف التكليف الشرعي وهو متذكّر؛ حينئذٍ يكون هذا خارجاً عن موضوع حديث الرفع؛ لأنّ حديث الرفع إنّما يشمل الناسي، ولا يشمل المتذكّر، وهذا متذكر، في الآن الذي قبل أنّ يطرأ عليه النسيان، وبسوء اختياره تناول هذه الحبة، فسببت طرو حالة النسيان، وقبل تناولها هو كان متذكّراً، والمفروض أنّ هذا الواجب الذي سيكون تناول الحبة مؤدياً إلى نسيانه وتركه قد أمره الشارع بالمحافظة عليه، فإذن: هو خالف التكليف وهو متذكّر، ومثل هذا لا يكون مشمولاً لحديث الرفع.
 هذا تمام الكلام في الأمر الرابع المرتبط بفقه الحديث.
 الأمر الخامس: في أجود التقريرات للمحقق النائيني(قدّس سرّه) ورد(بأنّ رفع الخطأ والنسيان في الحديث ليس المراد منه دفع نفس هذه العناوين تشريعاً، وفرضها كأن لم يكن كما تُوهم.......الخ). [2] حاصل ما يُراد بهذه العبارة هو أنّ المحقق النائيني(قدّس سرّه) لاحظ أنّ العناوين الخمسة ليست متسقة، ولم تأتِ على نسقٍ واحدٍ، حيث فيها التعبير بما اضطروا إليه، وما استكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وهناك التعبير بالخطأ والنسيان، وهناك فارق بين الخطأ والنسيان وبين ما اضطروا إليه، فمن الواضح أنّ المقصود بما اضطروا إليه هو الفعل الذي يطرأ عليه الاضطرار، وما استكرهوا عليه يعني الفعل الذي تعلّق به الإكراه، بينما عبر عن الخطأ بالخطأ، وليس الشيء الذي يطرأ عليه عنوان الاضطرار كما في ما اضطروا إليه، أو الشيء الذي يطرأ عليه الإكراه كما في ما استكرهوا عليه، وإنّما عبّر عنه بنفس العنوان أي بنفس الخطأ، وبنفس النسيان، فهل هذا يعني أنّ المرفوع في تلك الموارد هو الفعل الذي يطرأ عليه الإكراه، والاضطرار، وما لا يطيقون، بينما المرفوع في محل الكلام هو نفس العنوان، أي أنّ نفس الخطأ هو الذي يُرفع، ونفس النسيان يُرفع، وليس الشيء الذي يطرأ عليه الخطأ، الفعل الصادر خطئاً، والفعل الصادر نسياناً، إذا كان المرفوع هو الفعل الصادر خطئاً، والفعل الصادر نسياناً يكون حاله حال ما أكرهوا عليه، وما اضطروا إليه، الذي يُرفع هو الفعل الذي تطرأ عليه هذه العناوين، والتعبير في الرواية لم يرد هكذا، ولم يقل رفع الفعل الصادر خطئاً، أو ما أخطأوا، وإنّما قال رفع عن أمتي كذا وكذا والخطأ والنسيان، فهل معنى هذا أنّ نفس الخطأ مرفوع ؟ ونفس النسيان مرفوع ؟ أو أنّ المقصود بذلك هو نفس ما يُقصد بأخواته المتقدّمة سابقاً وهو الفعل الذي يطرأ عليه العنوان ؟ هذا هو الذي يُرفع برفع آثاره وأحكامه على ما تقدّم.
 المحقق النائيني(قدّس سرّه) يريد أنْ يقول أنّ المراد بالخطأ والنسيان هو الفعل الصادر خطئاً، والفعل الصادر نسياناً، كما هو الحال في ما اضطروا إليه. ويظهر من عبارته أنّ دليله هو أنّه لو قلنا بأنّ المرفوع هو نفس هذه العناوين، أي نفس عنوان الخطأ، ونفس عنوان النسيان، فهذا يلزم منه لازم باطل؛ لأنّه إذا رفعنا الخطأ، فهذا يعني تنزيله منزلة العمد، فيرفع الخطأ يعني يعتبره عامداً، ويرفع النسيان يعني يعتبره متذكراً، هذا هو معنى الرفع، وكأنّ معنى رفع الخطأ هو أنّه ليس بمخطئ، وإذا لم يكن مخطئاً فهو عامد، ومعنى رفع النسيان هو أنّه ليس ناسياً، فيكون متذكراً، وهذا معناه أنّ الناسي والمخطئ أعتُبر في حديث الرفع عامداً ومتذكراً، وهذا يلزم منه أن يكون الناسي في حالة شمول الحديث له أسوء منه مع فرض عدم شمول الحديث له، فالناسي مع عدم شمول الحديث له هو ناسي، وعلى الأقل ليس عليه مؤاخذة بحكم كونه ناسياً، أو المخطئ مع عدم شمول الحديث له هو مخطئ، فعلى ألأقل أيضاً نقول لا مؤاخذة عليه. لكن عندما يشمله الحديث يعتبره عامداً، وتترتب عليه حتّى المؤاخذة، والناسي عندما يشمله الحديث يعتبره متذكراً، فتترتب عليه حتّى المؤاخذة، يعني يلزم أسوأية الناسي والمخطئ مع فرض شمول الحديث لهما منهما مع فرض عدم شموله لهما، وهذا لا يمكن قبوله؛ فلذا قال بأنّه لا نستطيع أنْ نقول بأنّ المرفوع هو نفس عنوان الخطأ ونفس عنوان النسيان؛ لأنّ رفع عنوان الخطأ يعني تنزيل المخطئ منزلة العامد، ورفع عنوان النسيان يعني اعتباره متذكراً، وهذا يلزم منه الأسوأية. فلذا يقول لابدّ من افتراض أنّ الرفع يتوجّه على الفعل الذي صدر خطئاً، والفعل الذي صدر نسياناً، فيكون حاله حال رفع ما اضطروا إليه، وما استكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون.
 
 


[1] مقالات الأصول، آقا ضياء العراقي، ج2، ص 164.
[2] أجود التقريرات، تقرير بحث النائيني للسيّد الخوئي، ج 2، ص 170.