32/10/20

تحميل ملف (MP3) حجم (2.16MB)

الأستاذ الشيخ هادي آل راضي

بحث الفقه

32/10/20

بسم الله الرحمن الرحیم

 كان الكلام في وجوب القضاء كفاية وقلنا إنه استدلّ عليه بدليلين كان الأول منهما هو توقّف حفظ النظام على القضاء وقلنا إن هذا الدليل أُشكل عليه بأن حفظ النظام لا يتوقف على القضاء الصحيح لإمكان حفظ النظام بطريق آخر غير القضاء والظاهر أن مقصوده هو القضاء غير الشرعي وحينئذ لا يمكن إثبات وجوب القضاء الصحيح الذي هو محلّ الكلام باعتباره مقدمة لحفظ النظام .
 وهذا الإشكال يمكن الجواب عنه بأن حفظ النظام الذي يريده الشارع والذي نعلم ونقطع أنه لا يرضى بتفويته ولا يجوّز الإخلال به ليس هو حفظ النظام كيفما اتّفق وإنما هو حفظ النظام بطريقة خاصة وهي الطريقة التي يرتضيها الشارع والتي هي بحسب تقديراته تُحفظ بها حقوق الناس وتُمنع بها المظالم بينهم ، نعم .. قد يُحفظ النظام بقضاة تنصبهم الحكومات الجائرة إلا أن الشارع لا يريد هذا النوع من الحفظ الحاصل بهذا الطريق وإنما يريد حفظ النظام بطريقة خاصة وهي تتحقّق بنصب القضاة العدول الواجدين للشرائط المقررة شرعاً ولا إشكال بأن حفظ النظام بهذا المعنى يتوقّف على القضاء الصحيح .
 ويؤيّد هذا الفهم هو أن الشارع نهى عن التحاكم إلى الطاغوت بالآيات اليبّنة والروايات الصريحة في ذلك ومن الواضح أن هذا النهي عن التحاكم إلى الطاغوت قد أُنشئ وجُعل منظوراً به الحكومات غير الشرعية .. إذاً فهناك سلطان جائر وحكومات غير شرعية قد عيّنت قضاة ليسوا واجدين للشرائط فالشارع في ظلّ مثل هذا الظرف نهى عن الرجوع إلى الطاغوت وأمر بالرجوع إلى القضاة العدول الذين نصبهم الأئمة (عليهم السلام) وهذا يكشف في الحقيقة عن أن حفظ النظام الذي يتحقّق بالقضاء غير الشرعي لا يرضى به الشارع ولا يكتفي به وعلى ذلك يكون حفظ النظام بهذا الطريق الخاص هو الواجب ولا شكّ أنه يتوقف على جملة من الأمور منها القضاء الصحيح .. وبهذا يمكن تتميم الدليل بأن نقول : إن حفظ النظام الواجب الذي لا يرضى الشارع بتفويته يتوقف على القضاء بالمعنى المبحوث عنه وهو القضاء الصحيح .
 وأما بالنسبة إلى الدليل الثاني وهو التمسّك بعمومات ما دلّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والظاهر أن المقصود بذلك هو دعوى توقف عدم المنكر وسدّ باب المعاصي والظلامات على القضاء وحيث إن تلك أمور لازمة وواجبة فيكون القضاء الذي هو مقدمة لها واجباً .
 وأورد على هذا الدليل أيضاً بأن المتخاصمين في الدعوى كلّ منهما يعتقد أن الحقّ إلى جانبه ولا يثبت كون هذا المدّعى منكراً وظلماً إلا بعد القضاء وحينئذ لا معنى لأن نستدل على وجوب القضاء بأدلة النهي عن المنكر بدعوى توقف عدم المنكر والردع عنه على القضاء وذلك لعدم تحقق موضوعه قبل القضاء فإن موضوع أدلة النهي عن المنكر إنما تتحقق بعد القضاء وأما قبل ذلك فلا يتحقق موضوعها حتى نتمسّك بها لإثبات وجوب القضاء .
 وبعبارة أخرى لتوضيح هذا الإشكال نقول إن وجوب القضاء من باب النهي عن المنكر لا يكون إلا إذا تحقق موضوع النهي وهو المنكر قبل الحكم والقضاء فحينئذ يقال إن هذا منكر والردع عنه واجب وهو يتوقف على القضاء فيكون القضاء واجباً .. ولكن كون الشيء منكراً وظلماً لا يُعرف إلا بواسطة القضاء فإذاً موضوع الأدلة غير متحقق قبل القضاء فلا معنى إذاً للاستدلال بها في المقام .
 وجوابه أن هذا التفسير للدليل يظهر أنه ليس هو المقصود فيمكن تفسيره بنحو يسلم عن هذا الإيراد وهو بأن يقال إن المنظور بهذا الدليل قضية وجدانية عامة وهي أنه من الواضح أن المجتمع الذي لا يوجد فيه قضاة ومحاكم يكون الظلم والمنكر والتجاوز منتشراً فيه بنسبة أعلى من المجمع الذي يوجد فيه ذلك فالدليل إذاً يشير إلى هذه القضية الوجدانية التي تُبرز أن الظلمة والغاصبين والمتجاوزين والمعتدين لا يردعهم عن تجاوزهم وظلمهم - ولو في الجملة - إلا إقامة القضاء فليس المقصود إذاً النظر إلى قضية شخصية حتى يقال إنه لا يمكن تشخيص المنكر في هذه الواقعة الشخصية إلا بعد القضاء والحكم فكيف نحكم بوجوب القضاء من باب النهي عن المنكر قبل تحقق القضاء والحكم .
 
 هذا .. وقد استشكل في المقام في منح القضاء صفة الوجوب ودعوى أن القضاء واجب من جهة أن القضاء منصب من المناصب بناءً على ما تقدّم من تعريفه بالولاية فذكر الشيخ صاحب الجواهر (قده) أنه لا معنى لتعلّق الوجوب بالمنصب بل الوجوب إنما يتعلّق بأفعال المكلّفين فوَسْم القضاء بالوجوب لا يخلو عن تسامح ولذا ذهب إلى أن مقصود الفقهاء بكون القضاء واجباً - مع بنائه على كون المراد به الولاية والمنصب - هو السعي لتحصيل ولاية القضاء فيكون حاله حال غسل الميت أو الصلاة عليه حيث إنهما واجبان كفائيان بلا إشكال لكن لمّا كان كلّ منهما مشروط بالإذن من الولي فبطبيعة الحال يكون هناك وجوب لتحصيل الإذن منه على نحو الكفاية ، والقضاء من هذا القبيل فإنه لمّا كان يتوقف على إذن الإمام (عليه السلام) فالمقصود بوجوب القضاء إذاً هو السعي لتحصيل الشرط الذي يتوقف عليه هذا المنصب .
 هذا .. ومن الواضح أن الإشكال المتقدّم وهذا التوجيه ناشئ من البناء على تفسير القضاء بكونه منصباً وولاية ، وأما إذا قلنا إن القضاء عبارة عن نفس الفعل وهو فصل الخصومة فحينئذ لا محذور إطلاقاً في أن يتعلّق به الوجوب فيكون هذا هو الواجب كفاية .. وقد تقدّم أن الأقرب والأنسب بالمقصود من القضاء هو هذا المعنى والأدلة المتقدمة تشير إلى ذلك فإن حفظ النظام يتوقّف على ممارسة فصل الخصومات خارجاً وهكذا الردع عن المنكر والمنع من الظلم وأمثال ذلك بل حتى الأدلة الأخرى في المقام التي نشير إليها الآن كبعض الروايات التي استُدل بها على وجوب القضاء كمرسل ابن أبي عمير عن جماعة من أصحابنا عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : " قال : ما قُدِّست أمةٌ لم يُؤخَذ لضعيفها من قويّها بحقه غير متعتع " [1] وكالنبوي المروي من طرق العامة : " إن الله لا يُقدّس أمة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقّه من القوي " [2] فإن التعبير بـ(يؤخذ) و(يأخذ) يشير إلى ممارسة الفعل وهو في محل الكلام فصل الخصومة فالأدلة إذاً تساعد على أن المقصود بالقضاء هو هذا المعنى فلا مشكلة في اتّصاف القضاء حينئذ بالوجوب .
 (مسألة 2) : هل يجوز أخذ الأجرة على القضاء من المتخاصمين أو غيرهما ؟ فيه إشكال ، والأظهر الجواز (1)
 وبناءً على ما تقدّم نستطيع أن نقول إن الوجوب يتعلق بالقضاء بما هو فعل وعمل يصدر من القاضي وهذا هو الذي يكون واجباً على نحو الكفاية .
 نعم .. لأجل تتميم كلام الشيخ صاحب الجواهر (قده) نقول إن هذا العمل الخارجي المسمّى بالقضاء مشروط بشروط منها الاجتهاد ومنها إذن الإمام (عليه السلام) وحينئذ ما نقوله في غسل الميت من لزوم تحصيل إذن الولي على نحو الكفاية نقوله في باب القضاء كما يقول الشيخ صاحب الجواهر (قده) ولكن مع المحافظة على كون المراد بالقضاء هو الفعل الذي يتوقف على جملة من الشروط يجب تحصيلها على نحو الكفاية منها الاجتهاد ومنها إذن الإمام (عليه السلام) كما تقدّم - غاية الأمر أن بعضها واجب كفائي مقدّمةً للقضاء على نحو الوجوب الغيري بينما القضاء هو الواجب الكفائي النفسي .
 (1) يقع الكلام في هذه المسألة حول المال الذي يصل إلى القاضي وينبغي عقده في مقامات أربعة:
 الأول : في جواز ارتزاق القاضي من بيت المال وما هي شروطه بعد فرض جوازه .
 الثاني : في جواز أخذ القاضي الأجرة على القضاء من المتخاصمين أو من غيرهما .
 الثالث : في جواز أخذ الرشوة على القضاء .
 الرابع : في جواز أخذ الهدية والهبة عليه .
 أما بالنسبة إلى المقام الأول أعني جواز ارتزاق القاضي من بيت المال فنشير أولاً إلى أن هناك خلافاً في تفسير المراد ببيت المال ففي بعض الإطلاقات هو المكان الذي تجتمع فيه جميع الأموال والحقوق شبيهاً بخزينة الدولة فهو يشمل الأموال المشتركة بين جميع المسلمين من قبيل الجزية وخراج الأراضي والأرض المفتوحة عنوة وسهم سبيل الله من الزكاة والموقوف في وجوه البرّ ، وهكذا الموصى به في طريـق البـرّ ، وكذلك الأموال المختصة من قبيل سهم المساكين من الزكاة أو الخمـس
 
 المتعلّق بالسادة ، وفي قبال هذا ما يُفهم منه أن بيت المال هو المكان الذي تُجمَع فيه خصوص الأموال المشتركة بين جميع المسلمين .
 والظاهر عدم تأثير هذا الخلاف في محلّ الكلام [3] لأن من يقول بجواز ارتزاق القاضي من بيت المال يُخصِّص ذلك بالأموال المشتركة فحينئذ لا ثمرة عملية بين القولين في المقام .
 وعلى كل حال فالمراد بالارتزاق من بيت المال ما يأخذه القاضي ونحوه باعتباره قائماً بمصلحة من مصالح المسلمين لا بنحو العوضية عن القضاء ويُدفع إليه هذا المال ما دام شاغلاً لهذا المنصب ولا يُشترط في ذلك ممارسته للقضاء عملاً إذ الارتزاق ليس أجرة تُعطى له لتكون مشروطة بممارسة العمل المستأجر عليه فيقع الكلام في جواز هذا الارتزاق وعدمه وما هي الشرائط المعتبرة فيه على فرض الجواز فنقول :
 اختلف الفقهاء في ذلك والقدر المتيقَّن من الجواز من كلماتهم هو ما إذا كان القاضي فقيراً وما إذا لم يكن القضاء واجباً عليه تعييناً فلو تعيّن القضاء عليه أو كان غنياً دخل في محل الخلاف فذهب بعضهم إلى عدم جواز ارتزاقه من بيت المال في ما إذا كان غنياً واستدلّ عليه في الجواهر بدليلين :
 الأول : كونه واجباً عليه وإن فُرض كونه غير متعيّن عليه فإنه لا مسوّغ للمطالبة بالمال في مقابل ما هو الواجب .
 الثاني : أن بيت المال مُعدّ للفقراء لا للأغنياء فلا سبيل للقاضي إذا كان غنيّاً أن يأخذ منه .


[1] الكافي مج5 ص56 ، وقوله (غير متعتع) يعني : من غير أن يصيبه أذى يقلقله ويزعجه (مجمع البحرين مج1 ص292) .
[2] عوالي اللئالي مج3 ص515 .
[3] أي في المراد ببيت المال .