37/05/21


تحمیل
الموضوع:- تقسيمات الواجب - مقدمة الواجب.
الاحتمال الثاني:- أن نقول:- إنّ تلك الفعلية ليست منجعلة بذلك الجعل السابق وإنما الجعل السابق هو سبب لتحقق تلك الفعلية المتأخرة.
ونحن نساعد السيد الشهيد فنقول:- والسبب ربما يتقدّم على المسبّب، نظير من يأكل أكلةً معينةً وتؤثر فيه بعد فترة طويلة، فيمكن أن نتصوّر أننا نحتاج إلى شروط وظروف معينة حتى يتم تأثير السبب آنذاك.
وهنا أيضاً ندّعي هكذا فنقول:- إنّ ذلك الجعل ليس جعلاً للفعليّة المتأخرة حتى تقول كيف انفك الجعل عن المجعول أو المنجعَل، وإنما ذلك الجعل هو سببٌ لتلك الفعلية المتأخرة والسبب قد يتقدم ولا محذور في ذلك.
فإذا كان هذا هو المقصود فنقول:- ما المقصود من كونه سبباً ؟
فهل المقصود أنه حينما يتحقق الموضوع ويصير المكلّف مستطيعاً مثلاً يعني أنّه يحدث شيء في عالم الخارج ؟ فإذا كان هذا هو المقصود فهذا باطل جزماً لأنه لا يحدث شيء في الخارج عند تحقق الشرط، فنحن لا نشعر أبداً بحصول شيءٍ في الخارج عند تحقق الموضوع وتحقق الفعلية، وعالم الوجود والخارج لا يتأثر ولا يتغير، فسواء استطعت أم لم تستطع فعالم الوجود يبقى على حالة ولا يحدث فيه شيء، فإذن هذا الاحتمال باطل.
أو المقصود هو أن نقول:- إنّ الجعل يكون سبباً لحدوث الفعلية عند تحقق الشرط لا بمعنى أنه يحدث شيء في الخارج وإنما يصير سبباً لتحقّق شيءٍ في نفس الجاعل، فالجاعل - وهو أنا وأنت - سوف يحث في قلبنا شيئاً، فنشعر بأنّ اعتباراً أو غيره سوف يحدث في القلب.
وإذا كان هذا هو المقصود فهو باطل جزماً، فإنه عند تحقق الشرط لا نشعر بحدوث شيءٍ في نفسنا، بل لعلّ الجاعل في الفترة التي تحقق فيها الشرط ربما يكون نائماً - أي غير ملتفت - حتى يشعر بحدوث تحقّق شيءٍ في قلبه، وعلى هذا الأساس لا يمكن أن نقول إنه بتحقق الموضوع خارجاً تحدث فعلية فإنَّ هذا ليس له معنى.
إذن الفكرة التي أفادها الشيخ النائيني(قده) - وهي أنّ الحكم ينحلّ إلى جعل وفعلية وأن الفعلية تحدث بتحقق الموضوع - باطلة ومرفوضة لأنّه لا يخلو من أحد احتمالات ثلاثة وكلّها باطلة.
والصحيح إذن هو أنّ الفعلية تحدث من حين الجعل غايته بلا فاعلية، والفاعلية تتحقق حين تحقّق الموضوع خارجاً.
ثم استدرك السيد الشهيد(قده) وقال:- نعم إذا أردتُ أن أقبل بفكرة الفعلية فأنا أقبل بالفعلية الوهمية التصوّرية، بمعنى أنّ الجاعل حينما يجعل وجوب الحج على المستطيع يتوهم أو يتصور أنه قد قذف بالفعلية ند تحقق الموضوع خارجاً، وبناءً على هذا عند تحقق الموضوع خارجاً تتحقق الفعلية لكنها فعلية توهّمية تصوّرية لا أكثر منه.
وفيه:-
أوّلاً:- بإمكاننا أن نختار الاحتمال الأوّل - وأن الفعلية تتحقق بنفس ذلك الجعل المتحقّق قبل ألف سنة مثلاً -، وهو(قده) قال كيف ينفكّ المجعول عن الجعل فإنه لا يمكن ذلك وهو مستحيل كاستحالة انفكاك الانكسار عن الكسر، والجواب:- نحن نقول إنّ هذا وجيهاً في الأمور الخارجية الحقيقة فهنا لا يمكن ذلك، فلا يمكن تقدّم الجعل وتأخر المنجعل، وأما في القضايا الاعتبارية فهذا لا محذور فيه، بل هو واقعٌ، كمسألة الوصية، فالشخص يوصي أولاده من الآن أن يدفعوا من ثلثه كذا مقدار من المال لفلان، أو يقول ( كذا مقدار من المال هو لفلان )[1] فهذه وصية عهدية من دون حاجة إلى سبب، فالسبب حينئذٍ لحصول الملكية المتأخرة ليس إلا تلك الوصية المتقدّمة، فالوصية المتقدّمة بها تتحقق تلك الملكية المتأخرة وهذا لا شيء فيه.
وكذلك في مسألة تدبير العبد، فأيضاً هو يدبرّه بعد حياته فيقول ( هو حرّ دبر وفاتي )، فحينئذٍ هو يتحرر بهذا الايقاع القبلي في زمان الحياة، وهكذا أمور أخرى من هذا القبيل.
وموردنا أيضاً فيلكن من هذا القبيل، يعني أنّ الفعلية تتحقق بذلك الأمر المتقدّم بعد الالتفات إلى أنّ الفعلية لا نقصد بها أنه شيء خارجي يحدث خارجاً، أو أنّه يحصل شيء في نفس المعتبر، وإنما هي مجرد اعتبار، ويرى العقلاء عند تحقق الموضوع أنّ هذا الاعتبار صار له نحو من الفعلية بحيث يقولون له هكذا ( يا فلان صار الحج عليك واجباً هذه السنة )، فهم يرون أن له نحو من الفعلية، ويرون له نحواً من الآثار كالعقوبة إذا خالف والثواب إذا وافق، وأمور أخرى إذا تحققت، وهذا في الحقيقة أمرٌ عقلائيّ وجيهٌ.
وفي المجالس التشريعية الآن أيضاً كذلك، فمجلس النواب حينما يشرّع قانوناً ويقول ( كلّ من بلغ السن الفلاني يلزمه أن يخدم الوطن ) فقبل أن يبلغ السنّ القانوني المعين هذا مجرد تشريع، ولكن حينما يبلغ الشخص السن القانوني فالناس أو أهل المجلس التشريعي يرون لهذا التشريع نحواً من الفعلية، وهذا اعتبار عقلائي يرى العقلاء له نحواً من الفعلية.
وفي مقامنا أيضاً نقول كذلك، وما المانع من الالتزام بذلك ؟! فالجعل يكون متقدّماً والمنجعَل يكون متأخراً.
ولنا أن نختار الاحتمال الثاني أيضاً:- يعني نقول هو سبب لحدوث الفعلية، وهو (قده) قال إذا كان سبباً فهل يحدث في الخارج أو في نفس المولى شيء فإنه قد يكون نائماً ؟!! ونحن نقول له:- كلا، بل لا يوجد شيء، ولكن يوجد شيء ثالث وهو أن العقلاء لو التفتوا إلى أنه قد تحقق الموضوع فإنهم يرون لهذا الاعتبار نحواً من الفعلية ولذلك يضيفون إليه التكليف يقولون ( الآن لزمك كذا ) وهذا معناه أنهم يرون أنّ هذا الاعتبار له فعليّة قد تحققت الآن.


[1] وهذه هي اليت يسمونها الوصية العادية وليست التمليكية، إذ الوصية وصيتان وصية تمليكية يعني ادفعوا وملكوا، ووصية عهدية بأن يعهد إليهم بأن يعطوا هذا المبلغ لفلان فهذه وصية عهدية.