37/06/26


تحمیل

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

 

كان الكلام في الوجه الأخير الذي نقلناه عن بعض الأعلام، هذا الوجه على تقدير تماميته يسلم من المحذور السابق؛ لأنّ لا ضرر حينئذٍ تكون مختصة بنفي الضرر المادي؛ وحينئذٍ نفي الضرر بغير ذلك يكون بلا ضرار، فلا يلزم الاستهجان ولا التكرار ولا أي محذور آخر مما تقدّم، لكنّ تمامية هذا الوجه محل تأمّل وإشكال، وذلك من جهتين:

الجهة الأولى: يظهر أنّ هذا الكلام ليس تامّاً في جميع الموارد، قد يكون تامّاً في ما ذكره من الأمثلة، لكنّه ليس تامّاً في جميع الموارد، حيث يدّعي بأنّ الضرر مختص بالضرر المالي، وأنّ الضرار يختص بغير ذلك، بينما نجد أنّ الضرار ومشتقاته في باب المفاعلة استُعمل في الضرر المالي في بعض الأحيان كقوله تعالى: ﴿من بعد وصيةٍ يوصي بها أو دينٍ غير مضارٍ﴾.[1] وفُسّر بأنّ المقصود بذلك هو الذي يستدينه هذا الشخص لكي يضر بالورثة، وهذا نقص مالي يلحق الورثة، فهو مضار بالورثة لكي يُلحق بهم نقصاً مالياً، فاستعمل الضرار هنا في النقص المالي، وهو قد تنبّه إلى ذلك وذكر أنّ هذا يخرج عن القاعدة التي يريد تأسيسها.

ومن جهة أخرى الضرر غير مختص بالضرر المادّي، فقد يستعمل الضرر ومشتقاته في غير الضرر المادي، لعله في بعض الأحيان يُستعمل في مطلق الضرر الأعم من المادي وغيره ولا داعي لتخصيصه بخصوص الضرر المادي، ولعل منه قوله تعالى: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً إلاّ ما شاء الله﴾.[2] وهذا المعنى متكرر في كثير من الآيات الشريفة، فلا داعي لتخصيص الضر هنا بخصوص الضرر المادي، كما هو الحال في النفع المقابل له، فالنفع أيضاً لا داعي لتخصيصه بالنفع المادي، فيشمل كلاً منهما، والضرر أيضاً يشمل كلاً منهما، ومنه قوله تعالى: ﴿إنّهم لن يضّروا الله شيئاً﴾.[3] هذا المعنى أيضاً متكرر في كثير من الآيات الشريفة. الظاهر أنّ الضرر المنفي عنه (سبحانه وتعالى) هو ليس من سنخ الضرر المادي، ولابدّ أن يكون المقصود به هو الإضرار بالشريعة التي شرعها، أو بالمرسل الذي أرسله...ونحو ذلك من الأضرار. وكذلك قوله تعالى: ﴿لن يضروكم إلاّ أذى، وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار﴾.[4] والظاهر أنّ المقصود به هنا هو غير الضرر المادي. وهكذا قوله تعالى:﴿عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم﴾.[5] الظاهر أنّ الآية تتحدّث عن الهداية، والضلال في قِبال الهداية، فالضرر يكون مناسباً لذلك، ولا يُقصد به الضرر المادّي.

على كل حال يبدو أنّ ما ذكره ليس ثابتاً في جميع الموارد، فلا نستطيع أن نقول كقاعدة عامّة أنّ الضرر يُستعمل في الضرر المادي، والضرار تُستعمل في غير الضرر المادي.

من جهةٍ أخرى: أنّ ما ذكره لا يدفع المحذور المتقدّم، وإن قلنا لأول وهلة يمكن دفع المحذور بما ذكره، لكن الظاهر أنّه لا يدفع المحذور وذلك لأنّ دفع المحذور موقوف على دعوى اختلاف معنى الضرر ومعنى الضرار، بأن يكون معنى الضرر هو النقص المادي، ومعنى الضرار هو النقص غير المادّي؛ حينئذٍ يندفع المحذور؛ لأنّ ما يُنفى بلا ضرر غير ما يُنفى بلا ضرار، فتبقى لا ضرار لها موارد تختص بها ولا يُنفى الضرر فيها إلاّ بلا ضرار ولا ينفع نفيه بلا ضرر، فلابدّ من افتراض اختلاف المعنى في الضرر وفي الضرار، القائل بهذا المعنى لم يدّعِ اختلاف المعنى الذي يتوقف عليه دفع المحذور، وإنّما ما إدّعاه هو شيوع الاستعمال، أنّ الضرر شاع استعمالها في الضرر المادي، وشاع استعمال الضرار في غير الضرر المادي، فهو لم يدّعِ أكثر من شيوع الاستعمال لا أنّ المعنى مختلف. يُضاف إلى ذلك لأنّ ما ذكره من الموارد والأمثلة لا يثبت اختلاف المعنى، وإنّما غاية ما يثبته أنّ الضرر استعمل في الضرر المادي كثيراً، وأنّ الضرار استعمل في الضرر غير المادي كثيراً إذا سلّمنا الكثرة، ولا يثبت أنّ النقص المادي صار معنىً للضرر، وأنّ الضرر غير المادي صار معنىً للضرار، وقد تقدّم سابقاً أنّ الأقرب في تفسير مادة (الضرر) هو مطلق النقص الأعم من النقص المادي والنقص الغير مادي. غاية الأمر أنّ هذا النقص قُيّد بأن يكون موجباً ومستتبعاً لنوع من الحرج والضيق والشدّة، إذا كان يوجب هذا المقدار يُطلق عليه ضرر في قِبال النقص الذي لا يؤثر بالإنسان شيئاً ولا يوجب له نوع من الضيق والحرج كما لو أنّ الثري يذهب منه مقدار دينار ـــــ مثلاً ـــــ هذا نقص، لكنه لا يوجب الضيق؛ لذا لا يصدق عليه الضرر، فإذا قيدنا الضرر بهذا القيد؛ حينئذٍ يكون معنى مادة (الضرر) هو النقص الذي يوجب ويسبب نوعاً من الضيق والحرج للشخص.

فإذن: معنى المادة واحد وهو مطلق النقص، سواء كان مادياً، أو غير مادي، وهذا المعنى الواحد الذي تدل عليه مادة (ضرر) كما هو واضح لا يتعدد بتعدد الهيئة، فإذا فرضنا أنّه كان هناك تعدد في المعنى حتى يندفع المحذور، فلابدّ أن يكون التعدد في المعنى ناشئاً من الهيئة لا أن يكون ناشئاً من المادة، فالمادة واحدة كما أسلفنا في الضرر وفي الضرار، وكل المحاولات السابقة أيضاً لم تكن تدّعي أنّ اختلاف المعنى ينشأ من المادة، وإنما ينشأ من الهيئة، فيقال: أنّ هيئة الضرار على الضرر المقصود المتعمد، أو هيئة الضرار تدل على الضرر الشديد، أو هيئة الضرار تدل على النسبة المستتبعة لنسبةٍ أخرى، هذه كلّها استفادات من الهيئة لا من نفس المادة، وإلاّ المادة واحدة في كلٍ منها، فلو كان المعنى متعدداً حتى يندفع المحذور السابق، فلابدّ أن يدّعى أنّ هذا مستفاد من الهيئة بأن يقال: أنّ هيئة (الضرر) تدلّ على الضرر المالي، يعني الضرر المقيّد بكونه مادياً، بينما هيئة (الضرار) تدل على الضرر المقيّد بكونه معنوياً، أو غير مادي، استفادة هذا من الهيئة كما ترى، يعني لا يمكن أن نستفيد من الهيئة أنّ الضرر مادي في الضرر، وأنّ الضرر غير مادي في الضرار، فإذن: كلامه ومدّعاه تارة يقول أنّ هذا مجرّد استعمال والمعنى واحد وغير متعدد لا بلحاظ المادة ولا بلحاظ الهيئة، هذا لا يندفع به المحذور، فحتى لو فرضنا أنّ الضرر استُعمل في الضرر المادي، لكن هذا لا يعني أنّ الضرر في موارد الضرار لا يرتفع بلا ضرر. وتارةً أخرى يدّعي أنّ المعنى متعدد، الضرار تدل على معنى غير ما تدل عليه الضرر حتى يندفع المحذور، لكن إثبات تعدد المعنى بهذا الشكل من المادة غير صحيح، فأنّ معنى المادة واحد وليس متعدداً، وأيضاً لا يمكن إثباته من الهيئة.

إذن: بالنتيجة لا يندفع المحذور بناءً على ما ذُكر في الوجه السابق.

قد يقال: نحن نعلم أنّ كثرة الاستعمال في بعض الأحيان قد توجب وضعاً جديداً تعيّنياً، وتوجب نشوء علاقة خاصة في طول العلاقة بين اللّفظ ومعناه، توجب نشوء علاقة خاصة بين نفس اللّفظ وبين معنىً آخر، أو حصّة من حصص المعنى الموضوع له اللّفظ، في بعض الأحيان قد يكون اللّفظ موضوعاً للطبيعة، لكن يُستعمل كثيراً في بعض حصص الطبيعة، كثرة الاستعمال في بعض حصص الطبيعة قد توجب تحقق علاقة لغوية دلالية بين اللفظ الموضوع للطبيعة وبينه وبين تلك الحصة التي كثر استعمال اللفظ فيها، بحيث يكون له ظهور في هذه الحصّة وفي بعض الأحيان يكون موضوعاً لهذه الحصة بالوضع التعيّني، وفي بعض الأحيان أكثر من هذا كما قالوا قد يُهجر المعنى الأول وينعقد له ظهور في المعنى الجديد وهي الحصة.

في المقام قد يكون مقصوده أنّ كثرة استعمال كلمة (الضرر) في الضرر المادي الذي هو حصّة من مطلق الضرر، أوجب نشوء هذه العلاقة، فكأنه صار ظاهراً في الضرر المادي ومختصّاً به، وهكذا يقال في باب (الضرار) أنّ كثرة استعمال الضرار في الضرر غير المادي أوجب حصول هذه العلاقة بينه وبين الضرر غير المادي. النتيجة هي أنّ كلاً منهما يكون له ظهور في معنىً غير ما يكون الآخر ظاهراً فيه؛ وحينئذٍ يندفع المحذور؛ لأنّ لا ضرر بحسب هذا الظهور الجديد يختص بالضرر المادي، فهو إنما ينفي الضرر المادي وما كان من سنخه، وأمّا الضرر غير المادي، فهذا لا يُنفى بلا ضرر، وإنّما لابدّ من نفيه بلا ضرار، فيندفع المحذور. قد يُدّعى هذا.

لكن ليس واضحاً بلوغ الاستعمال إلى درجة بحيث يصل إلى مرحلة الوضع التعيّني ومرحلة نشوء علاقة لغوية ودلالية بين اللّفظ وبين خصوص تلك الحصّة، كثرة الاستعمال لم يبلغ إلى هذه الدرجة، خصوصاً ما ذكرنا من أنّ الضرر استُعمل في الضرر غير المادي والضرار أيضاً استُعمل في الضرر المادي، فإذن: كثرة استعمال الضرر في الضرر المادي لا تبلغ إلى درجة بحيث تحقق الوضع التعيّني، لم تبلغ كثرة الاستعمال تلك الدرجة من الشيوع والكثرة بحيث يكون ظاهراً في الحصّة الخاصّة من الضرر، وبالتالي يندفع المحذور السابق.

الذي يتلخص من جميع ما ذكرناه ـــــ كلامنا في ما هو مدلول الهيئة ـــــ أنّ كل الوجوه المتقدّمة التي قيلت لتفسير كلمة(الضرار) وما هو معنى هيئة(الضرار) والمفاعلة، الظاهر أننا لا نريد أن ننفي صحتها، وإنما نريد أن نقول أنه يلزم عليها هذا المحذور، لا مانع من اختيار أحد هذه الوجوه في تفسير هيئة(الضرار) ولا مشكلة في هذا، وإنّما المشكلة في حديث لا ضرر ولا ضرار، أنّ ظاهر الحديث هو التأسيس وعدم التكرار وعدم التأكيد، وإنما يؤسس لقاعدتين، قاعدة تُسمّى لا ضرر، وقاعدة تُسمّى لا ضرار، وهذا يستلزم أن يكون المنفي بأحدهما غير الضرر المنفي بالآخر، بمعنى أنّه لا معنى لأن نفترض أنّ الضرر يمكن نفيه بإحدى القاعدتين، إذا كان الضرر مطلقاً يمكن نفيه بلا ضرر، إّن: لا ضرار تبقى بلا مورد. هذا هو الإشكال. وهذا لا ينافي أنّ نختار أنّ معنى الضرر غير معنى الضرار بأحد الوجوه المتقدّمة، ولنقل أنّ الضرر هو ذات الضرر، والضرار هو نفس الضرر مع تقصّده وتعمّده، لكن بالنتيجة يرِد عليه محذور أنّ الضرر سواء كان مع تقصّد أو بدون تقصّد، وسواء كان مع التكرار أو بدون تكرار، وسواء كان فعل الأثنين، أو ليس فعل الأثنين، هذا الضرر يمكن نفيه بلا ضرر، الضرر الذي يصدر من هذا ننفيه بلا ضرر، والضرر الذي يصدر من ذاك أيضاً ننفيه بلا ضرر، فإذن: لا يبقى لنا مورد خاص يُنفى الضرر فيه بلا ضرار. هذه هي المشكلة، وهي غير مسألة ماذا نختار في تفسير الضرار، قد نختار أحد الوجوه السابقة، وأقربها هو الوجه الذي يقول بأنّه يدل على التكرار والاستمرار. على كل حال هذا غير الإشكال الذي طُرح في المقام، هذا الإشكال لابدّ من حله، هل هناك موردٌ لا يمكن نفي الضرر فيه بلا ضرر ؟ وإنما ينفى الضرر فيه بلا ضرار ؟ يبدو أنّ كل التفاسير السابقة للضرار يرد عليها هذا الإشكال ولعلّه نضطر إلى الالتزام بأنّ هذا الكلام يُحمل على أنه نوع من التأكيد لا بمعنى أنّه لا فرق بينهما بلحاظ المعنى، المعنى متعدد، والضرر غير الضرار، ولنفترض أنّ الضرر هو الضرر مع عدم التعمّد والتقصّد والضرار هو ضرر مع تعمّده وتقصّده، وإنّما السؤال هو: لماذا أسس قاعدة تُسمّى بلا ضرار والحال أنّه في موارد تعمّد الضرر وتقصّده يمكن نفي الضرر فيه بلا ضرر ؟ إذن: لماذا قال: لا ضرر ولا ضرار ؟ ليكن هذا من باب التأكيد، ويمكن فرض، ولو بصعوبة، من قبيل أن يقال: (لا يمين ولا حلف إلاّ بالله)، قد تكون هناك فوارق جزئية بين اليمين وبين الحلف، أو يقول: (لا طلاق ولا فراق إلاّ في طهرٍ لم يواقعها فيه) ممكن افتراض حمله على نوع من التأكيد؛ وحينئذٍ تنتهي المشكلة.

وإلى هنا ينتهي البحث عن مدلول الضرر كهيئة إفرادية بعد ذلك ندخل في بحث مدلول الهيئة التركيبية .