37/05/29


تحمیل

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

 

ذكرنا كيفية الاستدلال على حجية الظهور بسيرة المتشرعة، وقلنا أيضاً يُستدل على حجية الظهور بالسيرة العقلائية، ولا إشكال في أنّ العقلاء يعملون بالظهور في محاوراتهم وفي مقام فهم معاني الألفاظ لا يتقيدون بخصوص الصراحة والتنصيص وأمثالها، وإنّما يبنون على الظهور ولا يتقيدون بما هو كالصريح أو كالنص، وهذا يثبت في سيرة العقلاء في مجال الأغراض التكوينية وأيضاً يثبت في مجال الأغراض التشريعية لهم، يعني في مجال المولويات العرفية فيما بينهم، بمعنى أنّهم يرون أنّ الظهور حجّة للآمر على المأمور وللمأمور على الآمر. في مجال التنجيز والتعذير عمل العقلاء بالظهور قائم على أساس الحجية التعبدية والظن النوعي وليس على أساس حصول الظن والاطمئنان، وهذا واضح جداً من خلال مراجعة سيرة العقلاء عندما يعملون بالظواهر هم يرون أنّ الظهور حجّة وأنّ ظاهر كلام المولى حجّة على العبد، ويكون معذراً للعبد، فالتنجيز والتعذير يترتب على ظاهر الكلام، فيكون حجّة لا من باب إفادته الاطمئنان؛ ولذا يلومون العبد عندما يخالف ظاهر الكلام ويحتج على ذلك بعدم حصول الظن بالوفاق لديه، أو حصل عنده الظن بالخلاف؛ لأنّهم يرون أنّ الظهور حجّة في مقام إفادة المقاصد وفهم المعاني، ويشهد لذلك ما تقدّم في سيرة المتشرعة؛ لأننا قلنا أنّ سيرة المتشرعة التي أثبتناها سابقاً هي ثابتة بنكات عقلائية؛ ولذا قلنا أنّها عمل للمتشرعة، لكن بما هم عقلاء، والتي قلنا أنّها تسمّى بسيرة المتشرعة بالمعنى الأعم، فهو عمل وسيرة من قِبل المتشرعة، لكن بما هم عقلاء. هذا أيضاً يدل أنّ هناك نكات عقلائية تقتضي البناء على حجية الظواهر، وأنّ الظهور حجّة تعبداً. ومن هنا يظهر أنّ الدليل على حجية أصالة الظهور يدل على حجية الظهور بملاك الظن النوعي.

بعد ذلك يقع الكلام في ما نحن فيه بالنسبة إلى اصالة عدم الزيادة التي هي محل كلامنا فعلاً، اصالة عدم الزيادة يقع الكلام في أصل قيام السيرة على العمل بأصالة عدم الزيادة، هل قامت السيرة على العمل بأصالة عدم الزيادة ؟ كما قامت عندهم بلا إشكال على العمل بأصالة العموم وأصالة الحقيقة وأصالة عدم التقدير وغيرها من الأصول اللّفظية. الجواب هو أنّه إذا كان المدعى هو قيام سيرة على العمل بأصالة عدم الزيادة بشكلٍ مستقلٍ عن سائر الأصول اللفظية من دون إدخالها في أصالة الظهور، فهذا غير صحيح، وذلك باعتبار أنّ هذا الأصل يرتبط بتحديد معنى الكلام والرواية، وبالتالي يراد به تحديد مراد المتكلم بهذه الألفاظ كما هو الحال في الأصول اللّفظية، يعني يُحدد ما هو المراد من هذه الألفاظ على ضوء هذه الأصول اللفظية، هذا هو المقصود بأصالة عدم الزيادة، لو تمت وأثبتنا قيام السيرة عليها، فهي تحدد معاني الألفاظ الواردة في الرواية، وبالتالي ما هو مراد المتكلم من هذا الكلام، فيقال أنّه يريد المعنى الكذائي لأصالة عدم الزيادة، كما نقول يريد المعنى الكذائي لأصالة العموم أو أصالة الحقيقة وأمثال هذه الأصول اللفظية، فعلى تقدير وجود هذه السيرة على العمل بأصالة عدم الزيادة لابدّ أن يكون هذا داخلاً في باب الظهور، وصغرى لكبرى حجية الظهور.

وأمّا إذا إدُعي أنّ هناك سيرة على العمل بأصالة عدم الزيادة من باب الظهور وليس بشكلٍ مستقلٍ عنه، كما هو الحال في سائر الأصول اللفظية الأخرى. تمامية هذه الدعوى تكون موقوفة على إثبات أنّ أصالة عدم الزيادة من باب الظهور حتى تتم دعوى قيام السيرة على العمل بها، كما قامت السيرة بلا إشكال بالأصول اللفظية الأخرى؛ لأنّها تدخل في باب الظهور، كلّها صغريات لكبرى الظهور. دعوى قيام السيرة على أصالة عدم الزيادة من باب الظهور يتوقف على أن نقول أنّ أصالة عدم الزيادة هي من باب الظهور بحيث هي تشكل ظهوراً للكلام، والكلام يكون ظاهراً في عدم الزيادة كما هو الحال في أصالة العموم أو أصالة الحقيقة وأمثال هذه الأصول اللفظية، بمعنى أنّ الكلام يكون ظاهراً في العموم في قبال التخصيص وظاهراً في الحقيقة في قبال التجوّز، وهكذا في سائر الموارد الأخرى من الأصول اللفظية. هل تدخل أصالة عدم الزيادة في باب الظهور ؟ وهل هي صغرى من صغريات الظهور أو لا ؟ إذا كانت صغرى من صغريات الظهور؛ فحينئذٍ نسلّم انعقاد السيرة على العمل بها. أمّا إذا ناقشنا في هذا وقلنا أنّها ليست صغرى من صغريات الظهور، فدعوى قيام سيرة على العمل بها من باب الظهور لا تكون تامّة حينئذٍ. ومن هنا يتضح أنّ المهم في هذا البحث هو أننا نبحث في موارد دوران الأمر بين الزيادة والنقيصة ـــــ الذي هو محل الكلام فعلاً ـــــ هل للكلام ظهور في وجود الزيادة حتى ندخله في باب الظهور، أو ليس له ظهور في ذلك ؟

الجواب عن هذا السؤال هو: لا ينبغي الإشكال في أنّ الرواية المشتملة على الزيادة لها ظهور في وجود الزيادة كما هو الحال بالنسبة إلى سائر فقرات الرواية، كما أنّ الرواية لها ظهور في وجود سائر الفقرات في الكلام المحكي، كذلك لها ظهور في وجود هذه الفقرة التي نعبّر عنها بالزيادة. إذاً: الرواية المشتملة على الزيادة لا إشكال في أنّ لها ظهور في وجود الزيادة في الكلام المحكي، كما لا ينبغي الإشكال في أنّ هذا الظهور حجة، لكن هل يكفي هذا وحده ؟ يعني مجرّد أنّ الرواية المشتملة على الزيادة ظاهرة في وجود الزيادة وهذا الظهور حجّة، هل يكفينا في البناء على أصالة عدم الزيادة ؟ طبعاً لا يكفي؛ لأنّ هذا الظهور معارض بظهور آخر في الرواية غير المشتملة على الزيادة، الرواية غير المشتملة على الزيادة ــــــ بحسب الفرض ــــــ لها ظهور في نفي الزيادة، أصلاً نحن لم ندخل في هذا البحث إلاّ بعد أن افترضنا وجود تهافت بين الروايتين، رواية تثبت الزيادة ورواية تنفيها. إذاً: الرواية غير المشتملة على الزيادة لها ظهور في نفي الزيادة وأيضاً نقول أنّ هذا الظهور حجّة كسائر الظهورات الأخرى؛ ولأجل ذلك وقع التعارض بين الروايتين.

إذاً: مجرّد ظهور الرواية الأولى في وجود الزيادة لا ينفعنا في إثبات الزيادة والبناء على أصالة عدم الزيادة؛ لأنّ هذا الظهور له معارض. كلامنا في تقديم أصالة عدم الزيادة الذي ينتج وجود الزيادة والعمل بالرواية المشتملة على الزيادة والأخذ بظهورها في وجود الزيادة على أصالة عدم النقيصة الذي ينتج عدم العمل بالظهور في الرواية الثانية في نفي الزيادة، يعني في تقديم الظهور الموجود في الرواية الأولى على الظهور الموجود في الرواية الثانية، هل نستطيع أن نقدم ظهور الرواية الأولى في وجود الزيادة على ظهور الرواية الثانية في نفي الزيادة ؟ ما هو الدليل على هذا التقديم ؟ وليس كلامنا في أصل دلالة أحدى الروايتين على وجود الزيادة، هذا بلا إشكال مسلّم ويدخل في باب الظهور ويكون حجّة. هل يكون هذا التقديم من باب الظهور ؟ وهل نستطيع إدخاله في أصالة الظهور ونقول هذا ظهور، والظهور حجّة ؟

لأول وهلة قد يقال: لا نستطيع ذلك؛ لأنّه لا الرواية الأولى ظاهرة في التقديم ولا الرواية الثانية كذلك، نعم، الرواية الأولى فيها ظهور في وجود الزيادة، لكن ليس لها ظهور عرفي واضح في تقديم ظهورها في وجود الزيادة على ظهور الرواية الثانية في نفي الزيادة. إذاً: كل واحدة من الروايتين ليس لها ظهور في التقديم، فكيف ندّعي أنّ الكلام ظاهر في التقديم ؟!

قد يقال: أنّ هذا الظهور يكون لمجموع الكلامين، يعني لمجموع الروايتين، وتخريجه يكون بالوجه الأول من الوجوه الثلاثة المتقدّمة لتقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة، والذي هو أنّ لدينا روايتان، الرواية الأولى صريحة في إثبات الزيادة بينما الرواية الثانية تنفي الزيادة بالإطلاق السكوتي، فإذاً: لدينا كلامان بينهما تنافٍ، أحدهما صريح ونص، والآخر ظاهر، فنجمع بينهما جمعاً عرفياً بحمل الظاهر على النص، فنقدّم النص على الظاهر، ونتصرّف في الظاهر لصالح النص والصريح، بالنتيجة يمكن أن يقال أنّ مجموع الكلامين له ظهور في التقديم، يعني في وجود الزيادة، فإذا قلنا أنّ له ظهور في وجود الزيادة بهذا التقريب؛ حينئذٍ يكون هذا ظهور ويدخل في باب كبرى الظهور وحجية الظهور، فيكون حجّة؛ وحينئذٍ يصح أن يدّعي قيام السيرة عليه، فهذا الوجه الأول يصلح لتخريج ما قلناه، لكنه تقدّم الجواب عن ذلك، وقلنا بأنّ الجمع العرفي هذا لا يصح في محل الكلام؛ لأنّه لا يوجد عندنا كلامان متنافيان نحرز صدورهما، ولو تعبداً لمتكلم واحد؛ حينئذٍ يجمع بينهما جمعاً عرفياً لتحديد مراد المتكلم الواحد. وهذا لا ينطبق في محل كلامنا؛ لأنّ ما نحرزه هو صدور أحد الكلامين من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)إمّا صدر منه الكلام المشتمل على الزيادة، أو صدر منه الكلام الغير مستمل على الزيادة، فلا مجال لقاعدة الجمع العرفي، وبالتالي لا مجال لأن يقال بأنّ مجموع الروايتين له ظهور في التقديم والبناء على الزيادة وإثباتها.

وبناءً على هذا؛ حينئذٍ لا مجال لإدراج محل الكلام الذي هو كما عرفنا تقديم أحد الظهورين على الظهور الآخر في باب الظهور حتى يُدعى أنّ هذا ثابت بملاك الظن النوعي كما هو الحال في سائر الظهورات الأخرى، فلا داعي لملاحظة ما هي النسبة بين الظهورين، هل هما متكافئان، أو أنّ الظهور الأول أرجح، أو أنّ الظهور الثاني أرجح ؟ والقضية تختلف باختلاف الموارد وليس لدينا ضابط معيّن، في بعض الأحيان قد يكون الظهور في الزيادة أرجح، وفي بعض الأحيان قد تقترن النقيصة ببعض الأمور التي توجب أرجحية احتمال النقيصة من احتمال الزيادة، هذا يمكن فرضه، أرجحية بحسب الظنون الشخصية كما لعلّه نتعرض لذلك. إذا أدخلناه في باب الظهور لا نحتاج إلى ملاحظة ذلك، تكافأ الاحتمالان والظهوران، أو كان احتمال الزيادة أرجح، أو احتمال النقيصة أرجح، في كل هذه الحالات نعمل بالظهور إذا أدخلناه في باب الظهور، لكن ما انتهينا إليه هو أنّه لا مجال لإدراجه في باب الظهور حتى نقول أنّ هذا مبني على الظن النوعي الذي لا يُلاحظ فيه النسبة بين الظهورين من تكافؤ أو أرجحية لهذا على ذاك، أو لذاك على هذا، نقول: هو لا يدخل في باب الظهور، فإذاً: لا مجال لدعوى أننا لا نلاحظ ما هي الأمور التي توجب أرجحية احد الاحتمالين على الاحتمال الآخر.

إذاً: لابدّ أن يكون التقديم المدّعى في المقام، تقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة، أو بعبارة أخرى: تقديم الظهور الأول على الظهور الثاني لابد أن يكون قائماً على اساس آخر، وليس على اساس الظهور وإدراجه في كبرى حجية الظهور .

الأساس الآخر الذي يمكن أن يُذكر في المقام لهذا التقديم هو أحد وجهين:

الوجه الأول: أن يُدعى في المقام بأنّ التقديم قائم بنكتة الترجيح بلحاظ درجات الكشف والظن الشخصي، فيُدّعى أنّ الزيادة بطبعها في قبال النقيصة من دون إضافة عوامل ونكات خاصة، هذه الزيادة توجد فيها خصوصية توجب أقربية صدورها من عدم صدورها، بمعنى أنّ احتمال الزيادة يكون أكبر من احتمال عدم الزيادة، فتُرجح الزيادة على النقيصة على هذا الأساس. هذا الكلام على تقدير تماميته لابدّ أن يكون مشروطاً بعدم وجود ما يوجب أرجحية النقيصة من الزيادة؛ لأنّ المفروض أنّ هذا التقديم قائم على أساس الظنّ الشخصي ودرجات الكشف، فيقال أنّ الزيادة بطبعها يكون احتمالها أكبر من احتمال عدم الزيادة، لكن هذا مشروط بأن لا يقترن بالرواية الأخرى أمور قد توجب أرجحية النقيصة من الزيادة، وهذا ممكن افتراضه كما سيأتي، وكأنه يُراد أن يُدّعى أنّ قضية دوران الأمر بين الزيادة والنقيصة بطبعها الأولي من دون إضافة عناصر أخرى تقتضي تقديم الزيادة على النقيصة؛ لأنّ احتمال الزيادة في هذه الحالة يكون أكبر من احتمال النقيصة، فيقدّم على أساس أنّ درجة الاحتمال هنا أكبر من درجة الاحتمال هناك. لكن في نفس الوقت لابد ّأن يعترف هذا القائل بأنّه في حالات أخرى قد تقترن بالطرف الآخر بعض الأمور الموجبة لأرجحية احتماله بالنسبة للزيادة، في هذه الحالة لا يمكننا أن نقدّم الزيادة؛ بل قد نضطر إلى تقديم النقيصة، ونلتزم بعدم وجود الزيادة.

دليل هذا الوجه للتقديم هو، إمّا الوجه الثاني أو الوجه الثالث المتقدّمين حيث ذكرنا سابقاً ثلاثة وجوه للتقديم، الوجه الثاني كان هو أن يدّعى أنّ مناشئ احتمال الزيادة منحصر بالكذب والغفلة، وكل منهما منفي بقواعد وأصول شرعية، بينما احتمال النقيصة له مناشئ أخرى غير هذين المنشأين، كالاختصار، أو عدم كونه في مقام بيان كل الخصوصيات مثلاً، أو أنّ الناقل فهم أنّ وجود هذه الزيادة أو عدمها سيّان لا يؤثر، فحذفها، فيوجد احتمال مناشئ أخرى في النقيصة غير موجودة في الزيادة، وكلما كثرت مناشئ الاحتمال كلما ضعف احتمال النقيصة، بخلاف احتمال الزيادة فأنه يقوى. أو يستدل بالوجه الثاني الذي هو أنّ الغفلة في حذف شيء موجود أقرب بحسب الطبع من الغفلة في إثبات شيء ليس له وجود. ومن هنا يكون احتمال النقيصة والحذف يكون أقوى، وهذا يثبت الزيادة؛ لأنّ عدم الزيادة تعني أنّ الناقل غفلة أضاف شيئاً ليس موجوداً وهذا بعيد، بينما في النقيصة نقول أنّ الراوي أنقص شيئاً موجوداً، وهذا ليس بذلك المقدار من البُعد في الأول، فهذا يوجب ترجيح احتمال الزيادة على احتمال النقيصة. هذان الوجهان تقدّما وتقدّمت مناقشتهما، والمناقشة المشتركة بينهما هي أنّه سلّمنا كل هذا الكلام، غاية ما يوجب هذان الدليلان أنّ احتمال الزيادة أرجح من احتمال النقيصة، وهذا لا يعني إلاّ الظن بالتقديم والأرجحية، ولكن ما هو الدليل على حجية هذا الظن ؟

نعم ، إذا وصل إلى العلم والاطمئنان بالتقديم؛ فحينئذٍ يكون حجّة، لكن الكلام في أنّه لا يورث إلاّ الظن؛ لأننا لم ندخله في باب الظهور، وإنّما يحصل عندنا ظن بأرجحية هذا الاحتمال من ذاك الاحتمال، ولا نملك دليلاً على حجّية هذا الظن.